Thursday  25/11/2010 Issue 13937

الخميس 19 ذو الحجة 1431  العدد  13937

ارسل ملاحظاتك حول موقعنا
   
     

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الثقافية

           

إن ما نشاهده هنا اختزال لواقع، ولشريحة، ولحالة.

ونحن نفهم الكاتب مما يصرح به أو يشير أو يلمح إليه، لكننا قد نفهمه أحياناً مما يحاول أن يحجبه عنا أثناء عملية الكتابة قاصداً، أم هارباً من «حراس المعنى»، ورقباء الكلام.. أم باحثاً عن جنات إبداعيةٍ وأقواس قزح لا تتحقق له إلا عبر الخيال والغموض الفني الفاره.

والرقيب قد يتمثل فيما يطلق عليه تعسفاً المصطلح الوهمي الفضفاض العادات والتقاليد، والذي يفرض على المرأة الكاتبة قيوداً إضافية، تفوق مرات ومرات ما يفرضه على الرجل..

أو يتمثل في سدنة الكلام الذين كأنْ لا همَّ لهم إلا فرض نواياهم السيئة المريضة على كل نتاجٍ لا يتوافق مع خلفياتهم الثقافية والاجتماعية المتقاعسة عمداً عن العلم والأدب، والثقافة بمعناها الواسع، وعن الحياة المأمولة التي يسعى إليها دون كلل كل مفكر ومبدع بعيد الرؤية، حليف الرؤيا والإلهام.

وهنا « هروب» لأديبتنا شيمة الشمري من أسر السلطة الاجتماعية:» يختبئ الخوف في طرق روحها، حاولت اقتناص لحظة صفاء وشفافية.. لاكتها ألسن السخط، اختبأت، دست نفسها بين صفحات دفترها.. فهناك فقط تتنفس». وهناك عبر قناع الرجل محاولة هروب أخرى من الأسوار:

« تجاوز السور، ابتعد عنه مسافات طويلة، تنفس بعمق، شعر بحريته الغائبة. نظر إلى الوراء، امتقع لونه. كانت الأسوار تتقدم نحوه، وتحاصره من شتى الاتجاهات».

أما السقوط فله قصص مع شيمة، وله معان ودلالات: ففي « اختناق «: «مرّ بجانبها وهو يحدق فيها بعين فاحصة، وكأنه يبحث عن شيء ما.. اجتاحها قلق وخوف كاد أن يقف منه قلبها. تعثرت.. وقعت.. وجد ضالته، صاح بها: (استتري يا امرأة).

وفي « لقاء «: « اصطدم بها، تبعثرت أغراضها. جمعها معتذراً.. نظر إليها: فاستلت قلبه دون أعذار». أما في « سقوط«: « قررت الانطلاق، ارتفعت عالياً محاولةً التحليق، مدّت روحها، أشرعت ذراعيها.. وقعت.. نسيت أنها بلا جناحين!!».

وأما السقوط الأكثر إيلاماً فهو عن هذه الحالة الاجتماعية المسكوت عنها: « لمعت عيناه ببراءة وهو يطلب لوح شوكلاته وقطع لبان. خيمت غيمةٌ سوداء، ولونت الأرضية بلون أحمر! تذوب الحلوى.. يلتصق اللبان بأهداب الغول، تحلق البراءة بأجنحةٍ بيضاء نحو السماء!!».

عبر رصد أنواع السقوط هذه، وعبر رصد سقطات محسوبين ومحسوبات على الساحة الثقافية، بل عبر رصد الحالة الثقافية هنا بشكل عام، تحلق الكاتبة وكأنها تبحث عن قمتها، أو عن الملاذ في قمتها، عبر تتبع الواقع وديانه وسفوحه.. وهي تبدو لصيقة بمجتمعها الكبير الذي تود تغييره، ومجتمعها الثقافي الصغير الذي يخرج لها، أو يعدها بملاذ آخر في كتاب، وقد يكون هو ذاته سبب صداعها وألمها، فهذا هو حال المثقف والكتاب: « دخل مكتبة (الكتاب المستعمل). تصفح الأرفف باحثاً عن كتب قديمة شحت من السوق، تجول وإذا بديوانه يرقد حزيناً بين مجموعة من أقرانه متوسداً الكآبة، متلحفاً بأغبرة المدينة!!».

تكتب شيمة في مجموعتها عن كل شيء تقريباً: الحب، المرأة مثقفة وفارغة، الرجل مثقفا وموهوماً بالثقافة، الزواج، الثقافة عبر التفاصيل، الحرية، الأمل والانكسار والفراغ وحرقة الروح.

إنه بوح روح رغم أنها تبدو سعيدة متأقلمة مع الواقع، إلا أن سعادتها الحقيقية لا تتحقق إلا بالتمرد عليه، خاصاً وعاماً، إذْ هي تدرك خطورته وقيوده:

« غمرها بلطفه.. وجدت نفسها مكبلة بقيود ناعمة، لكنها دائمة «.

وهي تدرك واقع المرأة بشكل خاص، منها هذا الجانب الذي يؤرقها:

« نظر إلى حديقة لونتها ورود زاهية بالحياة، اقترب بشغف، داس البيضاء، قطف الحمراء، هرس الصفراء. أخذ نفساً عميقاً وهو يقول: ما أجمل رائحة الورد».

ونحن هنا نستطيع أن نقول: ما أجمل رائحة الورد التي تفوح من حديقة الكتابة الجادة، التي لا يستطيع هرسها أو حجبها من ينظرون للكتابة والنشر من زواياهم الضيقة، ومصالحهم الخاصة، ولا من ينصبون أنفسهم سدنة للثقافة أو للكلام.. مؤكدين على أن الساحة موعودة بكاتبة حقيقية، ربما تباطأت لتتحسس مواطئ قدميها، راجين ألا تتأخر، وألا تستعجل..

فيما نطلب من الساحة أو من يدعون أنهم أصحابها أن يتركوا مدى للاختلاف والاتساق.. بل يمكننا أن نقول لهم الآن وغدا:ً إن النبتة العنيدة المتشبثة بالحياة والضوء تشق التربة والحجارة وكذلك الصخر!!

وفي النهاية يسعني أن أقول عبر هذه الكتابة العجلى إنني رغم كوني غير متخصص في النقد إلا أنني لا أجد ما يمنع من تدوين ما أحسِن وما حسُن، منحازاً للنصوص والكاتبة التي أعتز بها، فهي من أهلي الطيبين المبدعين، وإن كنت لا أعرفها إلا عبر الكتابة. فلم يجمعنا مؤتمر أو معرض للكتاب، ولا التقينا في أمسية ينقصها حسن التنظيم كما اعتدنا..

وأنا في كل ذلك متجرد من الأستاذية التي لا أجيدها، وإن حسنت في مقامها، مدركاً أنه سينالني بعض العاطلين بسهامها.. وإن شفع لي العمر، وأسندتني التجربة!!

mjharbi@hotmail.com
 

أعراف
ربما الآن!! (2)
محمد جبر الحربي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظ  

 
 
 
للاتصال بنا الأرشيف جوال الجزيرة الإشتراكات الإعلانات مؤسسة الجزيرة