Thursday  25/11/2010 Issue 13937

الخميس 19 ذو الحجة 1431  العدد  13937

ارسل ملاحظاتك حول موقعنا
   
     

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الثقافية

           

استمتعت بمقال الأستاذ الدكتور إبراهيم بن عبدالرحمن التركي الممتاز المنشور في صحيفة (الجزيرة) بعددها الصادر في 6-11-2010 تحت عنوان (من يعيد ماذا؟).

جمال عرض (أبو) يزن، وجزالة أسلوبه ودقة مفرداته، ميزات معروف بها مشتهر بإتقانها.

ومما اجتمعت فيه كل هذه الصفات الجميلة قوله (لم تخب الدعوة لإعادة كتابة التاريخ، وهي بكل ما تتضمنته من إغراءات وما يعتورها من إشكالات مطلب متعذر لتداخل السياسي بالديني والموضوعي بالمذهبي وعدم خضوعه للاشتراطات الحديثة في الجرح والتعديل مما يجعل مجرد التفكير فيه على مستوى الأمة ضرباً من الخيال)، الذي يشكل بحق قطعة أدبية فلسفية سياسية اجتماعية ممتلئة بلمحات فكرية سوية وناضجة بلا جدال.

ومثل هذا القول في الجودة قوله أيضاً (وبحكم انتمائنا للمدرسة الدينية فقد كان التناقض يعصف بنا بين نظريات القومويين والإسلاميين، فالصوت لجماعة والمنطق لأخرى، والهوى هنا والعقل هناك، ويُطلب منا أن نقارن بين عبدالحميد وأتاتورك وبين البنَّا وعبدالنصار، ونستمع للجاج لا ينتهي، ونشارك فيه بعلم حيناً وحماسة أحياناً دون أن نصل لناتج يرضي المحاكمة والحكم)، وهو قول يصف حقيقة الحياة الفكرية والسياسية التي سادت منطقتنا العربية في الحقبة الماضية بدقة متناهية، وإحساس صادق، وفكر عميق. ويثبت أيضاً أن هذه الحياة انطلقت من العقل الخيالي المنفعل الساخن المشحون بالمشاعر الملتهبة، وليس من العقل الواقعي العملي البارد البعيد عن العواطف العاصفة.

وينم كذلك عن حيرة لفت عقول الناس وقلوبهم مثقفين كانوا أو غير مثقفين على امتداد القرن الميلادي المنصرم، وهي حيرة لامجال لإنكارها أو التهوين من شأنها. وممن شاركوا الدكتور (أبو) يزن في الحيرة فترة ليست قصيرة شخصي الضعيف، فقد لقنت وأنا يافع بأن الخلافة العثمانية (الإسلامية) هي سبب كل بلاء أصاب العرب، وأن عليهم الابتعاد تماماً عن تركيا بل مناصبتها العداء حتى بعد أن أصبحت دولة علمانية لا تؤمن بالإسلام ديناً فضلاً عن أن يكون دولة.

وعندما ظهر عبدالناصر في أوائل النصف الثاني من القرن الميلادي الفارط زعم أنه قائد الأمة العربية (الأوحد) من الماء إلى الماء، وأنه سيحرر شعوبها من العبودية للاستعمار الظالم، ومن الرق للحكام الرجعيين، واستمر يغرقنا بالشعارات البراقة واللجاجة الجوفاء، ويثيرنا بالحماس، ويستنهضنا بالعنتريات إلى يوم 5-6-1967 المشؤوم حين استيقظنا على أبشع هزيمة مُنيَ بها العرب في تاريخهم القديم والوسيط والحديث، حينذاك زالت الحيرة بعد أن اكتشفنا متأخرين زيف ما كنا فيه، وبان لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وظهر لنا أننا عشنا فترة طويلة مخدرين أو مثل (الطرشان في الزفة) كما يقال، لا نعي ما يدور حولنا، ولا نفهم مجريات الأمور على وجهها الصحيح (مع أن المؤشرات إلى الكارثة المقبلة كانت واضحة لمن يعقلون)، فنكصنا بسبب الهزيمة النكراء على أعقابنا منكفئين مستنكرين الضلال الذي لف حياتنا وأحوالنا، والتضليل الذي ملأ أيامنا وليالينا، وصحا (أكثرنا) صحوة كانت (للأسف) متأخرة جداً وفي وقت لم يكن فيه مجال ولا متسع إلا للندم.

ثم جاء صدام (حجاج هذا العصر وفي العراق أيضاً) ففعل كل ما فعله الحجاج (الأصلي) بل تفوق عليه، وكما أمضى الحجاج في التقتيل لحساب الخليفة الأموي بدمشق، تصرف صدام مثله أو أشد منه،ولكن لحساب (الدمشقي) مؤسس الحزب الذي انتمى إليه، ورفع صدام راية القومية العربية، وتحت مظلتها اجتاح دولة الكويت (العربية) ونكل بأهلها (العرب)، واعتدى على دولة خليجية (عربية) أخرى بالصواريخ، وهكذا زادتنا أفعال عبدالناصر ومآسي صدام يأساً من واقعنا الأليم، وكذلك من مستقبلنا المجهول.

وعن التاريخ -يعني تاريخ منطقتنا العربية- يقول أبو يزن: (إنه بتواقيع عصبية وعنصرية وأعجمية)، وهذه عبارة غنية بالدلالات، وهي صحيحة ودقيقة إذا كانت تشمل المؤرخين العرب الذين شاركوا المؤرخين الأعاجم فيما فعلوه، فقد كتب المؤرخون من الجانبين التاريخ كل على هواه أو كما رآه أو كما أوصي له به، هذا هو العدل الذي لا يتجزأ، والمكيال الواحد هو ميزانه الذي لا يخطئ، ويمكن اعتبار هذه العبارة (عند التأمل) بمثابة دعوة ضمنية إلى المؤرخين الغلاة من العرب والعجم معاً بأن عليهم أن يرعووا جميعاً عن تطرفهم ويكفوا عن الإثارة والتحريض ضد بعضهم، خاصة بعد أربعة عشر قرناً مضت على الفتنة الكبرى بسبب الخلاف السياسي بين معاوية وعليّ، وفي ظروف حالية قائمة السواد، لأن هذه التأزيم المتبادل المستمر سيصب في نهاية المطاف في مصلحة إسرائيل، وقد أحسن أبو يزن حين أكد هذه المعاني بصراحة بقوله (ويبقى الأقدمون أمة سلفت لها ماكسبت وعليها ما اكتسبت، ومن قصور النظر الاحتراب حول التاريخ واستعارة أمثلته).

ولكني لم ألبث أن فوجئت بعد قولي أبي يزن السابقين الصحيحين والدقيقين بقوله (إن كتابة التاريخ الإسلامي وتحديداً الأموي على يد الموالي المتعصبين وارت الحقيقة)، وبقوله (لقد تشوه معاوية المفترى عليه رضي الله عنه بحيث صار الدفاع عن تهمه، ويكفي أنه أحد كتبة الوحي المطهر وباني أكبر توسع امتد به الإسلام شرقاً وغرباً ومنشئ الدواوين ومثبت الأمن وسيد الساسة والحكماء، ولا تزال شعرته مثلاً للإدارة المتوازنة لتنحصر مشكلته في أنه عربي)، وبقوله (إن الحجاج قائد عسكري له دوره في تثبيت الأمن، وإذا تجاوزنا المؤرخين المذهبين فإن المنصفين قد وعوا حقه وسجلوا مآثره، ومن يقرأه بلغة اليوم سيدرك أنه لا يستحق التشويه الذي طاله).

والعجيب أن أبا يزن ذكر في السياق نفسه إلى جانب أقواله الثلاثة الأخيرة «نقلاً عن سيد القمني» (أن معاوية وولده يزيد لم يمنعهما إسلامهما من قتال آل بيت الرسول ومن حزّ رأس الحسين، كما لم يمنع الإسلام والي العراق الأموي الحجاج من إعدام مائة وعشرين ألفاً من العراقيين المسلمين ومن استباحة النساء المسلمات) وهو بهذا يدين -على لسان القمني غير مقتنع برأيه - معاوية ويزيد والحجاج بعد أن مدحهم، وقد أشعرتني المقارنة بين هذه الأقوال (في البداية) بتناقض أو أوقعتني على الأقل في الالتباس، ولكني عرفت أن كلام أبي يزن في مقام أنتقاد القمني.

ولا يسعني -مادام الشيء بالشيء يُذكر- كما يقال إلا الثناء والإطراء بصدق على الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز الذي كان حقاً طيب السريرة، حسن السيرة، متصفاً بأمثل الصفات، ومنعوتاً بأكمل الشمائل، ومُكللاً بالإنجازات في مناحي الحياة على الرغم من قصر مدة حكمه.

أما إيجابيات معاوية التي ذكرها أبو يزن فأنا أرى أنه من غير السائغ اعتبارها حكراً عليه، وهي فوق ذلك لا تكفي لإثبات تميزه على غيره من الصحابة الذين قادوا جيوش المسلمين التي انساقت فاتحة في كل الاتجاهات خارج الجزيرة العربية، ولو كان القائد غير معاوية من الصحابة الذين عُرفت عنهم المقدرة الحربية واشتهروا بالشجاعة والإقدام مثل خالد بن الوليد لكانت النتيجة الإيجابية هي نفسها بل ربما كانت أفضل، ولكانت الأقطار المفتوحة واسعة وربما أوسع، ولذلك يمكن القول إن معاوية ليس إذن الأوحد بين القادة العرب والمسلمين في القدرات الخارقة والإمكانات المتميزة والقيادة الفريدة التي دخل التاريخ وحده أو قبل غيره بسببها.

وفيما يخص (شعرة) معاوية فأقل ما يقال فيها إنها تدخل في باب (التّقيه) والتّقيه (كما هو معروف) أسلوب يظهر به الإنسان شيئا ويخفي ضده، أو يستر خلافا مذهبياً أو اتجاها فكريا أو رأياً شخصيا غير متفق عليها، ولا يخلو أحد في الحقيقة مهما كان دينه أو مذهبه و فكره أو رأيه في القديم والحديث من لون من ألوان (التقية) وبدرجة و بأخرى يستعملها في بعض المواقف التي يخشى فيها ظالماً أو يتوقى مظلمة أو يتحسب لمغبة عمل غير مقبول ارتكبه أو ينوي ارتكابه. وأما (اشتراك) معاوية في كتابة الوحي (على أهميتها) فليست ميزة فريدة تمنحه وحده حصانة خاصة دون سائر الكتبة أو دون أكثرهم، أولئك الذين أصبحوا شبه منسيين أهملهم التاريخ ما لم يذكرهم إلا لماماً، والحصانة لا تكون إلا للأنبياء كما هو مقرر، وعندي أن هذه الكتابة قد اكتسبت قيمتها العليا أولاً وقبل كل شيء من كون المكتوب قرآناً وليس من كون الكاتب معاوية بالذات، إذ كان من الممكن أن يكتبه غيره منفرداً أو (بالاشتراك)، لذلك فهي لا تحول دون انتقاده لأن عدم انتقاده وعدم انتقاد أي من الصحابة غيره يدخلهم بالضرورة في باب العصمة، ويصبحون بهذا معصومين كالنبي سواء بسواء، والممنوع (فقط) هو سبه وسب كل الصحابة لقول الرسول (لا تسبوا أصحابي) ولم يقل (لا تنتقدوهم) والفرق بين الانتقاد والسب واضح والبون بينهما شاسع، وسب شخص عادي لا يليق (أساسا) بل هو مستكره، وربما يحرم في بعض الأحوال، فما البال إذا كان من سب صحابياً أياً كانت منزلته في الصحبة، ولعل الرسول نهى عن سب الصحابة لأنه توقع أنه سيأتي حين من الدهر يظهر من سيسب صحابياً أو أكثر لسبب أو لآخر.

وأما إنشاء معاوية لدواوين فهذا شأن إداري داخلي يشكل بصورة طبيعية صلب واجبات أي حاكم ناجح، ومثل هذا يقال عن قدرته على تثبيت الأمن والخليفة والوالي إن لم يفعلا ذلك (دون تجاوزات أو ظلم) فقد ضاعا وأضاعا.

وأما ثناء أبي يزن على الحجاج فهو ثناء مستطاب لقائد ارتأت الجمهرة (على الأقل) عدم مدحه، وأنا لا أعرف عن الحجاج سوى الإفراط في العنف والتفريط في الاعتدال مخالفاً في ذلك منهج الخليفة معاوية في إبقاء شعرة لا يقطعها أبداً بينه وبين خصومه، ومآثر الحجاج على ما ذهب إليه أبو يزن - أثناء ولايته على العراق (إن وجدت) فقد كانت مغموسة بالدماء (البريئة على الغالب) وهي لذلك لا تعد من حسن السياسة ولا من الكياسة في شيء، ولا تدخله التاريخ من أنظف أبوابه وأوسعها بل من نقيضهما من الأبواب، ويبدو لي أن الأخ (أبو) يزن لم يتنبه إلى أن ثناءه القوي على الحجاج يجعله كمن يمدح عبد الناصر وصداما (بغير قصد طبعا) وهما اللذان أشبها الحجاج في تصرفاته، بل ربما زاد صدام عليه.

ومما قاله أبو يزن في مقاله (وكما كتب الفرس التاريخ أمس فإنه يوجهونه اليوم، ومن له ثارات كما كسرى فإنه يوظفها في الزمان والمكان كما يشاء). وبصرف النظر عن كون العرب قد فعلوا الفعل نفسه كما ذكرنا من قبل فأنا بما وجهته من نقود لست ممن لهم ثارات ككسرى ضد عشيرتي العرب أوظفها في الزمان والمكان كما أشاء لأني (عربي حتى النخاع، كما هو القعقاع، وسني الإسلام، إلى يوم الحشر والقيام) ولكن الحق - كما أراه - أحق أن يقال، تبرئة للذمة والحال.

بقي أن أقول في النهاية: إنك يا أبا يزن أخ عزيز، وصاحب حاضر مشرف، ومستقبل مشرق.

صح لسانك وعلا قدرك، فهنيئاً لي محبتك، وسعداً لشخصي قربك، وشل لساني إن أردت بك ولك غير الخير والرفعة، أقدم مشاعري المخلصة في باقة عطرة من الورد والفل والقرنفل والياسمين، وسائر الطيبات من الروائح والرياحين.

والكلمة بعد الأخيرة هي أني أعتقد صادقاً غير محاب بأن (القرطاس والقلم يعرفانك ويفخران بك) كما عرفا المتنبي في فخره، فسيماهما في عقلك وبين أناملك، وشتان بين من يقول هذا مادحاً نفسه مفتخراً بإمكاناتها حتى لو استحق المديح كالمتنبي وبين من يمدحه غيره عن جدارة واستحقاق وبصدق خال من الرياء كأبي يزن.

ولعلي قبل أن أقول (بأمان الله) قد أجبت عن سؤال أبي يزن الذي جعله عنواناً لمقاله، وهو (من يعيد ماذا؟) فإن كنت أجبت فحمداً لله، وإن لم أجب فأمري إلى الله وأنا وأبو يزن (في الهواء سوا) كما يقال.

 

مَنْ يُعيد ماذا؟ مرة أخرى
أ. د. عبدالكريم محمد الأسعد

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظ  

 
 
 
للاتصال بنا الأرشيف جوال الجزيرة الإشتراكات الإعلانات مؤسسة الجزيرة