Monday  13/12/2010 Issue 13955

الأثنين 07 محرم 1432  العدد  13955

ارسل ملاحظاتك حول موقعنا
   
     

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وجهات نظر

           

لقد انطلقت فكرة إنشاء الدولة الصهيونية من مبدأ إيجاد حل للمشكلة اليهودية في أوروبا مستندة في ذلك إلى تصدير ما كان يطلق عليه الفائض البشري اليهودي في أوروبا، بالإنجليزية «Jewish human surplus in Europe» إلى مكان خارج أوروبا واستقر المخطط الإمبريالي على فلسطين نظراً لموقعها الجغرافي الإستراتيجي ولأنه من السهولة بمكان إقناع هذا الفائض البشري اليهودي بأن الهجرة إلى فلسطين ليس محاولة للتخلص منهم، وإنما هو عودة إلى أرض الميعاد، وبالطبع تكون هذه الدولة قلعة أمامية تدافع عن مصالح الغرب في المنطقة وتشكل حاجزاً جغرافياً بين المشرق العربي والمغرب العربي، وبالفعل قامت هذه الدولة الصهيونية، ولا تزال تقوم بدورها كقاعدة استعمارية للاستعمار الغربي بكفاءة عالية بسبب ضعف المقاومة العربية، الأمر الذي ضمن لها استمرار الدعم الغربي العسكري والسياسي والاقتصادي، وقد كان محور البرنامج الصهيوني ولا يزال نقل الفلسطينيين العرب من فلسطين إلى خارجها، ولكننا نعرف أن الصهيونية فشلت في تهجير كامل الشعب الفلسطيني إلى خارج فلسطين وبقي مئات الآلاف الذين بلغ عددهم الآن داخل فلسطين ما يزيد عن خمسة ملايين نسمة، وقد ازداد وعيهم بهويتهم العربية الفلسطينية، علماً أن مقاومة هذا المشروع الصهيوني قد بدأت منذ مؤتمر (بازل) في سويسرا عام 1798م.

حارب العرب مع الحلفاء (الغرب) في الحربين العالميتين الأولى والثانية ودفعوا ثمناً باهظاً كلنا نعرفه، ولكن هذا الغرب الناقض للعهود والوعود دائماً كافأ العرب قبل انتهاء الحرب الأولى بمعاهدة (سايكس بيكو) وبوعد بلفور، وبعد الحرب الثانية اتحفنا بإنشاء دولة إسرائيل عام 1948م، وفي أوائل الألفية الثالثة طلع علينا بوش الابن بأكذوبة مفادها أن الله أمره بغزو أفغانستان ففعل، وأن الله أمره باحتلال العراق ففعل، وأما وزيرة خارجيته (كونداليزا رايس) فقد زرعت المنطقة ذهاباً وإياباً مبشرة بشرق أوسط جديد وفي جعبتها خارطة تظهر عليها تقسيم دول عربية إلى دويلات بحيث تأخذ من كل دولة جزءاً وتضيفه إلى أجزاء أخرى وتطلق عليه مسمى جديد للدولة الوليدة المزمع إقامتها، ونحن نرى اليوم معالم هذا المخطط في أرض السودان وبالطبع انضم إلى بوش رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير الذي تخلى عن الكنيسة البروتستانتية والتحق بالكنيسة الكاثوليكية المتعصبة دينياً.

هؤلاء هم من أقاموا دولة إسرائيل يحصرون سياستهم بالمفاهيم الدينية ولذلك لا نستغرب إذا طلعت علينا دولة الكيان الإسرائيلي وطالبت العرب بالاعتراف بها كدولة يهودية وهي بذلك لا تأتي بشيء جديد إذ انها منذ نشأتها طالبت الرئيس الأمريكي ترومان الاعتراف بها كدولة يهودية عام 1948م ولكنه شطب (دولة يهودية) واستبدلها بعبارة دولة إسرائيل.

لقد تأسست الدولة الصهيونية عام 1948م وأصدرت قانون العودة دون أن تعرف من هو اليهودي الذي يحق له العودة إلى فلسطين المحتلة وما هي اليهودية التي يؤمن بها، وقد أدى هذا الأمر إلى إثارة سؤال الهوية داخل المستوطن الصهيوني.

والحال هذه يحق لأي باحث أن يسأل هل يمكن تأسيس دولة يهودية دون تعريف الهوية اليهودية ودون تعريف من هو اليهودي؟ هذه الإشكالية لا زالت بعيدة عن الإعلام العربي رغم أنها ذات أهمية كبرى لأنها تمس طبيعة الكيان الصهيوني الاستيطاني الإحلالي، إذ إن تعريف الهوية مسألة أساسية للعقد الاجتماعي الصهيوني، مع ملاحظة التناقض الصارخ بين الجماعات الصهيونية الرئيسية الثلاث المتواجدة في الأرض المحتلة وهي السفارد والاشكناز والإسرائيليين، هذا التناقض يشمل ثقافات هذه الجماعات ويشمل المعتقدات الدينية لهذه الجماعات وحتى لغات هذه الجماعات، لأنها قد رحلت إلى فلسطين من جميع أنحاء العالم وحملت معها معالم الثقافات التي عاشت وسطها.

وإذا أردنا معرفة الأسس المعرفية للمفهوم الصهيوني للهوية نرى أن تلك الأسس ترتكز على الخطاب الفلسفي الغربي الحديث والذي نجد فيه أن كلمة طبيعة بمعنى المادة هي الأكثر شيوعاً، وبهذا الخصوص فإن تصور المرحوم عبدالوهاب المسيري توجد رؤيتان أساسيتان للكون (الإنسان والطبيعة) أما الرؤية الأولى فتذهب إلى أن الإنسان ليس مجرد جزء لا يتجزأ من الطبيعة/ المادة وإنما هو جزء يتجزأ منها، وأما الرؤية الثانية فتذهب إلى أن الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة/ المادة وأنه كائن ذو بعد واحد (إنسان طبيعي، إنسان اقتصادي، إنسان جسماني) خاضع للحتميات الطبيعية المادية والاجتماعية التي لا يمكن تجاوزها، وفي تصور المسيري فإن الفكر الصهيوني يدور في فلك الرؤية الثانية التي يمكن أن نسميها ميتافيزيقا الحلول، وفي حالة الصهيونية فإن الشعب اليهودي والأرض اليهودية هما موضع الحلول الإلهي وهذا الحلول الإلهي يجعل منهم شعباً مختاراً ومقدساً مما يعني فرادته وتفرده وعزله عن بقية شعوب الأرض، كما أن الحلول الإلهي يجعل الرابطة بين الشعب المقدس والأرض المقدسة رابطة عضوية حتمية لا يمكن فكّ أواصرها، كما لا يمكن للآخر غير اليهودي فهمها وسبر أغوارها بسبب تفردها، وقد اعتمدت الأيديولوجية الصهيونية إلى تأكيد الوحدة الجماعية على حساب الثراء والتنوّع حتى يسبغ الصهاينة الشرعية على برنامجهم الذي يذهب إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية إن هم إلا شعب واحد وأن هذا الشعب لا يمكنه أن يحقق شخصيته إلا في وطنه القومي، ولكننا لو نظرنا إلى واقع أعضاء هذه الجماعات لاكتشفنا مدى زيف المقولات الصهيونية، فأعضاء الجماعة الصهيونية يتسمون بالثراء والتنوّع وعدم التجانس والتعددية، إضافة إلى الخلافات الدينية العميقة التي تعود إلى اختلاف الأصول الحضارية كما ذكرت سابقاً.

وهكذا نجد أن الكيان الإسرائيلي يعتمد أيديولوجية دينية مأخوذة من نصوص توراتية بما فيها نصوص العهد القديم والعهد الجديد، وها نحن نراه اليوم يسعى جاهداً وبكل الوسائل السياسية والعسكرية فيدعونا (العرب) إلى الاعتراف بكيانه على أنه دولة يهودية، وقد أضاف قبل أسبوعين فأعلن أن القدس عاصمة أبدية للشعب اليهودي، ولتحقيق هذا الاعتراف يسعى الكيان الإسرائيلي إلى تغيير معالم الأرض يومياً سواء كان ذلك في القدس أو الضفة الغربية إضافة إلى جملة من التشريعات ومن ضمنها تشريع قسم الولاء للدولة اليهودية الذي يطالب العرب الموجودين داخل إسرائيل بأن يقسموا على الولاء للكيان الإسرائيلي كدولة يهودية.

فماذا يعني الاعتراف بالكيان الصهيوني على أنه دولة يهودية؟ بكل بساطة ودون حاجة للتحليل فإن الاعتراف بالكيان الإسرائيلي على أنه دولة يهودية يعني الاعتراف بالصهيونية وهذا يعني بدوره أن مطالبة العرب بفلسطين هي مطالبة غير عادلة مطالبة خاطئة، أي أن فلسطين هي ليست للعرب وإنما هي للشعب اليهودي، وهنا يريدون تزوير التاريخ والاعتداء لأنهم ينسون أن اسم فلسطين هو تسمية متأخرة لهذه الأرض عُرفت لقرون عديدة باسم (أرض كنعان) ومن قبلهم اليبوسيون، وحتى عندما خرج موسى من مصر وأرسل نقباءه الاثني عشر ليتعرفوا على أهل ذلك البلد عاد هؤلاء النقباء وأخبروه أن البلد هي أرض كنعان وأن أهلها هم الكنعانيون. إن هذا الاعتراف إذا حصل لا سمح الله يعني شطب نضال الشعب الفلسطيني والشعب العربي لمدة مئة سنة، ويعني أن الأرض يهودية، ويعني شطب حق العودة لستة ملايين لاجئ مشردين في العالم، ويعني تهجير ما تبقى من الفلسطينيين في عام 1948م، ويعني أننا قبلنا التعامل بالمشروع الصهيوني الذي يرتكز على عدم الاعتراف بالآخر، ويعني أننا نعترف بخطئنا في مطالبتنا بفلسطين، ويعني أن الشعب الفلسطيني ليس له حق في فلسطين، ويعني تنازلنا عن مقدساتنا في فلسطين وعلى رأسها المسجد الأقصى، وتنازل المسيحيين عن مقدساتهم وعلى رأسها كنيسة القيامة، إن هذا الاعتراف يعني أن العرب كانوا معتدين بمطالبتهم بفلسطين وأنهم معتدون بمطالبتهم بحق العودة، يعني الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني.

هذه هي مفاهيم الصهيونية، إنها أفكار خبيثة هدفها تجريد الشعب العربي من كل حق في أرض فلسطين، لقد تناسى اليهود حماية الدولة الإسلامية لهم عندما كان الغرب يطاردهم في كل مكان، إنها أفكار عنصرية احتلالية وإحلالية تجاوزت العنصرية التي كانت سائدة في جنوب إفريقيا، وأن هذه العنصرية الصهيونية هي سياسة ممنهجة تسير وفق مخططات خبيثة تهدف إلى محو التاريخ الإسلامي بثقافته الإنسانية التي شهد بها بعض المؤرخين المنصفين من الغرب، والتي ارتكزت على احتواء جميع الشعوب التي عاشت بكنف الدولة الإسلامية، عاشت تحت لواء الإسلام بعدالته وتسامحه، حفظ الإسلام للأقليات حقوقها الدينية والاجتماعية والإنسانية بعيداً عن العنصرية أو التعصب الديني، وكانت الوظائف وحتى الكبرى منها متاحة لكل صاحب كفاءة بغض النظر عن عرقه أو دينه أو لونه، ولو كانت الدولة الإسلامية عنصرية كالصهيونية لانتهت الأديان لأنها شرقية، واختفت الكنائس والكنس، وإن بقاء هذه المعابد ومن يتبع إليها إنما هو دليل قاطع على أن الدولة الإسلامية قد أنصفت جميع من كان يعيش تحت حكمها، وقد قال أحد المؤرخين المستقلين، بأن الدولة الإسلامية كانت دولة شعوبية مفتوحة إلى جميع الشعوب، وحتى الآن نجد الآشوريين وغيرهم مثل الأكراد والأتراك يعيشون في الوطن العربي بهويتهم، وهذا عكس ما تفعله الصهيونية في فلسطين، إذ انها تسعى جاهدة لطمس كل شيء، التاريخ والثقافة والهوية، ومن المضحك أن الكيان الإسرائيلي يطالبنا بالاعتراف به كدولة يهودية في زمن العولمة والحداثة وفي الوقت الذي أصبح العالم قرية صغيرة، حقاً إن هذه المطالب لا تتماشى مع اللحن الموجود الذي ألغى كافة أنواع العنصرية، وعندما تطالب إسرائيل بالاعتراف بها كدولة يهودية تكشف بذلك عن نفسها بأنها تريد أن تحذو حذو القاعدة وطالبان، وقد ظهرت عنصريتها بوضوح عندما أعلنت أنها ستخرج اليهود السود من كيانها لأن لون بشرتهم أسمر، إنها العنصرية المطلقة ومنتهى التعصب الديني البغيض.

أمام هذه الحالة من التطرف الديني والعنصري على العرب أن يعيدوا قضية فلسطين إلى الواجهة العربية وأن يعطوها الأولوية في سياساتهم وعلاقاتهم مع أي دولة تتعامل معهم، يجب عليهم عدم الاعتراف بالصهيونية وعدم الاعتراف بالدولة الصهيونية لأن ما تطالب به إسرائيل هو استنساخ لنموذج كامب ديفيد، يجب على العرب ألا يقبلوا بهذه الدولة المعروضة على الفلسطينيين لأنها ليست إلا دولة ممسوخة سلفاً، فهي عبارة عن كانتونات مقطعة الأوصال، وبدلاً من ذلك على العرب والفلسطينيين أن يضعوا في اعتبارهم تحرير فلسطين وليس التنازل عنها للصهيونية، ولا يحق لكائن من كان أن يتنازل عن حق العرب والمسلمين في فلسطين لأنها وقف ولأنها أرض الرباط وأرض المقدسات ولا ننسى أن القدس هي أرض الإسراء والمعراج لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

 

في زمن العولمة تظهر دول عنصرية دينية
مي عبدالعزيز عبدالله السديري

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظ  

 
 
 
للاتصال بنا الأرشيف جوال الجزيرة الإشتراكات الإعلانات مؤسسة الجزيرة