كنت خلال الفترة الماضية ولا زلتُ متابعاً بشغف لكل ما يقع بين يدي من مقالات صحفية دوّنها الكثير من الكتاب حول شخصيتين وطنيتين عظيمتين وقامتين باسقتين وعلامتين فارقتين في مسيرة التنمية والثقافة والفكر والإدارة في مملكتنا، كلا الشخصيتين أبى عامنا الهجري المنصرم سوى أن يرحل بهما في معيته دونما رجعة، ولا راد لقضاء الله وقدره، إنهما الراحلان معالي الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي ومعالي الدكتور محمد عبده يماني رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته، ولو كان في السطور متسع لاستعرضت من تلك المقالات المنشورة الكثير والكثير، فجميعها تشع معانيها وفاءً، وتسطع حروفها عرفاناً، لكن أكثر ما لفتني أربعة منها، حيث كتب كل من معالي الدكتور علي بن طلال الجهني والدكتور محمد رضا نصر الله عن صديقهما المرحوم الدكتور غازي القصيبي، بينما كتب الدكتور فهد العرابي الحارثي وكذلك الدكتور سليمان محمد العيدي عن المرحوم الدكتور محمد عبده يماني.
كان القاسم المشترك الذي لفتني في تلك المقالات هو الرصد الجميل لمواقف ووقائع حدثت في حياة الراحلين، إنها الزوايا الرائعة التي كانت ربما خفية عن أعين الكثير من عامة الناس، مواقف هي في الحقيقة تخليد لسيرة الراحلين العطرة، وقصص جديرة بأن تدون وبأن تحكى للأجيال القادمة، بل ما المانع من أن تُطرح كمادة دسمة للنقاش والبحث والدراسة، من هنا أجدها مسؤولية كبيرة يحملها على عاتقه كل من كانت تربطه أواصر صداقة حميمة مع الفقيدين رحمهما الله سواءً على المستوى المهني أو الشخصي، نحن بانتظار مشاريع كتابية احترافية على شاكلة كتاب خالد بن حمد المالك (للتاريخ ولغازي القصيبي)، وهنا أود طرح فكرة ترجمة تلك الكتابات ومثيلاتها إلى لغات أخرى، أو تبني تلك الكتابات وتحويلها مستقبلاً إلى أفلام وثائقية، والفكرة الأخيرة تحديداً لو جدت طريقها للنور فسوف تضعنا حقاً في أجواء خاصة ومميزة، وستجعلنا بالتالي نعيش أبعاد التجربة من جديد ونسبر أغوارها ونستكشف زواياها فنعيها ونستلهم من دروسها الكثير مما سنحمله حتماً للأجيال القادمة.
إن غازي القصيبي ومحمد عبده يماني وغيرهما الكثير من أبناء هذا الوطن كانوا نجوما ساطعة في سماء التنمية والعلم والفكر في حياتهم، ومن العرفان والجميل لهم أن نحتفي بكل ذلك الزخم الذي كانوا يحملونه في تجاربهم الناجحة حتى بعد رحيلهم، ولأن قصص الصداقة غالباً تحمل معها الكثير من التجلي والشفافية والإنسانية مما قد لا يظهر في زحمة العمل الروتيني وأعباء الواجبات الإدارية المتلاحقة، لذلك فليكتب الأصدقاء الأوفياء عن أصدقائهم الراحلين، ولنقرأ نحن ونتابع بتمعن وتدبر وشغف، فهكذا نستثمر تجربة الإنسان للإنسان.
محاضر بجامعة جازان -