الرفق واللين خصلتان جميلتان في معانيهما وكذلك في تطبيقاتهما، وقد أمرنا ديننا الإسلامي بالرفق على الصغير والفقير والمحتاج والضعيف، كما أمرنا بالرفق بالحيوان وأن لا نحمله ما لا يطيق وأن نطعمه ونسقيه.
وحياتنا المزدحمة بالأعمال المتراكمة سواء الخاصة منها أو العامة، هي التي تسبب لنا التوتُّر والانفعال الشديد مما قد يفقدنا التعامل مع الآخرين برفق ولين سواء في العمل أو المنزل.
وعادة نرى أنّ أغلب المسؤولين الذين لهم علاقة بالجمهور هم الذين يصيبهم التوتُّر والغضب السريع من كثرة المراجعين، من حيث أسئلتهم ومناقشاتهم عن معاملاتهم، فنراهم عابسي الوجه، فاقدي الابتسامة طوال يومهم بسبب توتُّرهم، مما يؤدي إلى عدم التعامل برفق ولين مع المراجعين، وإنهاء متطلّباتهم بصورة سريعة.
والتوتُّر والغضب أيضاً قد يؤثر على الآباء والأمهات أثناء تعاملهم مع أبنائهم أو إخوانهم وأخواتهم في المنزل، فتجد أنّ بعض التعاملات الأسرية بين أفراد الأسرة الواحدة تفتقد إلى الرفق واللين، مما يؤدي إلى الكثير من المشاكل الأسرية بين الآباء والأبناء والعكس، والتي قد ينتج عنها انحرافات سلوكية خطيرة لا يستطيع الوالدان من معالجتها فيما بعد.
ومن هذا، المنطلق فإنه يجب علينا أن نعوّد أنفسنا على التعامل بالرفق واللين، وأن نبتعد عن الأسباب التي قد تغضبنا وتوترنا، وأن نغرس في نفوسنا ونفوس أبنائنا والآخرين حب التعوُّد على هذه الخصال الجميلة التي حثّنا عليها ديننا الحنيف، وذلك بأن نعفو ونحلم، ونصفح، ونكظم الغيظ، ونعتذر، ونقبل المعذرة والعتاب.
والرسول - عليه الصلاة والسلام - هو قدوتنا وموجّهُنا، فقد قال: ما جاء الرفق في شيء إلاّ زانه، وما نزع منه إلاّ شانه، كما قال صلى الله عليه وسلم يخاطب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (يا عائشة .. إنّ الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) صحيح البخاري.
والحديث مليء بالفوائد والتوجيهات التربوية الكثيرة التي تجعلنا نحرص دائماً على التعامل مع غيرنا برفق ولين.
وقد نزلت آيات كثيرة في القرآن الكريم تحث على الرفق واللين، فقد أمر الله سبحانه وتعالى موسى وهارون عليهما السلام أن يتعاملا مع فرعون برفق ولين، حيث قال تعالى: ?إذهَبَآ إلَى فِرعَونَ إنََّهُ طَغَى (43) فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى?طه: 43 - 44.
وتاريخنا الإسلامي مليء بالشواهد والقصص الكثيرة التي توضح لنا أهمية التعامل بالرفق واللين والتسامح بين المسلمين، فيروى: أنه كان لعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أرض بالمدينة وكان له فيها عبيد يعملون فيها، وإلى جانبها أرض لمعاوية وفيها أيضاً عبيد يعملون فيها، فدخل عبيد معاوية في أرض عبدالله بن الزبير، فكتب عبدالله بن الزبير كتاباً إلى معاوية يقول له فيه: أما بعد، يا معاوية، إنّ عبيدك قد دخلوا في أرضي، فانههم عن ذلك، وإلاّ كان لي ولك شأن، والسلام. فلما قرأ معاوية الرسالة، دفعها إلى ولده يزيد، فلما قرأها قال له معاوية: يا بني ما ترى؟ قال: أرى أن تبعث إليه جيشاً يكون أوله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه، فقال: بل غير ذلك خير منه يا بني، ثم أخذ ورقة، وكتب فيها: أما بعد، فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وساءني ما ساءه، والدنيا بأسرها هينة عندي في جنب رضاه، نزلت عن أرضي لك فأضفها إلى أرضك بما فيها من العبيد والأموال، والسلام. فلما وصلت الرسالة إلى عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما، كتب إليه: قد وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، ولا أعدمه الرأي الذي أحلّه من قريش هذا المحل، والسلام. فلما قرأ معاوية رسالة عبدالله بن الزبير، رمى بها إلى ابنه يزيد، فلما قرأها تهلّل وجهه، وأسفر، فقال له أبوه: يا بني من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب، فإذا ابتليت بشيء من هذه الأدواء، فداوه بمثل هذا الدواء.
وهنا تمكن معاوية رضي الله عنه من استمالة قلب عبدالله بن الزبير بكلمات رقيقة ومؤثرة، ولم يغضب عليه ويزجره ويعنفه بسبب أسلوبه القاسي في رسالته، إنما تعامل مع الموضوع بكل حكمة واقتدار وكسب ود ابن الزبير وجعله يرضى كل الرضا عنه.