ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Saturday 14/07/2012 Issue 14534 14534 السبت 24 شعبان 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

أجلس الآن على الكرسي العالي أمام حاجز زجاجي يفصلني عن حديقة خضراء رائعة تتوسط مكتبة كلية التربية بجامعة هارفرد التي تم إعادة فرشها وتوزيعها بطريقة فنية مذهلة تشعرك بأنك لست في مكتبة بل في مكان جميل ومفرح يمكن ان تقضي فيه يومك بلا تردد،

فإلى الجانب الآخر من هذه الكافتيريا الجميلة حيث اجلس الآن يقع ذلك المكان الهادئ جداً بكراسيه البنفسجية الفاقعة.. كيف تأكد الفنان الذي اقترح الأثاث كل هذا التجانس بين طبيعة خضراء خلابة أتيحت للجميع عبر زجاج شفاف يحيط بالمكتبة من كل جوانبها وبين هذه المقاعد التي تشعرك وكأنك في بيتك.. هكذا تكون المكتبة.. ان لا تكون مكتبة ... بل مكان تريد ان تجلس فيه وتجد ما تريد. فالكافتيريا متوافرة حتى الرابعة والكمبيوترات والإنترنت والأجهزة السمعية لمراجعة وسماع ما تشاء من فيديوهات أو أفلام أو كتب والأمهات بأطفالهن وعرباتهن يسرعن الخطى نحو المكتبة، حيث يجد الأطفال ملعباً خاصاً بهم وتجد الأمهات ما يحتجنه لإتمام مستلزمات متطلبات المواد لدرجاتهن العلمية التي يسعين للحصول عليها ولا حاجة بك لإحضار كمبيوترك أو معداتك أو كتبك أو ملفاتك فالتكنولوجيا تقوم بذلك بالطبع بالنيابة عنك، وكل محتويات المكتبة موجودة إلكترونياً وتم خفض عدد العاملين إلى الحد الأدنى (الوجه القبيح للتكنولوجيا في مواجهة حاجة البشر للعمل) ولم يعد هناك حاجة لمراجعة العاملين أو طلب خدماتهم إلا من حيث القيام ببحث متخصص لموضوع متخصص في كل المصادر الإلكترونية أو ان هناك نسخا ما من كتاب قديم أو ان حقوق النشر غير متاحة للطالب أو أشياء بسيطة لا تحدث في الغالب، لكن جميع من يعملون في المكتبة مدربون على تقديم خدمات إلكترونية متقدمة إضافة إلى ضرورة احتفاظ المكتبة في الغالب بنسخ مطبوعة إضافة إلى النسخة الإلكترونية.

المكتبة إضافة إلى ذلك عالم من الفن المتقدم فكل يوم هناك من يعرض في مداخلها وردهاتها أعماله الفنية والتشكيلية وهناك من يبيع كتبه ويجلس لتوقيع نسخها وهناك من يبيع منتجاته، مثلاً جامعة هارفرد أو كلية التربية، عبر بيع القمصان والأكواب وغير ذلك من المنتجات الترويجية التي تجيد الآلة الصناعية الأمريكية إدارتها.

القاعات السفلية للمكتبة مخصصة لورش العمل وأسابيع النمو المهني والعلمي التي تقيمها الكليات المختلفة طوال العام خاصة في فصل الصيف وفترة الإجازات المختلفة ليتمكن العاملون من حضورها خلال إجازاتهم مثل كلية التربية التي تدير عالماً هائلاً من الورش واللقاءات العلمية حول أهم نقاط قوتها في المجالات التربوية مثل تلك التي يطرحها كل عام عالم النفس المشهور هاورد جاردنر صاحب نظرية الذكاءات المتعددة أو تلك التي تدور حول أبحاث الدماغ والعقل وعلاقته بالتعلم التي تعد حقلاً جديداً للمعرفة تحاول كلية التربية في هارفرد بالطبع اقتحامه عبر علمائها المشهورين في هذا المجال مثل كرت فيشر وتود روس وديفيد روس وغيرهم.

المكتبة أيضاً حضن فعلي لكثير من المحاضرات واللقاءات الأدبية والفكرية التي تنظمها المكتبة للشعراء والفنانين والكتاب المشهورين في الصحف والمجلات، حيث نستطيع ان نقول ان الجامعة فعلاً تدير رحى (النمو الفكري والعلمي) (وليس الصراعات الثقافية والفكرية) كما يحدث في عالمنا إذ هي لا تتبنى فريقا على آخر كما لا تتخذ موقفاً سياسياً يتوافق بالضرورة مع النموذج السياسي المطروح في البلد المعني. قبول الآخر ومحاولة التعايش معه هي أحد أسباب ازدهار فكر التربية على العالمية التي تنادي بها جامعة هارفرد مثل غيرها من الجامعات العالمية على مستوى العالم، فما يهم ليس هو فكرك الذي يمكنك الدفاع عنه وإقامة المؤسسات المدنية المختلفة (التي لا تربي على العنف أو رفض الآخر) (هذا إذا تمكنت من توفير دعم مالي لهذه المؤسسات) وما يعني الجامعة في النهاية كمؤسسة علمية هو الإضافة العلمية (الحقيقية) في الحقل المعني سواء كان طباً أو فناً أو نحتاً أو رسماً أو تجربة علمية أو دواء أو مجرد فكرة قابلة للتطبيق العملي.

ولذا يلعب طلاب الدراسات العليا دوراً اساسياً في إدارة معظم أنشطة المكتبة لأنها جزء من النشاط المتوقع لهم في حقول تخصصاتهم، فالطالب هنا لا يأتي فقط للحصول على درجة الماجستير أو الدكتورة عبر استبانة سريعة في موضوع لا يهم أحدا كما يحدث في 99% للأسف من آلة صنع طلاب الدراسات العليا في الجامعات العربية وعلي رأسها الجامعات السعودية.

الطالب هنا هو عالم صغير ينزل للميدان ويبدأ في سؤال الممارسين في الحقل: ماذا تحتاجون؟ ما هي مشكلاتكم؟ وكيف يمكن عمل تجربة علمية نخضع فيها الميدان حيث يعمل الممارسون الفعليون من معلمين وأطباء ومهندسين وغيرهم بإدخال عوامل جديدة ربما تسهم في الحل ويبدأ الطالب في ضبط كل المتغيرات الداخلة وتتبع التجربة حتى تكتمل بغض النظر عن الوقت الذي تأخذه حتى ينتهي بتقديم حل أو مناقشة رؤية مع فهم عميق لفلسفة التخصص عبر إجباره على التواصل مع كل المتخصصين في الحقل وإحضارهم للكلية عبر ردهات المكتبة.

وهكذا يصبح البحث العلمي ميدانا رحبا لنمو الشغف العلمي والوصول إلى دراسات حقيقية تربط الميدان بالجامعة وليس العكس.. هكذا تكون المكتبة مصنعاً للعلم وللباحث المستقبلي وإدارة الوهج الفكري في مجتمع المعرفة.

 

كذا تكون المكتبة الجامعية: ألا تكون مكتبة!!
د. فوزية البكر

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة