ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Sunday 15/07/2012 Issue 14535 14535 الأحد 25 شعبان 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وَرّاق الجزيرة

 

بلدة مستورة بين ماضٍ تليد وحاضر مجيد
محمد بن حميد الجحدلي الحربي

رجوع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مَسْتُورَة لغةً واصطلاحاً:

مَسْتُورَة في اللغة: على وزن مفعوله، وهي مشتقة من: سَتَرَ. وفي قوله تعالى: {حِجاباً مَسْتوراً}، أي حجاباً على حِجابٍ، والأوّل مَسْتورٌ بالثاني، يراد بذلك كثافة الحجاب. ورَجُلٌ مَسْتُورٌ: أي عَفيف. وجارِيَةٌ مُسَتَّرَةٌ: أي مُخَدَّرَةٌ(1).

واصطلاحاً: بلدة عامرة تبعد عن مدينة رابغ نحو أربعين كيلاً شمالاً، وعن الساحل الشرقي للبحر الأحمر بنحو خمسة أكيال، وهي مركز إداري فئة (أ) يتبع إدارياً محافظة رابغ، بمنطقة مكة المكرمة(2).

النشأة وسبب التسمية:

يذكر السخاوي أن بئر المستورة من أعظم الآبار، بين رابغ، وبدر، التي أنشأها أمير مكة المكرمة الشريف محمد بن بركات، لنفع الحجيج والقوافل(3).

بينما يذكر عاتق البلادي- نقلاً عن بعض الرواة- أن بلدة مستورة سُميت بذلك نسبةً إلى امرأة اسمها مستورة، كانت لها بئر في هذا الموضع، تُسمىَّ: بئر مستورة، ينزل عليه أصحاب القوافل بعد أن هجرت ودان، ثم غلب على البلدة اسم: مستورة(4).

والراجح لديَّ - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن بلدة مستورة نشأت في القرن العاشر الهجري، واستمدت اسمها من بئر المستورة التي أنشأها الشريف محمد بن بركات أمير مكة المكرمة خلال فترة حكمه من سنة 859هـ إلى سنة 903هـ. أما ما ذكره البلادي فيعوزه الدقة، وينقصه التحقق التاريخي، ولا يستند على مصادر تاريخية.

ومن خلال استقراء بعض مدونات الرحالة في رحلاتهم إلى الحج، من القرن السادس الهجري 501-600هـ، إلى قبيل منتصف القرن الحادي عشر الهجري 1001-1100هـ، لم أقف على من ذكر موضع مستورة بين بدر، ورابغ(5)، كما أن طريق القوافل الرئيس بين بدر، ورابغ، كان يتجه من بدر، إلى قاع البزوة، ثم إلى ودان، ثم إلى رابغ، وهو ما يؤكد أن ودان كانت مزدهرة آن ذاك كمحطة من محطات الطريق الرئيسة(6).

ومن الواضح أن موضع بلدة مستورة كان يمر به طريق فرعي لبعض القوافل بين بدر ورابغ، قبل القرن العاشر الهجري 901-1000هـ، مما أدى إلى قيام الشريف محمد بن بركات إلى إنشاء بئر بها لخدمة الحجاج والقوافل. ثم بدأ هذا الموضع في الازدهار والنمو مما ساهم في نشأة بلدة مستورة.

ومن المؤكد أن بلدة مستورة برزت كمرحلة ومحطة رئيسة من محطات طريق القوافل بعد منتصف القرن الحادي عشر الهجري 1001-1100هـ، حيث نجد لها ذكراً في بعض مدونات الرحالة في رحلاتهم إلى الحج، بعد أن تحول الطريق الرئيس للقوافل إلى مستورة بدلاً من ودان(7). ويبدو أن هناك أسباباً أدت إلى تحول الطريق الرئيس للقوافل، أما بسبب الأمن، أو قلة المياه، أو وعورة الطريق، أو غيرها من الأسباب المهمة، وهو الأمر الذي ساهم بشكل كبير في نماء وازدهار بلدة مستورة، واندثار ودان.

بلدة مستورة

في مدونات الرحالة:

وصف عدد من الرحالة بلدة مستورة في مدوناتهم عن رحلات الحج، منذ منتصف القرن الحادي عشر الهجري، ومن أولئك الرحالة: العياشي، والسويدي، وبوركهارت، ومحمد صادق باشا، والحامدي، ودولتشين، وإبراهيم باشا، والبتوني.

قال العياشي عن بلدة مستورة في سنة 1072هـ:

«مررنا ضحى بقرية تسمى مستيرة، وفيها بئر كبيرة مطوية بالحجر المنحوت، إلا أن الرمل قد غلب عليها، وحولها عمارة قليلة، وبها قبر عليه بناء اسم صاحبه الشيخ يحيى، قالوا إنه شريف من أهل اليمن. ووجدنا البطيخ بها أرخص ما يكون حتى اشترينا خمسة بمحلق»(8).

وقال السويدي في سنة 1157هـ:

«ومررنا في طريقنا، قبيل طلوع الشمس على قبة تسميها الجمالة المستورة، يزعمون أن فيها قبر بنت عنترة بن شداد العبسي، والصحيح ما أخبرني بعض الثقات أنه قبر المهدلي»(9).

وقال بوركهارت سنة 1230هـ:

«توقفنا عند إحدى محطات الحج وتدعى مستورة، حيث تؤمن بئران كبيرتان وعميقتان مرصوفتان بالحجارة زاداً غزيراً من المياه العذبة. بالقرب منها كان يقوم قبر يدعى شيخ مهدلي. وقد بدت عدة قبور لحجاج قرب البئرين، ووجدنا عند آبار مستورة عدة قطعان من الجمال والغنم التي كان الرعاة يسقونها، فاشتريت منهم خروفاً ببضع ليرات»(10).

وقال محمد صادق باشا سنة 1297هـ:

«محطة مستورة، وهي محطة بها سوق، ومساكن للعربان، وبئران ماؤهما عذب، ومرَّ عليها الركب دون استراحة»(12).

وقال الحامدي سنة 1297هـ:

«دخلنا قرية يقال لها مستورة، وبتنا فيها، وماؤها يميل للملوحة، وبها سوق صغير»(13).

وقال عبد العزيز دولتشين سنة 1315هـ:

«المرحلة السادسة حتى بئر مستورة، ينطلق الطريق باستمرار على شاطئ البحر، وهي ملائمة جداً لأجل الحركة. بين آبار مستورة بئر واحدة فقط يصلح ماؤها للشرب»(14).

وقال إبراهيم باشا سنة 1325هـ:

«وصلنا مستورة، وبها على اليسار أكواخ، وبئر بنيت بناءً متقناً سعتها ثلاثة أمتار، وسمك جدارها متر، وعمقها ثمانية أمتار، وترتفع عن الأرض مترين، ولها سلم ثابت ذو خمس درجات، وماؤها معين جميل صاف، وهناك بئر أخرى في الجهة الشرقية على مسيرة نصف ساعة، وتوجد بها حفائر كثيرة»(15).

وقال محمد لبيب البتوني سنة 1337هـ:

«مستورة: ماؤها غض، ومنها طريق إلى بدر، والصفراء يسمونه الملف»(16).

بلدة مستورة في العهد السعودي الزاهر:

وصف الأستاذ عاتق البلادي بلدة مستورة قبل أربعين عاماً، في حدود سنة 1393هـ، فقال عنها ما نصُّه:

«بلدة ساحلية غير بعيدة عن البحر، بينه وبين جبال تهامة على ضفة وادي الفرع من الشمال إذا وصل الساحل. تبعد عن رابغ 40 كيلاً شمالاً. فيها مركز شرطة، ومستوصف، وسوق عامرة، ومقاهٍ كثيرة، ومحطات لبيع المحروقات، ولها أحياء متناثرة في الخبت حول السوق، وبها مسجد جامع ومدرسة. وتقع الأبواء شرقها على 28 كيلاً، وهي تتبع رابغ إدارياً»(17).

وقد تطورت البلدة كثيراً بعد ذلك التاريخ، ونمت نماءً مزدهراً، فاليوم يوجد بها جميع المرافق الحكومية، مثل: مركز للأمارة، ومخفر للشرطة، ومركز للدفاع المدني، ومركز لحرس الحدود، ومركز للهلال الأحمر، ومكتب خدمات بلدية، ومركز صحي، ومكتب بريد، ومدارس للبنين والبنات لجميع مراحل التعليم العام. وكذلك عدد من الجمعيات الخيرية، والاجتماعية، مثل: جمعية تحفيظ القرآن الكريم، والجمعية الخيرية، ومركز التنمية الاجتماعية.

وبلغ عدد سكانها في التعداد العام للسكان والمساكن سنة 1425هـ، وسنة 1431هـ، أكثر من 7.000 سبعة آلاف نسمة، وعدد مساكنها نحو 1.500 ألف وخمسمئة مسكناً(18).

وعُيَّن في عهد الملك عبد العزيز - رحمه الله تعالى - أول أمير للبلدة، وهو الشيخ مبارك بن حميد بن سليمان الغانمي الحربي(19)، الذي استمر في عمله إلى أن أحيل إلى التقاعد سنة 1392هـ، ثم خلفه ابنه الأستاذ حسين بن مبارك إلى سنة 1421هـ، ثم حفيده الأستاذ ناصر بن حسين بن مبارك، وهو رئيس مركز مستورة حالياً.

الهوامش والتعليقات الجانبية:

(1) لسان العرب، 4-343.

(2) مشيخة ابن مبيريك في رابغ، ص 53.

(3) الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، 3-455.

(4) على طريق الهجرة، ص 72.

(5) من تلك الرحلات على سبيل المثال: رحلة ابن جبير؛ رحلة ابن بطوطة؛ رحلة الجزيري، رحلة البكري، وغيرها.

(6) الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة، 2-181-183؛ رحلة البكري نقلاً عن العياشي، 1-309.

(7) يبدو أن أول ذكر لبلدة مستورة كان في رحلة العياشي سنة 1074هـ.

(8) رحلة العياشي، 1-306، 2-139.

(9) النفحة المسكية في الرحلة المكية، ص 318.

(10) رحلات إلى شبه الجزيرة العربية، ص 253-254. بتصرف.

(11) الرحلات الحجازية، ص 291.

(12) رحلة الحامدي، مخطوط، لوح 28 أ.

(13) الحج قبل مئة سنة، ص 131-132.

(14) مرآة الحرمين، 2-203.

(15) الرحلة الحجازية، ص 270.

(16) معجم معالم الحجاز، 5-148-152.

(17) النتائج الأولية للتعداد العام للسكان والمساكن، سنة 1425هـ، وسنة 1431هـ.

(18) ولد سنة 1309هـ، وتوفي رحمه الله تعالى سنة 1421هـ، وعاصر أحداث الثورة العربية، ودخول الحجاز تحت حكم الملك عبد العزيز.

(باحث تاريخي)

m2aljahdali@hotmail.com
 

رجوع

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة