ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Friday 20/07/2012 Issue 14540 14540 الجمعة 01 رمضان 1433 العدد 

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

إذا كان يوم الجمعة لفضله، قد خصّ الله به أمّة محمد، ويسمّى عيد الأسبوع، وميّزه جلّ وعلا بساعة تجاب فيها الدعوة، فإنّ الله جلّتْ قدرته قد خصّ هذا العام بالتقاء خيرين: دخول شهر الصّوم: بداية رمضان بلقائه مع يوم الجمعة حسب تقويم أم القرى، وهذا الزائر الكريم بمثابة ما يمثّله أمام كلّ مسلم على وجه الأرض،

حيث يستبشرون بمقدمه، لأنّه شهر الخير والبركات، وشهر يعطي ولا يأخذ، ومن أفضل شهور السنة به يفرح الناس لأنه موسم عبادة، والنفقة فيه مخلوفة، وباب التوبة مفتوح لمن فرّط في سالف أيامه.

ولأنه شهر أوّله رحمة، ووسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، والحسنات فيه كثيرة، ومضاعفة، فهو شهر برٍّ وخير، تتنزّل فيه البركات، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجود فيه بالعبادة، أجود ما يكون، وفي آخره يشدُّ المئزر، كما قالت عائشة رضي الله عنها، فرضه الله سبحانه على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، في السّنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله تسعة رمضانات، حيث جاء الحكم بفرضه بقرآن أنزله الله على نبيّه، يُتلى إلى يوم القيامة، وبخطاب للفئة المؤمنة تشريفاً لهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (183-185) سورة البقرة.

هذا الشهر أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بأنّ أوّله رحمة ووسطه مغفرة وآخره عتق من النار” وهذا في حث بالإكثار من الحسنات فيه والله سبحانه وتعالى يعين عباده على العبادات حسب النية: صياماً وقياماً، ونفقة وصدقات، وتلاوة للقرآن الكريم، وإعانة للمحتاج والضعيف والمسكين وذي الحاجة، وتسامحاً وتركاً للبغضاء والكذب، لأنه يجب أن تصوم معه جوارحه كلها، وأولها الكذب وما يتبعه من آفات اللسان، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن امرأتين كانتا تأكلان لحوم الناس بالغيبة والنميمة، فأمر أن تتقيّآ فقاءتا قيحاً ولحماً عَبيطاً فقال عليه الصلاة والسلام صامتا عن ما أحلّ وأفطرتا على ما حرّم الله. لذلك يجب على كل من صام: أن تصوم معه حواسه كلها، وأن يشغل وقته إما بالنوم المعين على طاعة الله أو بالقرآن وذكر الله وشكره، أو بالحث على الأعمال، كالإصلاح بين المتخاصمين، أو المساعدة بكلمة طيبة وغير ذلك.

والصيام كما في الآية، قد فرض على الأمم قبلنا، ولكنهم بعد تطاول الزمن، عدلوا في شرع الله وحرّفوا شريعتهم وعاندوا شرع الله. فمنهم من جعله في الليل، ومنهم من جعله صوماً عن بعض الأطعمة، وهكذا يغيرون شرع الله بما يتفق مع الأهواء، كما قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} (116) سورة النحل.

وهذا تنبيه وعقاب لهم، وعظة للمؤمنين، الذين شرّفهم خالقهم بصفة الإيمان: يقول الصحابي عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ } فأرعها سمعك فهو إما خيراً تؤمر به، أو شراً تنهى عنه”).

هذا الشهر الفضيل: يجب أن نتأدب بآدابه، ونعطيه حقه من التقدير والعمل الصالح، لنتفيأ في ظلاله بالآداب الحسنة والأعمال التي يحبها الله، وأخبرنا عنها رسوله الكريم: فعلاً نقتدي به، وقولاً نمتثله، وتقريراً نتأسى به كما أخذ بذلك الصفوة الأولى من هذه الأمة، منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما تلاه في القرون الثلاثة المفضلة لأنهم أهل الخيرية، وأهل الحرص على كل خير ووصفهم الله بالخيرية.

يقول عليه الصلاة والسلام “خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم” كما أرشدنا إلى التمسُّك بسنّته وسنّة الخلفاء الراشدين من بعده، لأنهم تمسكوا بما عرفوا من سنّته وأدّوها عملاً واهتماماً رضي الله عنهم.

وتسمية الشهور، ومنها رمضان، جاء لها تعليل عند العرب، كما قال النويري في كتابه: “نهاية الأرب” إذ قال عن رمضان، إنما سمّي بهذا لشدة الحرارة، والرمضاء وهي شدة الحرارة في الأرض إذا تعامدت عليها الشمس ولما كانت الأسماء لا تعلّل - كما يقولون -، فإنّ الأشهر العربية تتغير أجواؤها حسب الفصول، كما هو معهود.

وقد جاء في فضائل شهر رمضان: أنّ المردة تصفّد فيه أي تربط عن الوسوسة وإلهاء الصائمين عن عباداتهم أو إلهائهم عن قراءة القرآن وذكر الله والأعمال الصالحة، ورمضان يدور مع الفصول، فيأتي في البرد وفي الحر.

كما خفف الله عن أصحاب الأعذار رجالاً ونساءً، بالقضاء من أيام أُخر في حالة السفر والمرض، وللنساء زيادة عن السفر والمرض: الحيض والنفاس، والقضاء فيه اتساع إلى أن يصل شعبان كما قالت عائشة رضي الله عنها: “كان يأتي عليّ شعبان، ولم أقض ما عليّ من رمضان لمكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم مني” لكن المبادرة بالقضاء لأنه دَيْنٌ على الإنسان، ودين الله أحق بالقضاء، ولا يدري الإنسان عما قد يحصل له.

لكن المرأة إذا تخشى على طفلها أو على نفسها فتفطر وتقضي إذا زال السبب، وفي هذا تفضيل: فإن أفطرت الحامل أو أفطرت المرضع، خوفاً على نفسيهما فقط، أو مع الولد، فعليهما القضاء فقط، من غير فدية، لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه.

أما إن كان إفطارهما خوفاً على ولديهما فقط، قضت كل واحدة منهما عدد الأيام وأطعمتا لكل يوم مسكيناً، ولأنّ الإطعام - لكلِّ يوم أفطرت كل واحدة فيه بسبب الخوف على الولد، فيكون الإطعام على من يؤمِّن الولد - أي من عليه مؤنته - والكفارة على المستحق للزكاة، فيما يجزئ في كفارة اليمين وقدّرت في هذا الزمان، بثلاثة كيلو من قوت البلد رز أو قمح أو تمر أو ذرّة أو غيرها.

والله يقول: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } سورة البقرة (184) قال ابن عباس: كانت رخصة للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا ويطعما، أما المرضع والحبلى - يعني الحامل، فإن خافتا على ولديهما أفطرتا وأطعمتا، رواه أبو داود. ويرى ابن عمر رضي الله عنه: وتجزئ هذه الكفارة إلى مسكين واحد جملة.

ويأتي حالة أخرى: فمن نوى الصوم ثم جُنّ أو أغمي عليه جميع النهار، ولم يفق جزءاً منه لم يصح صومه، لأن الصوم الشرعي: هو الإمساك مع النية، وهذا لا يتحقق مع الجنون والغيبوبة، فإن أفاق أي واحد منهما جزءاً من النهار صحّ الصوم، سواء كان من أول النهار أو آخره، لا أن ينام جميع النهار فلا يمنع صحة صومه لأنّ النوم عادة، ولا يزول به الإحساس بالكلية. أما المغمى عليه فيلزمه القضاء، مدة الإغماء، وقد تطول.

ولا بد من النيّة المبيّتة من الليل للصائم إلى طلوع الفجر، ومن طلع عليه الفجر وهو لم ينو لحديث عمرة عن عائشة رضي الله عنهما مرفوعاً: “من لم يبيّت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له” رواه الدارقطني وإسناد ثقات، ولا فرق بين أول الليل ووسطه وآخره، ويكفي في النية الأكل والشرب بنيّة الصوم، أما صيام النافلة، فلا يلزم له تبييت النية لقول ابن مسعود ومعاذ وحذيفة ولحديث عائشة رضي الله عنها، قالت دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: هل عندكم من شيء”؟ فقلنا: لا. قال: فإني إذاً صائم” رواه الجماعة إلا البخاري.

والصيام في زمن وصوله، ركن من أركان الإسلام الخمسة، فإذا نقص هذا الركن انهدّ جزء من الخيمة التي يمثلها، في اكتمال الخيمة باكتماله وسلامه، فمن تركه ولم يصمه، من غير عذر فهو كافر يستتاب وإلا أجري عليه إذا لم يتب الحكم.

ويعتبر قدسية هذا الشهر المبارك، من خصوصيات أمة الإسلام، الذين يفرحون بقدومه، ويبتهجون بمطلع أيامه، ولذا يرى المسلمون لمقدم هذا الشهر عليهم الاهتمام وبعضهم يعبّرون عن الفرحة به، وضع الزينات، وأهازيج الأطفال، وخاصة في الدول التي يجاور المسلمين فيها: ديانات مختلفة أو يكون مجاوراً لهم من لا دين له، فإن هذا التغيّر عند المسلمين ابتهاجاً بمقدم شهر الصوم، يَشُدُّ أنظار أولئك بحالات تختلف من بلد إسلامي إلى بلد آخر في مثل الامتناع عن الأكل والشرب طوال النهار حتى لو كانوا في منطقة حارة، وتغيّر الروتين اليومي بما يتلاءم مع الصيام، فقد تغلق المطاعم الإسلامية، طوال النهار ولا تفتح إلاّ في الليل، ثم حُسْن خلق الصائم وحسن حديثه وتعامله مع الآخرين، في تغيّر من أصل، وإنقاص فترة العمل في النهار، من أجل صلاة الليل، وتعويد الصغار من أبناء المسلمين على الصيام، والاهتمام بقراءة القرآن مع الاهتمام بشغل الفراغ، ومع تخفيف العمل في النهار والتعويض عنه في الليل، وغير ذلك مما يلاحظونه ويسمّونه انقلاباً في حياة وتعامل المسلمين.إنّ نسمات رمضان، والبرامج التي يتأسى بها المسلمون في ديارهم، ليلاً غير الليل المعتاد، ونهاراً يغاير العمل فيه الأيام، وتعاملاً بين المسلمين وفي ترتيبهم مواعيد العبادات، والمحافظة في التطبيق، قد كان في كثير من الديار، أثراً بالانجذاب للإسلام فأسلموا، وقد سمعنا ورأيتُ في أسفاري نماذج من ذلك، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

 

رمضان الشهر المبارك 1-2
د.محمد بن سعد الشويعر

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة