ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Tuesday 24/07/2012 Issue 14544 14544 الثلاثاء 05 رمضان 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

كثر الكلام هذه الأيام عن الفساد، وأصبحت الناس تتبع نشاط هيئة الفساد الناشئة بشغف وحرص كبيرين، ويتسرعون النتائج منها حتى قبل أن تستكمل سواعدها الفتية، ولكن كما يقال تكاثرت الضباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد،

فالفساد في مجتمعنا بلغ مبلغاً أغضب القاصي والداني، بل إن بعض الفاسدين أصبح ينظر لهم أنهم من الناجحين وأنهم يعرفون من أين تؤكل كتف المال العام، و أنهم هم من يفهم المجتمع. وأصبح الفساد يسارع الأنظمة بل ويستبقها أحيانا. أصبحنا نشغل أنفسنا في قشور لا قيمة لها وتركنا قيم العمل الحقيقية التي تكفل لنا الإنجاز الحقيقي والتقدم.

والفساد من أهم قضايا الإدارة، وأفردت له في الآونة الأخيرة دراسات خاصة به، تعنى بتشخيصه ودراسة كيفية انتشاره. حيث إن الفساد أصبح ظاهرة عالمية تتفاوت من بلد لآخر حسب تركيبته السياسية، ونمط إنتاجه الاقتصادي، وطبيعة علاقاته الاجتماعية، ونظامه القضائي. وليس للفساد حجم معين يتوقف عنده، فالفساد، ولا شيء غيره، دمر الاقتصاد العالمي برمته، وهو السبب في الأزمات الاقتصادية الدولية المتلاحقة، والسبب في بعض الأزمات والمحلية أيضا. والفساد لا يقتصر على قطاع بعينه، فهو يطال القطاع العام، والخاص، وشبه العام، وشبه الخاص. وأثبتت الدراسات أن الفساد من أهم عوامل تعطيل التنمية، و كبح النمو المجتمعي، ومن الأسباب الرئيسة لطرد الاستثمار الأجنبي. وهو يدمر الثروة البشرية، ويدمر الثقة بين الأفراد، ويهبط بمعنويات المجتمع. فما هو الفساد؟ وكيف تنتشر ثقافة الفساد ليصبح الفساد ثقافة مقبولة؟

الفساد، كما يعرفه الباحثون: هو خيانة الأمانة من قبل المسئول عنها، مهما كان وصفه أو حجمه أو رتبته. وخيانة الأمانة لا تتعلق بالضرورة بالاختلاس، أو التزييف، أو الرشوة فقط، ولكنه يشمل أيضا التصرف بغير أمانة وصدق بالصلاحيات المفوضة للمسئول، والمسئوليات المناطة به، و يدخل ضمن ذلك الإهمال المتعمد الذي يترتب عليه الضرر، وسوء الأداء، والتفرقة بين الناس لأي سبب كان، واجتباء المعارف والأقارب. وتعرفه لجنة الشفافية العالمية: “بسوء استخدام الصلاحيات العامة للفائدة الخاصة”. فما رأيت من مجتمع تنتشر فيه هذه الظواهر مجتمعة منفردة أو مجتمعه إلا و ألفيته مجتمعاً هزيلاً، عليلاً، غير قادر على الإنتاج أو التقدم.

ويرى بعض الباحثين أن الفساد قد ينشأ في بادئ الأمر كردة فعل لأنظمة يراها الناس غير عادلة بحقهم، أو لبروز فروق اجتماعية يراها الناس غير مبررة، ثم يتفشى شيئاً فشيئا حتى يستحيل ظاهرة. فالبعض، مثلاً، يرى ألا مشاحة في دفع رشوة صغيرة لتفادي عقوبة كبيرة يراها غير عادلة، أو لتجنب نظام يعتقد أنه يجحف في حقه، أو أنه لا يطبق على غيره. وقد تقود المنافسة الاقتصادية القوية إلى بعض الممارسات غير الأخلاقية التي تمليها حدة المنافسة. ومن الأسباب الأساسية لانتشار الفساد تدني مستوى التعليم، كمًا وكيفًا، وفشل التربية الأخلاقية، والفقر وغيرها فرادى أو مجتمعة. وهناك علاقة جدلية خطيرة بين التعليم وانتشار الفساد، فكلما تدنى مستوى التعليم انتشر الفساد، وكلما تفشى الفساد انحدر التعليم.

ومن أ سباب انتشار ثقافة الفساد اتساع الفجوة بين قيم المجتمع والممارسة الفعلية لهذه القيم، فعندما يتم التخلي التدريجي عن بعض القيم، يتم النظر لقيم أخرى متعلقة بالفساد على أنه يمكن التخلي عنها أيضا، ومن هنا ينتشر الفساد. وتدريجيا عندما يتم التخلي عن المعايير الأخلاقية، وتتغير نظرة الناس لما هو سلوك سوي وغير سوي، قد تتحول بعض المعايير غير الأخلاقية إلى أنماط سلوك مقبولة أو حتى معايير مقبولة في المجتمع، و هكذا ينتشر ما يمكن تسميته ثقافة قبول الفساد. وهي ثقافة تتعايش مع الفساد دون المشاركة فيه ضرورةً. و تنتشر مع ذلك ثقافة الاعتذار للفساد بحيث يجد البعض مبررات لبعض السلوكيات الفاسدة في المجتمع. وتدريجياً، يتحول رفض الفساد من قيمة اجتماعية مشتركة ملزمة إلى خيار فردي غير ملزم، ومن قبيل ذلك أيضا ظهور ثقافة تبرير عدم رفض الفساد بحجة أنه مسئولية الآخرين، وأن الفرد لا يعنيه أمر غيره ومسؤلياتهم، وعندما يصل مجتمع ما إلى مرحلة قبول الفساد يمكن القول حينئذٍ أن الفساد أصبح ظاهرة ثقافية.

ويقال أيضا إن الثقافات التي تهتم بالمستقبل، ويكون تركيزها على النمو والتطور والمنافسة، تهتم بثقافة التخطيط السليم، و تحرص على الحفاظ على الموارد، والاستخدام الأمثل للدخل، وهذه الدول عادة أقل عرضة للفساد، لأن لأفرادها ومؤسساتها أهداف واضحة تسعى لها. فالحرص على المستقبل يدفع تدريجيا للعمل المؤسسي، و يؤثر بالطبع على طبيعة شكل المؤسسات، واختيار القيادات الكفؤة لها. أما الثقافات التي يكون توجهها للمستقبل من خلال التركيز على الماضي فهي تخضع تخطيطها لمقاييس الأعراف، والتقاليد، والقيم، المتوارثة، و عِبر التاريخ القديم. وعموما فهذه الثقافات تنتشر يكون فيها التخطيط قصير النظر، و ينصب التركيز فيها على الحاضر وسبل الاستمتاع به دون النظر في عواقب المستقبل، وفي هذه الثقافات تنتشر عادات البذخ، والتفاخر، والإهمال وهي ثقافات مؤهلة لتفشي الفساد. فهناك حسب الباحثين علاقة عكسية بين الاهتمام بالمستقبل وانتشار الفساد. ولا يقاس انحسار الفساد فقط بالتركيز على المستقبل، بل ويقاس به أيضاً التطور العلمي والاجتماعي. وهناك دول تحاول ردم فجوتها في التحصيل العلمي، وقد تتوصل لذلك دونما توظيف لهذا العلم في التطور الاجتماعي والثقافي، ولذلك فالتعليم فيها لا يقود للتطور المنشود.

والمجتمعات ذات البعد المؤسساتي تذوب فيها المصلحة الخاصة في المصلحة العامة، ويرى الفرد مصيره مرتبطاً بمصير أمته ومجتمعه، والعمل في المؤسسات الجادة ذات الأهداف الواضحة والإدارة السليمة لا يمنح فرصة لتفشي الفساد، وعلى عكس ذلك العمل الذي يكون ذو طابع فردي، ويعتمد على العبقرية، والأداء الفردي، ففساد الفرد في هذه الحالة يدمر المؤسسة بكاملها، والقيادات الفردية تولد وحدات إدارية أصغر على شكل مجموعات تتبع لأفراد يتبعون نمط رئيسهم الفردي ذاته، ويصبح جسم المؤسسة كالنسيج المكون من خلايا تتناقل عدوى الفساد.

وقد يضاف لعوامل انتشار الفساد عامل تباعد السلطات، وهي علاقة تقاس بالمسافة بين من بيدهم السلطة وأولئك ممن يتأثرون بممارسة هذه السلطة. فكلما تباعدت المسافة بين السلطات زاد التركيز على مفاهيم الولاء، الطاعة العمياء، وهنا ينظر للسلطة ليس في كونها سلطة تسهم في التنظيم والتخطيط الجيدين بل في كونها تحافظ على النظام، وثبات في العلاقات، و ضمانة استمرار الأوضاع الراهنة. وهذا يحدد أيضا شكل التركيبة البيروقراطية حيث يكون توجه السلطات البيروقراطية من الأسفل للأعلى.

و رغم كون الفساد ظاهرة عالمية تتشابه في كونها عملاً غير أخلاقي مضراً بالمجتمع، والاقتصاد، فهي تختلف في حجمها، وشكلها، وطبيعتها من قطر لآخر، فلكل بلد خصوصيته الفسادية التي تنبع من طبيعته وتكيف نفسها مع نظمه، ومؤسساته، و مكافحة الفساد لا يمكن أن تؤتي أكُلها بمحاربة ممارساته فقط، لأنه مثل الحشائش الضارة المميتة، ينتشر بوتيرة أسرع منها، و لا بد من مكافحة الثقافة التي تنتجه، ومعالجة التربة التي ينمو فيها.

latifmohammed@hotmail.com
Twitter @drmalabdullatif
 

ثقافة الفساد وفساد الثقافة
د. محمد بن عبدالله آل عبد اللطيف

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة