ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Sunday 12/08/2012 Issue 14563 14563 الأحد 24 رمضان 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

لا شك أن الإخوة في سوريا يعيشون قرابة العامين في أجواء من الرعب والألــم النفسي والبدنــي، إنها مأســاة عظيمة على مستوى الفرد والوطن بأكمله، فالحاضر يشهد على صور من الإجرام بشعة يخجل من هولها وفظاعتها إبليس الذي تأصلت في كيانه الحقير رغبة الإيذاء والتدمير والقتل، وكذا من سار على نهج إبليس من الطغاة الذين تعاقبوا على الحكم في البلدان التي رضخت لأيديولوجيا الإلحاد مثل الإتحاد السوفييتي حيث انتهى هذا الكيان في مزبلة التاريخ ومعه من تعاقب على الحكم فيه، طغاة الإتحاد السوفييتي زرعوا طبائعهم التدميرية في كل من انضوى تحت عباءتهم الفاشية، فالأسد الأب نموذج صارخ على تقمص النزعة الفاشية الإنقامية التي تتلذذ بالقتل والتدمير، وحماة الصابرة خير شاهد على نزعته الشريرة، انتهى الأسد الأب كما الطغاة الذين تربى على موائدهم العفنة، وبقيت حماة شامخة عصية محافظة على أصالتها وطهرها، بقيت شاهدة تروي قصص بشاعته وزمرته الذين ساندوه وآزروه.

عاشت سوريا في زمن الأسد الأب كئيبة مكتئبة، عاشت أبشع صور الاستعباد والظلم والقهر والحرمان، وهدر الكرامات والحقوق، والإذلال والاحتقار، والخوف والتخويف، كانت الدول التي يصفها إعلامه بالرجعية تعيش صوراً زاهية من الرفاهية والاستقرار على مستوى الفرد والمجتمع، في حين أن المواطن السوري يعيش خائفاً وجلاً حتى من أقرب الناس إليه، في بيته غير آمن، في مكتبه في مصنعه في كل سبل حياته يشعر بالتهديد من مجهول يتخيله شاخصاً أمامه في كل مكان وزمان ينغص عليه يومه وغدا، في كل يوم يعيش المواطن السوري مع هواجس وتخيلات من المصير المجهول الذي ينتظره.

طغت الشكوك والمخاوف على العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع السوري حتى من الأقربين، فالأب يخاف من ابنه ومن زوجته، ومن زميله وصاحبه، الكل يعيش في أجواء من الرهبة والخوف من الآخر، يخاف من أن ينقل عنه رأياً أو موقفاً يخالف الاتجاه العام لما تراه العائلة المتوحشة وزبانيتها المتمركزين في كل مفاصل الدولة وأجهزتها، حيث ينتظر هؤلاء الزبانية من يدفع به الوشاة لينال أبشع صور الاحتقار والتعذيب والتغييب الذي يطول ويطول لسنوات، ومما يزيد من ألم الغياب والتغييب أن لا أحد من الأقربين يجرؤ على السؤال عن مصير من غاب في غياهب السجون التي تفتقد إلى أبسط صور الحياة لا أقول الكريمة بل التي تلبي أدنى حقوق الإنسان وإنسانيته.

زار وفد من وزارة التربية والتعليم سوريا في منتصف التسعينات، استأجرنا سيارة أجرة من المطار إلى أحد الفنادق وسط دمشق، وبعد إنهاء إجراءات الدخول في الفندق، سألت سائق السيارة كم أجرته، وحيث إنه لا يوجد معنا عملة سورية ناولناه ما يساوي القيمة بالدولار، وبمجرد رؤيته للدولارات خرج مسرعاً من الفندق إلى سيارته، استغربنا خروجه المستعجل وكأنه شاهد ممنوعاً يعاقب عليه، لحقت به إلى سيارته، سألته لماذا هربت؟ ولم لم تستلم أجرتك؟ قال وهو يرتعد خوفاً ووجلاً: أتريد الإضرار بي؟ لو أخذت الدولارات لأخذت مباشرة إلى السجن، ممنوع علينا أن نستلم أي عملة عدا الليرة السورية، اعتذرت منه لعدم معرفتي بها النظام القرقوشي المتعسف وطلبت منه أن يحضر في الغد لاستلام أجرته، وفي الغد عانينا الأمرين في تحويل الدولارات إلى ليرات لأنه لا تتوفر البنوك التي تقدم هذه الخدمة، من أراد التحويل عليه أن يذهب إلى وسط البلد لمحلات الصرافة، كانت رحلة شاقة مضنية وفيها الكثير من المخاطر والابتزاز، كان الله في عون السوريين في ذاك الوقت وفي كل وقت.

تراكمت المعطيات والحيثيات التي لم يعد بالإمكان تحملها، مما عزز الفرصة والرغبة في التحرر من الأوضاع غير الإنسانية التي طالما قيدت الفكر والإرادة، وكانت البدايات صعبة، لكن سنن الله غالبة مما يبشر بغد أفضل للإنسان السوري الذي طالما حلم بالحرية.

 

أما بعد
سوريا الماضي أقسى من الحاضر
د. عبد الله المعيلي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة