ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Sunday 12/08/2012 Issue 14563 14563 الأحد 24 رمضان 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وجهات نظر

 

العبقري الصامت
إبراهيم بن سليمان الوشمي

رجوع

 

سليمان، تلميذ في الصف السادس الابتدائي، في البدء ظننته أبكم لا يتكلم فهو لا يقرأ أبداً قراءة جهرية في جميع الدروس، لكن زملاءه أخبروني بأنه يتكلم كثيراً أثناء الفسح، واكتشفت فيما بعد أنه يعاني من تأتأة وفأفأة في النُّطق يضحك معها زملاؤه عليه، فقرّر التعلُّم (صامتاً)، وعلمت كذلك أنّ هذه العقدة حصلت له بعد تراكمات مرت عليه أثناء دراسته في الصفوف السابقة لصفه.

ولجأت إلى طريقة بسيطة كي أعالج صمته المطبق، فكنت عندما يأتي دوره في القراءة الجهرية آخذه إلى خارج الفصل عند الباب (كي لا يسمعه زملاؤه) لأسمع منه بعض الكلمات يقرؤها بصعوبة وخجل شديدين، يتصبّب معهما جبينه عرقاً، أخبرت زملائي المعلمين بحالة سليمان وأخبرتهم بطريقتي معه في القراءة كي يطبّقوها في دروسهم معه.

أما المفاجأة التي لم أتوقّعها، فقد حصلت في درس التعبير (الإنشاء ) عندما طلبت من التلاميذ الكتابة عن الموضوع بعد شرحهِ وبيان رؤوس الأقلام فيه، المفاجأة أنّ سليمان كتب عن الموضوع أربع عشرة صفحة بخط يده في بيته دون مساعدة أحد، صحيح أنّ بعض عباراته وجُمله مكرّرة، وأنه يكتب على سطر ويترك سطراً - كما هي العادة - لكن أربع عشرة صفحة عمل عظيم لمن هو في مثل سنِّه يستحق الإشادة، بينما الكثير من زملائه بالكاد يكتب صفحتين كاملتين، وكأنما أراد سليمان بإنجازه هذا أن يعوّض النُّطق بالكتابة ويثبت أنه تلميذ نجيب ومجد.

ومع التشجيع والإشادة بكتاباته في دروس التعبير، استمر يكتب ما بين عشر إلى أربع عشرة صفحه حتى نهاية العام، وأما طريقتي معه في القراءة الجهرية فلم تحقق تقدماً يُذكر، وقلت: لعلِّي أمام تلميذ عبقري صامت!

خصوصاً وأن بعض معلميه تحدثوا عن نباهته ونجابته في كثير من الدروس.

نجح سليمان ثم غادر مدرستنا ونسيناه في خضم تتابع الأعوام الدراسية، وامتلاء الفصول بالتلاميذ كل عام.

وفي إحدى السنوات الماضية كنت في زيارة لإحدى المدارس الثانوية، وأثناء خروجي من مكتب مدير المدرسة، فإذا بسليمان يقبل عليّ بابتسامة عريضة تملأ محياه ثم مد يده إلى مرحباً وشاكراً - وقد انحلّت عقدة لسانه -، سررت من حاله وتفوّقه الدراسي ودعوت له بالتوفيق والنجاح ثم انصرفت.

إنّ للمرشد الطلابي دوراً مهماً لو تدارك التلميذ في بداية فأفأته وتأتأته في الصف الأول الابتدائي.

 

رجوع

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة