ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Saturday 01/09/2012 Issue 14583 14583 السبت 14 شوال 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

عزيزتـي الجزيرة

 

الكفاح ألذ من «الواسطة»..!

رجوع

 

اطلعت على ما خطه قلم الأستاذ: عبدالرحمن السدحان، في مقال بعنوان (يا أيها الناس لم لا تدخلون البيوت من أبوابها)، إذ لم ترض مروءة الكاتب وأمانته تجاه قلمه وثقافته وخبرته وواقعه ووضعه الرسمي أن يبقى صامتاً أو مجنباً قلمه مسالك الخطر والشفافية والجرأة بل غزاها وشق دربها وعناها ليظهر الفرق بين المهنتين الكتابة «الحرة المستقلة» و»مسؤولية الوظيفة الحكومية»، وهنا نجد اختفاء وغياب الكثير ممن ينظمون للقطاع الحكومي الرسمي عن المشاركة الفكرية والشخصية وتقديم تجاربهم، إما بحجة الخوف من زوال الخير الذي هم فيه من مزايا إذا نطقوا وتحدثوا عن الواقع وهو في الواقع وهمٌ لا حقيقة له، تخيلوه فعاشوه واعتقدوه أو لسبب ضعف الإرادة والهمة في الجمع بين المسلكين، إذ يتطلب الجمع بينهما تنظيماً دقيقاً للوقت وحسن تصريفه وتوزيعه فلا يتضرر جانب على حساب آخر، وهناك أود أن أضيف لمحات يسيرة سبق أن تطرقت إليها من خلال موقع الجزيرة في موضع التعليق الخاص بالكاتب لكن المساحة لم تكن تتسع لأكثر مما وسعته، بالإضافة لأهمية الموضوع والطرح، فلهذا رغبت في اقتطاع جزء من وقتي بعد قراءتي للمقال، لإيضاح بعض النقاط وإبرازها سواء لي أو للكاتب أو للقارئ فالموضوع يهم الجميع ويلمس جوانب خلقية وعقدية وتربوية في قلب وسلوك المسلم وهو ما سيتضح من خلال ثنايا وأسطر التعليق:

أولاً: الواسطة لدينا في العالم العربي وبالذات السعودي تعد أمراً مشاعاً ومتفشياً بشكل كبير، وكما قال الكاتب حينئذ في مقاله إن الشفاعة ليست مذمومة دوماً بل مستحبة إذا كان المشفوع له بحاجتها وهو كُفؤ كما قال صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا تؤجروا» ويراد بها الشفاعة في الخير وإذا لم تلحق الضرر بأحد من الخلق، وكما دل عليه قوله تعالى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} فالآية يمكن أن نستدل بها على ما جاء في المقال فيقال إن كانت الشفاعة ليست على حساب مستحقها فهي حسنة، وإن كانت بالعكس فهي سيئة وله من الإثم بمقدار ما ألحق به غيره من الضرر.

ثانياً: ضرر ومفاسد الواسطة يعم مواضع أخرى خطيرة جداً على الفرد والمجتمع غابت عن كاتبنا القدير أثناء تناوله الموضوع، وهي أنها تحرم سائل الشفاعة «غير المستحق» من مواصلة الكفاح والمثابرة والكد، وتغرس فيه أيضاً صفة الكسل والخمول والخمود والاتكالية، وأضف إلى أنها تبعث في شخصيته مع الزمن (مهارة التملق المذموم) لكل مسؤول ليصل من خلال ذلك السلوك المقيت لهدفه وبغيته ومراده، وليس الأمر ينتهي ويقف إلى هنا بل يطول ويصل لباقي أفراد أسرته وبيئته وأقاربه ومحيطه فتنشأ أسرة متملقة تؤمن بحب الخشوم ولحس الأيادي والتبجيل المنافق وتكفر وتنكر الكفاح والجهد والمثابرة بل وتصنفه من الوسائل القديمة بعلة أن الزمان تحول وأن العلاقات وحدها هي المؤدية لطريق السمو والمعالي والنجاح، وهو ما نشاهده كثيراً عند زيارة بعض المراجعين لبعض المسئولين كيف يدربون أبناءهم الذين يمشون خلفهم الذل والمهانة والانكسار للحصول على فرص وعطايا يستحقها غيرهم، وهنا لا أدعوا لإهمال واحترام وتقدير وتكريم صاحب الفضل والمكانة والسن بل إنه من الخصال والسجايا التي دعا إليها الإسلام وحث عليها، غير أن ما أقصده هو كارثة تعطيل الفرد السبب الشرعي المطلوب منه، وهو الحركة والمنافسة والإنجاز وإثبات القدرة، وتعلقه وإكبار السبب وإجلاله وكأنه الذي يستطيع جلب كل نفع ودفع كل ضر، وإذا أردنا أن نقيس أنفسنا لنوازن بين ذلك فلنرجع للقاعدة التي قررها كثير من السلف وهي: «إن ترك السبب معصية والتعلق بالسبب شرك والأسلم أن نعمل السبب ونتوكل على الله تعالى المسبب».

ثالثاً: الضرر الأوسع والأكبر غاب عن أستاذنا، وهو مساس الظاهرة بجانب العقيدة مع مرور الزمن، سيقال كيف ذلك؟ أقول: من خلال التعلق واللهث والركض وراء وخلف الخلق من أجل إنهاء أمره وما يرجوه، ولَكم سمعنا مقولات خطيرة جداً تضر المسلم وتحرمه من صفاء عقيدته ونقاء توحيده ومنها قول البعض: «إذا ما تعرف أحد في الجهة الفلانية فلن يمشي موضوعك!» وكأن النافع والضار والمعطي والمانع فلان من الخلق، لهذا ألا ترى أن هذا أشد وطئاً مما ذكرت؟ أما العبارة التي تعد أطم وأدهى وأمرّ هي قول أحدهم: فلان تكفى دبرني! وكأنه نسي أن المدبر والمسير لأمور الخلق هو الله تعالى القائل {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}، ونحن جميعاً نعلم بأن هناك أناساً يشعرون بالأمن الاجتماعي من جراء علاقتهم بأشخاص ذو مكانة، ويعدون ذلك سبباً كبيراً في أمنهم النفسي والاجتماعي، حتى تناسوا مع الوقت الاعتماد على الله تعالى ودعائه.

رابعاً: إذا كانت المقولات والجمل التي أوردتها سالفاً يتكلم بها ويتداولها البعض في هذا العصر، فما الذي نرجوه ونتوخاه ونتوقعه في الغد، الأمر بجد وأمانة خطير على جانب «العقيدة قبل الإدارة» فالمسألة تتعلق بتوحيد الإلوهية التي أرسل الله تعالى من أجله الرسل وأنزلت من أجله الكتب.

ولذا كان لزاماً على كل مربِ أو موجه أو أستاذ أن يحيي مبدأ وفضيلة وخلق التوكل على الله عز وجل في أخلاق وطبائع النشء وأن يحرص على تعويدهم أن يطلبوا المجد والرفعة والرقي من خلال أمرين هما: 1- الجهد والمثابرة. 2- والتوكل وحسن الظن بالله تعالى، فهناك آيات محفزة ودافعة للتوكل على الله تعالى في كل الأمور كقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} وغيرها الكثير، ومع كثرة الأدلة الشرعية الأصيلة المهمة إلا أن الاكتفاء بحديث ابن عباس المشهور الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في فترة طفولته وبراءته حيث استثمر النبي صلى الله عليه وسلم مصاحبته له فغرس فيه أدباً وخُلقاً يجعله غنياَ بالخالق عن الخلق، وهذا يعد باباً أصيلاً ومهماً في جانب الثقة بالله وإنزال الحوائج به، نص الحديث: «يا غلام إني أعلمك كلمات، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك».

وقبل أن أختم أحب أن أشير إلى حرفية الكاتب الذي يصطفي دوماً أفكاراً وأطروحات ومواضيع ونقداً غالباً ما يكون في موضعه مصحوباً بالشفافية المسؤولة، وندعوه من خلال هذا التعقيب الهادف في الغد للتفكير في أن يخصص مجموعة مقالات نثرية تحمل سمة البقاء وهي ما تسمى بالمقالات الخالدة أي التي تبقى مع الزمن، كالحديث عن الأخلاق فيبدأ بالمروءة ثم الوفاء ثم الصدق فالأمانة فالحلم وهكذا، تعريفاً ووصفاً وأمثلة وأقيسه عليها، فلقد رأينا مقالات غاب كتابها حساً وبقيت مقالتهم معنا في كتبهم كالتي نراها في كتب المراحل الدراسية للطلاب المتوسطة والثانوية فتقرأ لعبدالله بن المقفع والجاحظ وأحمد أمين والمنفلوطي والرافعي والعقاد وغيرهم مقاطع منتقاة من كتبهم تحوي إما على أدب يدعون إليه أو خلق ذميم يحثون على تركه أو صورة إنسانية يصفونها ويدعون للتحلي بها أو عبارات تنفخ في أرواح الناشئة وهممهم ليصبحوا كباراً وأبطالاً وقادة في مجتمعهم وأمتهم، وفي الختام ندعو الله أن يوفق محب الخير للخير ومحب الشر للخير.

عبد الحميد الحمادي

 

رجوع

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة