ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Saturday 08/09/2012 Issue 14590 14590 السبت 21 شوال 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

سيظل هذا الجدل قائماً دائماً ومنذ بدأت المعرفة في الظهور عند اليونان بقطبي معرفتها الأكثر تأثيراً في المعرفة الإنسانية حتى اليوم!!: أفلاطون ثم أرسطو. الجدل قام حول الفكرة البسيطة الآتية: أيهما أكثر أهمية للمعرفة (الابستمولوجيا)، أي ما نتعلمه ونعرفه وندرسه، هل يحدث ذلك عبر العقل؟ أم هي التجربة الحسية التي تقودها حواسنا المختلفة من سمع ولمس وبصر وتذوق فتوصلنا إلى المعرفة؟

كيف نعرف الشيء؟ أي مثلاً أن هذا الكرسي هو كرسي فعلاً، وأن هذه الشجرة بخواصها هي الشجرة؟ كيف نتأكد من أنه هذا الشيء؟ وماذا نستخدم من وسائل عقلية وحسية لنصل له؟ وماذا يجب علينا تشجيعه في المجال المعرفي والتربوي للوصول إلى معرفة صحيحة ومقنعة للعقل البشري؟ هذا النقاش كان ولا يزال لب الصراع بين التيارات الفكرية المختلفة منذ القديم: بين العقلي والحسي؟ بين الديني واليقيني؟

ظل هذا النوع من الصراعات محتدماً بين الديني والحسي حتى عصور التنوير في القرن الثامن عشر بعد انفجار عصر المعرفة العلمية، وتعدد مدارسها، حين أخذت الحضارة الإنسانية تدريجياً تؤمن بالمنطق العلمي وبالتجربة الحسية، وتبني عليه عالمها من صناعة وطب وحضارة.. يومها بدأ العقل يهجر تدريجياً المعرفة الغيبية، ويحاول أن يعقلن كل ما تنتجه التجربة الحسية المنضبطة في المعامل. بدأت التجارب على العقل والإنسان، وظهرت المدارس الفلسفية والسلوكية مثل طبيعية جان جاك روسو وسلوكية فرويد، وبدا أن الإنسان في تلك المرحلة من تاريخ الحضارة الإنسانية يؤمن بما يقدمه العقل أكثر من أي شيء مضى. العقل قدَّم لنا المعرفة العلمية المنضبطة، وطبَّقها في حياتنا، فرأينا آثارها في مقاومة الأمراض من خلال اكتشاف الأدوية. العقل قدَّم لنا الأمصال التي حمت الملايين من الموت والأمراض القاتلة.. وهو أيضاً من خلال تجاربه المعملية المنضبطة استطاع أن يطور سيطرته على كل أشكال الحياة، بما فيها البشر خارج حدود أوطانهم. شغف الإنسان الطبيعي، خاصة جنس الرجل للتسلط والسيطرة وإخضاع الآخرين، أدى إلى أن يدفعه لاستثمار الملايين في أبحاث تؤدي ليس فقط لحماية الإنسان من الكوارث البيئية والطبيعية، بل إلى إيقاعه في نوع آخر منها عبر تطوير أسلحة القتل والدمار.. فجاءت الأسلحة والقنابل النووية أيضاً نتاجاً للإيمان بالعقل البشري، ونتيجة لنشاطه في معامله، وسقطت القنبلة على هوريشيما بوصفها تجربة إنسانية حية، كما قُتل أكثر من 51 مليوناً من البشر، أي ما يعادل 2 % من سكان الكرة الأرضية آنذاك، في الحرب العالمية الثانية. فماذا حدث لنا نحن البشر؟ وماذا حدث للكون كله؟ تغيرت أيكولوجية الأرض بسبب اكتشافات الإنسان في مسيرة بحثه عن الثروات الطبيعية، مثل البترول والزيت والفحم والماء، وتحطمت التوازنات الطبيعية على بيئتنا، وذلك من خلال بحثنا عن الثروات السوداء، وتطورت العلوم والمناهج العلمية وصولاً إلى قرون النهضة العلمية وما بعد التنوير، وبدأ السؤال محتدماً: لمن نعطي عقولنا؟ للعلم والعقل الذي بدأ يدمر نفسه أم للمعرفة الغيبية؟

هنا تفجُّر الصراع بين العلم والدين! تغلب العلم في الدول التي تقود حضارة اليوم لفترة بعد الأهوال التي قامت بها الكنيسة والاستعمار في القرون الوسطى ضد البشر والأرض في أوروبا وأمريكا في القرون الوسطى، لكن النتيجة كانت أيضاً تدمير آخر أكثر بشاعة وأقسى من خلال نظريات عصر الحداثة في منتصف القرن العشرين: فكما أشرنا قنبلة هوريشيما مثلاً كانت درساً قاسياً لكل علماء المختبرات في التخصصات العلمية. ليست الفكرة ما تخترع، بل كيف يستعملها شيطان الإنسان عند غضبه؟ وبدأ الصراع بين الحداثة وما بعد الحداثة؟ الاستعمار استغل مقدرات الشعوب الضعيفة، وحطم اقتصادياتها التقليدية، والجبابرة من الحكام والأباطرة عثوا فساداً في شعوبهم؛ فسرقوا مقدراتها، وأوقعوها أسيرة الحروب والتحزبات والانقلابات.

هنا ظهر تيار ما بعد الحداثة؛ ليتحدى تيارات الحداثة القائمة والمسيطرة آنذاك، ويحرجها بالسؤال: هل هي المكتشفات العلمية من ينتج المعرفة أم هي الأديان والتراث والثقافة والأدب وكل ما ترشح به ثقافة ما من معارف وعلوم إنسانية؟ هل يكفي للإنسان أن يتفهم منهجاً علمياً أو أسلوباً رياضياً للحل أو رسماً هندسياً إذا لم يكن قادرًا على تذوق قصيدة شعر في بعدها الإنساني؟ وهل فعلاً سيتمكن من استخدام علمه دون أن يقدر البُعد الفني والأدبي والتراثي فيما يدرسه ويقرؤه؟ وفي المقابل هل سيتمكن الدارسون للعلوم التقليدية الدينية مثلاً من التفاعل مع العالم دون تبني المنهجية العلمية وفَهم العقل العلمي؟ وكيف يعمل بتبني مناهجه؟

هكذا ظهر صراع مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة؟ والحداثة بوصفها مفهوماً تعني ببساطة نظريات وتيارات متعددة ظهرت في عصر التنوير (النظرية الطبيعية لروسو مثلاً، البراجماتية لجون ديوي)، وتقوم على مبادئ أساسية، منها احترام العلم الصادر عن العقل والإيمان بالديمقراطية والمنهجية البحثية المبنية على أسس منهجية علمية والتسليم بنتائجها.

ما بعد الحداثة يؤمن بكل ذلك أيضاً: بالعقل والمعرفة العلمية والديمقراطية، ولا تنفي أهميتها، لكنها أيضاً تتقبل وتدرك أهمية المعارف الإنسانية التي لا تأتي بالضرورة من العلم المباشر داخل المعامل بل من ثقافات المجتمعات المختلفة. ما بعد الحداثة ترى أن الباب يجب أن يكون مفتوحاً لكل الخبرات التراثية والشعبية لدى كل الأمم؛ فليس بالضرورة مثلاً أن تلد كل النساء بالطريقة التي يقررها طبيب في بريطانيا أو أمريكا. هناك الكثير من الطرق التقليدية التي قد تساعد النساء على المخاض بطريقة تقليدية، سواء في سريلانكا أو مصر أو الهند أو السعودية، ويجب على العلم احترام هذه المعارف والوقوف عندها طالما تحقق ولادة سليمة للطفل وراحة للأم، والأمر نفسه ينطبق على الأديان التي تحترمها ما بعد الحداثة وتقدرها طالما هي تحقق شيئاً ما لشعب ما، ولا تفرض إرادتها على كل الخليقة.

العلم إذن ليس بالضرورة أن يكون المعيار الأوحد للمعرفة. نحن نحتاج إلى عقولنا وحواسنا، ونحتاج إلى أن نفهم مشاعرنا، ونحتاج إلى خالقنا حتى نربي أنفسنا وأسرنا، ونؤدي أعمالنا بطريقة جيدة، ونتعامل مع جيراننا ومجتمعنا الحضري بطريقة متقدمة.. فما الذي فعلته جامعات دول العالم الثالث؟

 

لماذا لا تحدث البحوث الإنسانية فرقاً في عالمنا: الجدل الدائم بين أهمية التخصصات العلمية والأدبية؟ (1-2)
د. فوزية البكر

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة