ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Friday 14/09/2012 Issue 14596 14596 الجمعة 27 شوال 1433 العدد 

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

تحدثنا كتب التاريخ العربي عن ما كان بين الشاعرين في العصر الأموي، الفرزدق وجرير من سجالات شعرية بينهما دامت لأكثر من أربعين عاماً، هجا فيها جرير الفرزدق ببيت شعر بقي مثلاً في الثقافة العربية يرمز لمن يهدد بشي بعيد عن استطاعته، والبيت هو:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا

أبشر بطول سلامة يا مربع

يُذكر هذا البيت بتصاعد وتيرة التغطيات الإعلامية التي تؤكد عن قرب قيام إسرائيل بضربة ستكون ساحقة وماحقة للمنشآت النووية الإيرانية، ولكن بفارق جوهري وهو أن جرير كان يسخر فعلاً من مقدرة الفرزدق من قتل مربع، بينما إسرائيل لا تفكر في الهجوم على حليفها السري والذي لا غني لها عنه.. بيد أن المعقول والمنطقي والظاهر على السطح يعطي إسرائيل كل المبررات بتوجيه الضربة المرتقبة للمنشآت الإيرانية. أول هذه المبررات: أن القيادة الإيرانية تعلن صباح مساء وبمناسبة وبغيرها، وأقامت مؤتمرات تفند ما حدث لليهود من محرقة (HOLOCAUST) خلال الحكم النازي لألمانيا بقيادة هتلر أبان الحرب العالمية الثانية والتي قضت وبحسب الإحصاءات اليهودية على أكثر من ستة ملايين يهودي قضوا نحبهم حرقاً في معسكرات الاعتقال الجماعي لهم في أوروبا وخصوصاً بولندا وألمانيا. وهذه القضية ذات حساسية قصوى لليهود جعلت الكثير من الدول في الغرب تؤسس لقوانين تدين كل من ينكر المحرقة.. ولم يسلم من هذا وكما تداولت وكالات الإنباء العالمية مؤخراً تاجر ملابس هندي بسيط سمى محله لبيع الملابس الجاهزة باسم “هتلر”.

ثانياً: لم يعد يخفى على القاصي والداني أن الملف النووي الإيراني والذي شغل وسائل الإعلام العالمية للخمس السنوات المنصرمة وعلى أقل تقدير، ملف ظل يراوح مكانه بين إيران ووكالة الطاقة الذرية الدولية منذ فترة تولي رئيسها المصري محمد البرادعي مروراً برئيسها الحالي الياباني يوكيا آمانو. والحقائق المعروفة عن هذا الملف والتي تعترف بها إيران طواعية بأن لديها أكثر من 5000 وحدة تخصيب يوارنيوم قادرة على تخصيب 130 كيلو شهرياً و 1560 كيلو سنوياً، مما يعني أن إيران قادرة على صنع قنبلتين نوويتين خلال ما يقارب العامين وذلك حسب ما تناقلته تقارير استخباراتيه غربية وذلك من خلال المنشآت النووية المعلومة والتي تنتشر في أكثر من 12 موقعاً أهمها ثلاث منشآت هي أصفهان، ناتانز وأرياك.. ثالثاً: القيادة الإيرانية تتحدث علانية بأنها سوف تمحو إسرائيل من الوجود وبأنها ورم سرطاني في المنطقة لابد من استئصاله.. وتنتهز المناسبات والمؤتمرات لتكرر المقولة الآنفة الذكر والتي كان آخرها الاحتفال بيوم القدس العالمي.. وعلى الجانب الإسرائيلي التصعيد ليس أقل شدة مما هو عليه من جانب القيادة الإيرانية. فالقيادة الإسرائيلية التي يتزعمها رئيس الوزراء الإسرائيلي والليكودي المتطرف بنيامين نتنياهو بدأت بحديث وبصوت عالٍ عن قرب توجيه الضربة للمنشآت النووية في موعد لن يتجاوز نوفمبر المقبل. الملفت للنظر هو تحديد شهر نوفمبر كموعد أقصى لتوجيه الضربة والذي يتزامن وكما هو معروف مع الانتخابات الأمريكية الرئاسية والتي ستجري في نوفمبر والتي تشير كل استطلاعات الرأي بأنها ستكون انتخابات حامية الوطيس لتقارب فرص المرشحين، الرئيس الديمقراطي باراك أوباما ومنافسة عن الحزب الجمهوري ميت رومني. وهل يفهم من هذا أمكانية مشاركة أمريكا في الضربة الإسرائيلية المزعومة دعماً للمرشح الديمقراطي الرئيس أوباما انطلاقاً من الأمريكيين عادة لا يغيرون رئيسهم في حالة حرب؟.. ولكن السيناريو الأقرب أن تصعد الإدارة الأمريكية الوضع العسكري في الخليج العربي وبتفاهمات مسبقة مع كل من إيران وإسرائيل.. ولعل ما يعزز هذا القول تواجد ثلاث حاملات طائرات أمريكية، وغواصة ذرية وعدد من المدمرات والقطع البحرية الأمريكية في مياه الخليج العربي.

وتؤكد العديد من الحقائق أنه لا إسرائيل ولا أمريكا جادتان في توجيه ضربة لإيران.. أول هذه الحقائق وأكثرها وضوحاً هو الانسحاب الأمريكي من العراق في أواخر شهر ديسمبر 2011م، فلو كانت أمريكا جادة في توجيه الضربة نيابة عن أو مع إسرائيل لما انسحبت من العراق والذي كان هو النقطة المنطقية من ناحية تكتيتية لتوجيه ضربة حاسمة للبرنامج النووي الإيراني.

وقد يقول قائل ربما إن أمريكا لم ترد إحراج العراق بالقيام بمثل هذا العمل، والرد على ذلك كيف يكون ذلك محرجاً لمن احتل العراق نفسه وأنسحب منه وسلمه لإيران تفعل به ما تشاء. ولعل الجميع على اطلاع بأن النفوذ الإيراني في العراق لم يستثني شيئاً حتى المحاكم العراقية والتي انطلقت مؤخراً في حملة هوجاء لتنفيذ إعدامات لمن تم وصفهم بالإرهابيين وذلك مما حدا بالمنظمات الإنسانية الدولية والأمم المتحدة الطلب من الحكومة العراقية وقف تنفيذ ما لم ينفذ من إعدامات والتي كان ضحيتها متهمين جلهم سنة. فالانسحاب من العراق يُبقي لإسرائيل خياراً واحداً وهو توجيه الضربة المزعومة عن طريق قصف المنشآت الإيرانية النووية عن طريق غارات جوية.. وهذا سيناريو معقد وصعب التنفيذ عملياً وحسب تقرير لمعهد الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن فإن إسرائيل تحتاج لـ90 طائرة مقاتلة و9 طائرات من طراز هيركوليس وبوينغ لتزويد الطائرات المغيرة بالوقود خلال رحلة ذهابها وعودتها لقصف المنشآت النووية الإيرانية، ولو نفذت هذه الخطة والتي هي طبعاً تبقي خطة لا غير، فإن المنشآت لن تتأثر بالحد المأمول بالقضاء على البرنامج النووي الإيراني وستؤدي فقط وفي أحسن الحالات إلى تأخيره.

في مجمل عالم السياسة ما يتم في الخفاء هو الحقيقة وما نراها ليس إلا سوى رأس الجبل الجليدي.. والملف النووي الإيراني مثال صارخ لما يتم في عالم السياسة الخفي.. تهديد ووعيد لإيران من وكالة الطاقة الذرية ومن الدول الغربية وإسرائيل ثم يبقى الحال على ما هو عليه. هنا سؤال يلح وبشدة وهو، لو وافقنا جدلاً بأن هناك مؤامرة إسرائيلية إيرانية فيما يخص برنامجها النووي فماذا عن العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران واغتيال عدد من علمائها النوويين؟.. الجواب المباشر على السؤال بأن إيران لم تتأثر بالعقوبات الاقتصادية إلى بشكل بسيط تجاوزته وكانت الشركات الإسرائيلية هي المساند الأكبر لها لتجاوز هذه العقوبات، حتماً لم يكن هذا الأمر مجرد مصادفة! والعلماء الإيرانيون النوويون الذين قتلوا، هناك العديد من الأسئلة أكثر من أجوبة لما حدث لهم. أول هذه الأسئلة هو عدم وجود حماية كافية لعلماء تعتبرهم إيران نخبتها العلمية.. كيف يقتلون في شوارع طهران وفي وضح النهار من قبل عملاء الموساد يتصيدونهم الواحد تلو الآخر وفي فترات زمنية متباعدة؟!.. والتحليل المنطقي أن هؤلاء العلماء تم اغتيالهم من قبل أجهزة الآمن الإيرانية لتورطهم في التواصل مع أجهزة مخابرات أجنبية أو انشقاقهم عن الدولة الإيرانية. ويؤكد هذا الافتراض أن فيروس ستونكس (stunex) الذي أصاب حاسبات أجهزة الطرد المركزية لتخصيب اليورانيوم لمفاعل ناتانز وانتشر بعدها في العديد من المنشآت النووية الإيرانية قبل احتواه ولم يكن من الممكن إصابة المفاعل به لولا أن شخصاً أو أشخاص مصرح لهم بدخول المنشأة النووية هم الذين قاموا بزرع الفيروس في حاسباته.. على كل حال فإن مسرحية الملف النووي الإيراني والتي بدأت حلقاته كمسلسل مكسيكي، وكما هو الحال في المسرحية قد بلغ نقطة التنوير والمخطط لها سلفاً بين جميع أطرافه الفاعلين فيه لإغلاق الفصل الأول منه، وذلك بعد أن أصبح مملاً وغير قابل للتصديق، حيث يبدو ومن خلال المؤشرات بأن هناك طياً دبلوماسياً له في القريب العاجل. ويمكن استشفاء ذلك من خلال تصريح وزير الخارجية الإيراني على أكبر صالحي لوكالة الأنباء الإيرانية في 29 أغسطس 2012م بأن الرئيس الإيراني محمود أحمد نجاد قد وافق على أن يتفقد الآمين العام للأمم المتحدة الكوري الجنوبي بان كي مون المنشآت النووية الإيرانية أذا ما رغب في ذلك.. كذلك فإن جولة المفاوضات القادمة بخصوص الملف معالوكالة الدولية للطاقة النووية سيوضح الموقف بجلاء.

قبل أسابيع خلت كتب الصحفي الإسرائيلي عنار شيلو في صحيفة هآرتس (THE HAARETS)، مقالاً بعنوان “إسرائيل وإيران، حلف أبدي”، قال فيه إن كلاً من إيران وإسرائيل مدينان لبعضهما في البقاء كونهما نظامين فاشلين، ولقد صدق في الجزئية الأولى من مقاله بأنهما في حلف أبدي ولم يصب في الجزئية الثانية والحقيقة التي لم يذكرها عمداً أو تناسياً أنهما حليفان سريان، يعتمد كل منهما على الآخر في بقائه.

الحقيقة الأخرى أن الدولة التي تكذب عمداً وعلناًً في مؤتمر دولي تستضيفه على أرضها وحضرته 120 دولة وعلى مرأى ومسمع من العالم وذلك في بتر مقاطع من خطاب الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي والذي كان يترضى فيه على الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم، وتحريف ما قاله عن الثورة السورية لتستبدل بها ثورة البحرين، هذه الدولة التي تفعل هذا علناً، ليس بغريب أن تفعل كل ما في وسعها سراً لتنفيذ مخططاتها حتى لو أستدعى الأمر بالتحالف مع الشيطان كما كان يردد مرشدوها وساستها. وعلى رأس هذه المخططات تشييع العالم الإسلامي برمته وتقويض وإرباك والهاء العالم العربي السني بغالبيته حتى لا ينشغل بالنهوض بشعوبه في نهضة شاملة تشكل خطراً عليه وعلى حليفته الخفية. ولعل أوضح ما جاء من كذب وتمويه بشأن الضربة المزعومة للمنشآت النووية الإيرانية من قبل إسرائيل هو ما جاء على لسان مراسل شبكة سي.أن.أن والذي جاء في آخر مشاهد تغطيته لاستعدادات إسرائيل العسكرية، أن من يخطط للقيام بهجوم عسكري من المنطق والعقل أن لا يقوم بالإعلان عنه.

Alfal1@ hotmail.com
باحث اعلامي
 

مزاعم الضربة الإسرائيلية للمنشآت النووية الإيرانية
السيناريوهات المحتملة والحقيقة الغائبة
د. محمد بن يحيى الفال

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة