ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Monday 01/10/2012 Issue 14613 14613 الأثنين 15 ذو القعدة 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

تحول معمر القذافي بين ليلة وضحاها من بطل وزعيم إلى مجرم تطارده الجماهير وتدوس جسمه العاري حتى الموت في الشوارع، وعاش صدام حسين بطلاُ عربياً وحامياً للبوابة الشرقية ثم أصبح مطلوباً للعدالة، ثم محكوماً بالإعدام على جرائمه في حق شعبه، وكان بشار قبل الثورة رمزاً للمقاومة العربية، وحاضناً لحركات الجهاد الإسلامي، ثم صار مجرماً في حق شعبه وقاتلاً ومطلوباً للعدالة الدولية..، كوميديا سياسية عربية بامتياز خاص، قد يصعب تصديقها لو لم يعشها المرء بكل تفاصيلها.، وقد تصبح بعد قرون أقرب للأساطير والخيال القصصي.

إن دل ذلك على شيء، فأنه يدل على أن الصورة ما زالت في منتهى الغموض في مفردات الثقافة العربية حين الحديث عن الخطوط الفاصلة بين البطولة أو الجريمة، فذلك الإنسان الذي اعتقل في بيت عنكبوت تحت سطح الأرض ظهر على شاشات الإعلام العالمية في صورة المجرم والقاتل وصاحب المقابر الجماعية والمطلوب للعدالة، بينما كان لسنين خلت في نفس ذلك الإعلام البطل الشجاع وحامي البوابة الشرقية، والزعيم التي كان يقدمه الإعلام على أنه ملك ملوك أفريقيا، أصبح مهووساً بالأعمال الشريرة، و منحرفاً جنسياً بعد مقتله، بينما أصبح رمز الممانعة العربية للاستسلام مصاصاً للدماء ومجرماً يتلذذ بقتل شعبه كل ساعة ويوم.

يعد حكم معايير الأخلاقيات والظواهر المتعارف عليها في المجتمع العربي أحد أهم العقبات في سبيل تطوره نحو مجتمع العدالة والقيم الحضارية والقانونية، ويبدو أن الشعب العربي يمر الآن في ثروة ثقافية ليعيد ترتيب تلك المعايير، فلا يمكن أن نقبل مرة أخرى، أن تكون البطولة والجريمة وجهين لشخصية واحدة وسلوكيات محددة، كذلك لا يمكن أن نجعل من التدين شفيعا لتهمة الفساد، حيث لا يصح أن نرفع تهمة الفساد عن قاض مرتشي لسبب أنه متدين، أونجعل من فئه تخضع لمعايير مختلفة عما ينطبق على الناس.

ما يفسر هذا التناقض الصارخ في الخطاب الإعلامي هو فلسفة النفاق، والتي تحاول تقديم وقول ما يريده المستبد، ولا تكترث تلك الفلسفة للأخلاقيات العامة أو الخطوط الفاصلة بين الصلاح والفساد، قال الكواكبي يوماً ما إن أقل ما يؤثره الاستبداد في أخلاق الناس أنه يرغم حتى الأخيار منهم على ألفة الرياء والنفاق، ولبئس السيئتان، وأنه يعين الأشرار على إجراء غيِّ نفوسهم آمنين من كل تبعة، ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح، لأن أكثر أعمال الأشرار تبقى مستورة، يلقي عليها الاستبداد رداء خوف الناس من الشهادة على ذي شر، وعقبى ذكر الفاجر بما فيه، ولهذا شاعت بين الأسراء قواعد كثيرة باطلة، كقولهم: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وقولهم: البلاء موكول بالمنطق وغيرها، للك يحظى الصامتون بثقة المستبد، بينما يستعبد أولئك الذين يبحثون عن النجومية والإنجاز.

المستبد أكثر الناس حرصاً على البقاء حياً، وليس جبروته وسلطته وقبضته الحديدية إلا وسائل يستعملها ضد الآخرين مهما كانت درجة قرابتهم أو بعدهم عنه، فهو يداوي شكوكه، ويدافع عن جرائمه (وأخلاقياته) من خلال آلية الاستبداد، فالمستبد يحرص على الحكم المطلق من خلال أخلاقيات القوة لكي يعتلي قمته منفرداً، ثم يعمل على قتل روح القانون في الإنسان، ثم يفرض على الناس قول ما يريد، ولا يهمه أن يكون متناقضاً لأن أولياته أن يخاف الناس منه ثم يربط مصيرهم به، لذلك يربط الأسد مصيره بمصير شعبه، كان معمر القذافي سيفعل ذلك لو لم يتدخل الناتو، ولكن يبدو أن الغرب يريد أن يستمر القتل في سوريا.

الوجه الغائب في المعادلة أعلاه هو منطق القوة، والذي يعتبر الموجه المؤثر لأخلاقيات الناس، فإن شاء عدلها إلى الوجه الصحيح، وإن شاء ميلها كل الميل نحو فساد العقول وانتشار الكذب والنفاق السياسي الممقوت، كذلك للمصالح الشخصية تأثير لا يقل عن أثر القوه والتسلط، فتقسيم الغنائم يشمل منْ يمنح الزعيم المصداقية والشرعية، وفي ظل ذلك يعشعش الفساد ويكبر، ولا يمكن مقاومته مهما صدقت الأماني.

 

بين الكلمات
أساطير سياسية
عبدالعزيز السماري

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة