ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Tuesday 16/10/2012 Issue 14628 14628 الثلاثاء 30 ذو القعدة 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

الحديث عن التعليم ذو شجون خصوصاً في الأوقات التي تختلف فيها الرؤى، وتتباعد فيها الآراء، فاختلاف الآراء حول أمور التطوير في التعليم هو الوضع الطبيعي الذي يسود في الجامعات الجادة، أما تطابق الرؤى الأحادية فهو الوضع الشاذ السائد في الجامعات الراكدة.

وهناك إحجام ملحوظ عن الكتابة بشفافية ووضوح حول هذا الموضوع من قبل كثير من منسوبي الجامعة خوفا من فهم ما يكتب من خلال دائرة الفهم الشخصي الضيق، وأنه ينطوي على مخاطرة بمصالحهم الشخصية. فالتوافق الشخصي هو أساس معظم الأمور وللأسف في جامعاتنا، وقد أضر بها كثيرا، بل ربما كان الأكثر إعاقة لتقدمها وتطورها. فساد عرف في الجامعات أن منسوبها لا بد أن يكون هينا لينا، يسدد ويقارب، ويناور ويوارب حتى يحصل على بعض المزايا وتطاله الترشيحات من أدنى السلم لأعلاه. وكاتب المقال إذ يتفق مع ضرورة تجنب التجريح الشخصي أيا كانت الظروف، يختلف مع من يرون أن الصمت حكمة حتى ولو كان الكلام في مصلحة الوطن. ومعلوم لكثير منا أن الجامعات لدينا مرت مؤخرا بمرحلة هزات قوية على مقياس ريختر الأكاديمي سببها دعم خادم الحرمين الشريفين السخى لها، ورغبة الوزير في منح الجامعات صلاحيات أوسع.

وحيث إنه في رأي الكاتب ليس من العلم في شيء الاعتقاد بالطفرات الإعجازية في المسيرة التعليمية، وكذلك التعويل على التصنيفات التي تخلط الحابل بالنابل والشرقي بالغربي بمعايير موحدة غير دقيقة، أو التعويل على الاعتمادات المختلفة التي تملأ خانات الصفحات بتوصيفات مثالية للمقررات لا تتطابق مع واقع تعليمها في شيء. وحتى لا نبدأ في كل مرة من نقطة صفر جديدة، فلا بد من طرح موضوع تطوير الجامعات للنقاش بشكل جاد بيننا نحن السعوديين أصحاب الشأن، والابتعاد عن استجلاب أجانب يعزفون لنا اللحن الذي نود سماعه، أو يصفون جامعاتهم بشكل طوباوي حتى نحتذي حذوهم ويعودون لنا كمستشارين، وجامعتهم كمتعاقدي تطوير.

فتطوير التعليم العالي، في نظر الكاتب، ممكن بجهود ذاتية متى ما توفرت إرادة حقيقية للتطوير، لا أن يكون التطوير لأهداف غير تلك التي تصب في صميمه، ومتى ما ابتعدنا عن الدعايات، والمنجزات التي لا يسندها الواقع. بل أنه ومن نظرة موضوعية، قد لا يكون هذا التطوير ممكنا إلا بجهود ذاتية. ولكن هناك شروط أساسية لا بد من توفرها لأن يكون لدينا تعليم جامعي نوعي، سواء على مستوى التعليم أو مستوى البحث، بدونها لا يمكن أن نحقق شيئا يذكر، وبدونها سنظل ندور في حلقة الإنجازات الرغبوية ودوامة التجريب والتفريط. فالوقت قد لا يسعفنا في المستقبل، والمستقبل قد لا يسامحنا على تفريطنا، وقد نجد أنفسنا في زمن لا تتوفر فيه مثل هذه الموارد لنا.

أول الشروط، أن تكون خطط التطوير معلنة كبرامج متكاملة قبل البدء فيها، أهدافها واضحة وممكنة لا تقمص إنجازات دول أخرى، ولا تقلدها، فلكل بلد طبيعته الخاصة به. ويتم كذلك الإعلان عن كلفتها، ومدة وكيفية إنجازها قبل البدء فيها، من أجل تقدير مصداقيتها، وجدواها العملية، وجدواها الاقتصادية، بحيث يمكن تفويمها ونقدها مبكرا من قبل المسئولين، والأساتذة والطلاب قبل البدء فيها. لا أن يعلن عن برنامج أو منتج كان يطبخ سرا بعد الانتهاء منه، وبعد استهلاك موارده، ثم يتضح عدم جداوه أو عدم حاجته الفعلية. كما يجب تحديد مواقع الأجانب والمتعاقدين في المشاريع في بدايتها ليعرف الجميع أنه تمت الاستعانة بهم لعدم وجدود سعوديون يقومون بمهامهم. فالشكوك كانت وما زالت تحوم حول تقريب الأجانب والمتعاقدين على حساب السعوديين دون مسائلة المسئولين عن ذلك، وهناك أمثلة كثيرة. فتقريب المتعاقد على حساب السعودي المؤهل في مشاريع لا يفصح عنها في حينها، يفقد السعودي فرصة المشاركة واكتساب خبرة العمل، وحقه من المشاركة في مستقبل بلاده، ويثير تساؤلات حول نزاهة المسئول عن المشروع.

ثانيها، الحرص على متابعة تطبيق لوائح الجامعة بالشكل الصحيح، وعلى وجه الخصوص لوائح المجالس، ومتابعتها متابعة دقيقية ومنع العبث بها ومعاقبة من يقوم بذلك من قبل أي مسئول مهما كان مركزه في الجامعة، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بالتعيينات، والخطط الدراسية، والخطط المستقبلية. فالجامعات في رأيي تضررت بالشكل الأكبر بعدم تطبيق اللوائح والالتفاف عليها.

ثالثها: إعادة النظر في الترشيحات والتعيينات السرية، فالتعيينات في الجامعات ليست تعيينات في جهات أمنية. ولا بد من إشراك منسوبي الجامعة فيها، فالجامعات تضررت كثيرا من قضية التعيينات السرية، المدير للعمداء، العمداء لرؤساء الأقسام، ورؤساء الأقسام للجان وهلم جرا. حيث لا يظهر اسم المرشح إلا بعد صدور قرار التعيين في سرية تامة، ومسئولو الجامعات ليسوا ملائكة، وقد يبحثون دائما عن من يرغبون تقريبه لأهداف مختلفة قد لا تكون لمصلحة مؤسساتهم، فيبحثون عن من يتفق معهم دائما، أو من يحفظ لهمك معروفهم، أو من يكون ذا شخصية سهلة الانقياد، لا عن الأكفأ الذي قد يختلف معهم ويسبب لهم متاعب بالاختلاف معهم. ومعروف أن الهدف من اللجان والمجالس هو موازنة الآراء وخلق نوع من الرقابة والتوازن checks and balances الذاتية في القرارات، وإذا اختفيا نتيجة لشخصنة التعيينات انتفى دور اللجان والمجلس وأصبحت لجان ومجالس صورية فقط، لجان ومجالس تغطية تجاوز الأنظمة لا مجالس علمية حقيقية.

رابعها، إلزام الأساتذة بالتدريس في تخصصاتهم الدقيقة، وهذا أمر في غاية الأهمية وسمعته أيضا من أستاذ أمريكي جلبته الجامعة مؤخرا للمحاضرة حول سبل تطوير الجامعات، حيث قال إن أكثر ما يدمر مستوى التعليم في الجامعات هو عدم التزام أعضاء هيئة التدريس بتخصصاتهم الدقيقة سواء في التدريس أو الإدارة أو التخطيط، وعملهم وتدريسهم في تخصصات أخرى مقاربة ينخدع بها النظام التعليمي. فالتعيينات في الأقسام تكون حسب حاجة التخصصات الدقيقة، لا أن يكون لدي الكليات تكدسات في تخصصات معينة، تكون غالبا سهلة، ثم يدرس هؤلاء في غير تخصصاتهم من التخصصات المعقدة التي يتطلب العمل فيها خبرة تفوق خبرتهم. والأسوأ عندما يرأس هؤلاء لجان أكاديمية ولجان تطوير، ولذا تجب مساءلة مبتعثي الجامعة عند عودتهم عن تطابق تخصصاتهم مع ما ابتعثوا من أجله بشكل دقيق، وربط ذلك بقرارات تعيينهم.

خامسها، أن يرتبط البحث العلمي ببرامج بحثية تحددها الكليات أو الجامعة، أو حتى وزارة التعليم العالي وتتم دراسة جدواها وأهدافها مسبقا، بدلاً من التخبط البحثي حيث يبحث كل أستاذ حسب ما يراه، او كل جامعة فيما تعتقد أنه يحقق دعاية لها، أو أن يغير وكيل الجامعة للبحث العلمي خطط البحث وفق مزاجه وتوقعاته في كل فينة وأخرى. كما يحسن تحدد نسبة المتعاقدين في مجالس إدارة مراكز البحوث، وأن يعين على مراكز البحوث من لهم جهود بحثية ودراية بالبحث. فلا يستغرب اليوم في جامعاتنا أن تجد من يرأس مركز بحث وهو ليس له أي نشاط بحثي، أو أن يكون أعضاء مركز البحوث جميعهم متعاقدون، وهناك حالات كهذه مستمرة لعقود.

سادسها، ربط الندوات والمؤتمرات بخطط الكليات والجامعات البحثية والعلمية، وتطوير آليات عقد الندوات وورش العمل بحيث تبتعد عن الروتين القاتل، وطلب الموافقات من جهات عليا، فالحاجة للندوات والمؤتمرات قد تكون ملحة وعاجلة لجوانب التطوير.

نعم، الجامعات أرقى وأعلى دور العلم، وقد تلي المساجد ودور العبادة في مهابتها واحترامها ففي حرمها يعمل أكثر الناس تعليماً وتأهيلاً، ولذلك فالجميع يخالها بعيدة عن الأمور المبتذلة من أمور الفساد. لكن الواقع تغير وللأسف فالمعايير العلمية تحولت في أيامنا هذه إلى معايير تجارية بتحول العلم لاقتصاد، ودخوله في حسابات الأرباح والخسائر. وزبدة الكلام هي أن نظام الجامعات الحالي الذي يعين العميد فيه بشكل مجهول لزملائه، ثم يمنحه صلاحيات كاملة لاختيار من يريد ممن هم قريبين منه كرؤساء أقسام ووكلاء دونما متابعة أو محاسبة أو مراقبة، وحصر ميزانية الكليات فيهم دون آليات محددة لتوزيعها على الأقسام نظام يحتاج لملائكة لتطبيقه، ومنهم في الجامعة ولله الحمد أناس كثر، لكنه يفتح الباب على مصراعيه لأبالسة يتلاعبون بالنظام في كلياتهم وبمجالسها كيفما أرادوا. “ إذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحيى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي” صدق الله العظيم. فالنظام لا يكفي بدون رقابة.

latifmohammed@hotmail.com
Twitter @drmalabdullatif
 

الجامعات والرغبة في التطوير
د. محمد بن عبدالله آل عبد اللطيف

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة