ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Wednesday 17/10/2012 Issue 14629 14629 الاربعاء 01 ذو الحجة 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

أم حديجان صورة وطن في عدة أجيال:

في مقال الأسبوع الماضي الذي تحدثت فيه عن ظاهرة تمرد الشباب السعودي على أوعية العمل الإعلامي التقليدي والتي تتمثل في تعدد تجاربهم المرئية عبر منافذ الإعلام الجديد, أشرت إلى عودة بعض الأعمال (المسموعة والمرئية) المُعتقة بإطلالة جديدة مفعمة بروح الشباب عبر تلك المنافذ الشبابية الجديدة أي المنافذ الإلكترونية. وقد ذكرت أن مثل هذه العودة تتمثل تحديدا في يوتيوب أم حديجان الذي تم انتخابه كأحد مفردات عينة البحث الميداني الذي أقوم به مع عدد من طالبات الدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود لدراسة الرسالة السياسية والاجتماعية لإنتاج الشباب السعودي المرئي.

وقد ذكرت في هذا السياق أيضا أن أم حديجان، لمن لا يدري، تمثل في الواقع السعودي حكاية وطن في عدة أجيال. ولطالما أردت الكتابة عنها ليس فقط كشخصية نسائية فذة بامتياز بل وأيضا كتجربة فريدة من نوعها فنيا ومضمونا اجتماعيا. ولأهمية تلك التجربة فقد وعدت بالعودة إليها في مقال خاص بها. وهذه محاولة للوفاء بالوعد، أقدم بمناسبتها تحية وفاء متواضعة للفنان المبدع عبدالعزيز الهزاع ولمن دخل معه على خط التجربة لمدها بدماء شبابية متجددة، إذ ليس لمن يعرف أم حديجان خاصة إذا كانت تلك المعرفة تعود إلى عهد الطفولة إلا ويعرف القيمة الوجدانية والقيمة الثقافية لتجربة أم حديجان. فأم حديجان امرأة سمراء، ريانة (ليست سمينة وليست هيفاء) وهي “مربوعة”، أي ليست قصيرة وليست طويلة ولكنها فارعة، لم تذهب إلى المدرسة ولكنها ليست أمية، فيقطر حديثها بشهوة المعرفة. امرأة مملوحة من تراب هذا الوطن، ملوحة بشموسه، تشبه الكثير من الأمهات والزوجات والبنات، حيية ولكنها ليست “صحيحية” بالمعنى الشعبي لكلمة “محدودة الذكاء والخبرة”. وهي وإن كانت تحمل ملامح عدة شرائح دفعة واحدة من الطبقة الشعبية فإنها تحمل كل ما تتحلى به تلك الطبقة على بساطة معيشتها من تطلعات الحياة الكريمة بروح لا تمل سلاح الصبر في كفاحها السلمي لأجل تلك التطلعات مع الاستعداد لدفع أثمانها. يبرق صوت أم حديجان بالتماعات الذكاء الفطري والاجتماعي منذ أن كانت الإذاعة السعودية المنفذ الوحيد لهذا الصوت، حيث سجلت بصمة ذلك الصوت أول حضور بلا منازع لصوت المرأة السعودية في الفضاء العام في وقت كان صوت المرأة يعتبر في العرف الاجتماعي السائد عورة وفي الموقف الرسمي (تابو). وإذا كانت أم حديجان باختصار مخل امرأة في “سمتها المحلي الذي ينم عن مرجعية شديدة التحفظ “ لديها قواسم مع شخصية “الخالة كردجان” التي ألفها في كتابه القصصي الأديب الكبير أحمد السباعي قبل أكثر من ستين عاما، فإنها في قدرتها الرمزية على استحضار وجود المرأة الذي كان غائبا ومغيبا بالمجتمع السعودي لا تقل أهمية في فعل رد الاعتبار للوجود النسوي في الفضاء العام عن “بنت الحجاز” التي كان يجري التوقيع باسمها من قبل بعض الأدباء هناك، لترميم الفراغ النسوي وقتها على امتداد البلاد. فالمعادل الموضوعي لذلك الحضور الرمزي للمرأة، الذي أوجده السباعي ومجايليه بمنطقة الحجاز ونجد والشرقية في مراحل متلاحقة لذلك التاريخ أمثال حد الجاسر عبدالكريم الجيهمان وعبدالله بن خميس، هو حضور المرأة الرمزي أيضا الذي اجترحه عبدالعزيز الهزاع بالمنطقة الوسطى بالمملكة. ومن المهم للتوضيح القول بأنني لا أقوم هنا لا من قريب ولا من بعيد بمقارنة مناطقية على الإطلاق بقدر ما أظهر التضامن والتكامل بعيداً عن المنطق المناطقي في جهد التمهيد والوعي المبكر بأهمية العمل وإن رمزيا على تواجد المرأة وإقرار مشاركتها في المشهد الوطني لريثما تتولى الحضور بالأصالة عن نفسها لا بالنيابة عنها. ففي الوقت الذي كان فيه تعليم المرأة العام لا يزال يشكل إشكالية كبرى من إشكاليات التحولات بالستينات ولم يكن فيه من يجرؤ لا على المستوى الرسمي ولا المجتمعي استحضار صوت المرأة في “الإذاعة السعودية المحافظة” جاءت موهبة عبدالعزيز الهزاع في مستواها الفني القادر على التعبير عن عدة أصوات بحنجرة ذهبية واحدة لتحل الإشكالية بتقليده لصوت المرأة بل لأصوات عدة نساء.

أم حديجان والحضور الرمزي للمرأة

صوتا ورأيا في الفضاء العام:

وربما يمكن أيضا قراءة اختيار عنونة برنامج عبدالعزيز الهزاع باسم امرأة/ “ام حديجان” على أنه شكل اختراقا آخر لـ”تحريم أو منع “ حضور المرأة في الفضاء العام ليس كصوت فقط بل كمواطنة وكشخصية اجتماعية عامة، تملك الحق في أن تأخذ وتعطي وتبدي رأيها على الملأ في المسائل الأسرية والمجتمعية معا. وهذه القراءة تشكل احتمالا ممكنا في محاولة إعادة النظر في التراكمات الصغيرة لتحولات التاريخ الاجتماعي بغض النظر عن مدى العفوية أو الحسابات في ذلك الوقت لتحقيق مثل هذه الأثر في الوعي العام عبر أم حديجان وسواها من حالات التجسير الرمزي لغياب المرأة، لكسر “حالة التوحد” “الاستيحاشي” الذي كان متناميا في الفصل الحدي بين عالم الرجال والنساء بالمجتمع السعودي حتى في النطاق الأسري.

أم حديجان ومواجهة الأسرة السعودية للتحولات:

ويبقى أن أشير إشارة متواضعة أخرى ومختصرة بالمقارنة لعمق “التجربة الحديجانية الهزاعية “ لقراءة بعد اجتماعي وشعبي طليعي آخر لهذه التجربة في تعبيرها لما يقارب نصف قرن عن واحد من أهم إن لم يكن من أخطر إشكالات المجتمع السعودي على الإطلاق منذ انبثاق المملكة كدولة وطنية في العصر الحديث. وهذه الإشكالية التي يعرفها كل من يقارب السيسيولوجية السعودية من الكتاب الأجانب والعرب معا هي إشكالية التحولات تحديدا بالمجتمع السعودي والموقفين الرسمي والاجتماعي من هذه الإشكالية. وفي رأيي أن أم حديجان وأسرتها تمثل “محنة” العائلة السعودية في المتوسط العام في مواجهة الكثير من التحولات التي تقتضيها سنة التغيير ورياحه في أوضاع وأمام قوى تحاول أن تحتال على التحولات بالمروحة.

وإذا كنا لا نروم هنا أن ندعي لأم حديجان خروجا على الصورة التقليدية بمعناها المحافظ أو تحميلها فوق ما تحتمل، إلا أنه من التقصير في حقها وفي حق مصداقية القراءة أن لا نرى حالة التوتر والقلق الإيجابي التي تمثلها أم حديجان وأسرتها إزاء المتغيرات في نزعة لا تخطئها العين ولا الأذن من الانحياز لنهر التغيرات أو على الأقل خلق أرضية للتحاور فيها كإشكالية لا يحلها الوقف الرافض بذرائع العداء المطلق للتغير من باب أن الإنسان وكذلك الدول والمجتمعات عدوة ما تجهل.

وعلى أن تثمين هذا الجهد الهزاعي في ذلك الهزيع المبكر من التشكل الاجتماعي للمجتمع السعودي يحتاج لعمل بحثي يفرد له، فإن جرأته في محاولة تجديد الأوعية الدموية لأم حديجان وأسرتها من خلال الحضور التلفزيوني وعبر اليوتيوب هي التي وضعت أصابعنا من جديد على أهمية تلك التجربة وأهمية إعادة قراءتها قراءة سيسيولوجية تليق بها. فشكرا لتجربة الشباب في الإنتاج المرئي الجديد وشكراً لتجربة عبدالعزيز الهزاع الشاب أمد الله في عمره.

Fowziyaat@hotmail.com
Twitter: F@abukhalid
 

أم حديجان وتجربة التمرد على الأوعية القديمة
د.فوزية عبدالله أبو خالد

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة