ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Sunday 25/11/2012 Issue 14668 14668 الأحد 11 محرم 1434 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

في العشرين من شهر يناير من عام 2009م.. كان الرئيس باراك أوباما يدخل إلى (البيت الأبيض) برفقة حرمه السيدة (ميشيل) وطفلتيهما.. ولأوَّل مرَّة في التاريخ الأمريكي والرئاسات الأمريكيَّة -الثلاثة والأربعون- التي سبقته، لتصبح عائلته الصَّغيرة.. أول عائلة (سوداء) تحلّ في (البيت)،

وسط محيط (أبيض) من المكان والبشر والتاريخ والعنعنات والشقراوات والسادة من أصحاب العيون الزرقاء والشُّعورالصفراء.. يحيط بها من كل جانب. كان وصوله.. انتصارًا شخصيًّا رفيع المستوى، و(اعترافًا) بعبقريته ومهارته وذكائه السياسي الحاد الذي تخطى به كل العقبات حتَّى وصل إلى (المكتب البيضاوي).. وحمل لقب (الرئيس الرابع والأربعين) للولايات المتحدة الأمريكيَّة.. لتحمل السيدة ميشيل السوداء لقب (السيدة الأمريكيَّة الأولى)، فلا يجد الإعلام الأمريكي ما يجاملها به -بعد أسابيع قليلة من وجودها في البيت الأبيض- غير أن يطلق عليها لقب (أكثر سيدات أمريكا أناقة)!! ولم تكن أمريكا كلّّها.. سيدات ورجالاً في عير سباق (الأناقة) هذا.. أو نفيره! كـ (عواصمه) في باريس وليون الفرنسيتين أو روما وميلانو الإيطاليتين.. لكن وصوله -اللافت- إلى المكتب البيضاوي حتَّى وإن كان.. معتمدًا على جسور مواهبه وملكاته وإمكاناته الفذَّة إلا أنّه لم يغب مع ذلك عن العالم بأسره وشرائح كبيرة من المجتمع الأمريكي نفسه بملايينه الثلاثمائة.. معنى تلك الرجعة الفعلية والعملية لـ”مبادئ” الوثيقة العالميَّة لحقوق الإِنسان، التي أعلنتها الأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر من عام 1948م.. بعد أن أشرفت عليها وترأست لجنة إعدادها السيدة (إليانور روزفلت) حرم الرئيس الأمريكي الأسبق (فرانكلين روزفلت)، ثمَّ نسيتها.. بالتمام والكمال في داخل الولايات المتحدة.. فضلاً عن خارجها وإن ظلَّت تستخدمها كـ”سلاح” ترهب به -فيما بعد- الدول المعارضة أو المعاندة لها.. فقد رأى العالم كيف كان يُمنع أصحاب البشرة (السوداء) من دخول المطاعم والمقاهي والحافلات ودور السينما التي يرتادها البيض (المبجلون).. بينما يسمح للكلاب بدخولها!! ورأى كيف كان يُمنع أطفالهم من دخول مدارس البيض..! وكيف يُطارد السود الأمريكيون.. في الشوارع حتَّى الموت دون رحمة أو نيل لأبسط حقٍّ من حقوقهم الإنسانيَّة (!!) لولا الثورة السوداء.. التي قادها الزعيم (مارتن لوثر كنج) في أوائل ستينات القرن الماضي.. فخففت من تلك (العنصرية) البغيضة المخجلة.. ولم تلغها!!.

ولذلك.. وكما كان وصوله إلى المكتب البيضاوي انتصارًا شخصيًّا له.. كان انتصارًا للقيم التي أسهمت في كتابتها الولايات المتحدة الأمريكيَّة، ثمَّ نسيتها بالنِّسبة للزنوج والهنود الحمر وأمثالهم.. داخليًا، ولم تطبِّقها خارجيًّا إلا انتقائيًا وعلى دول المعسكر الشرقي الشيوعي ومَن حذا حذوهم من مخالفيها الرأي والتوجُّه ومنهج الرأسماليَّة المتوحشة.. حتَّى بدا وصول أوباما إلى المكتب البيضاوي، وكأنه الاعتراف الفعلي الأول بـ(وثيقة: الإعلان العالمي لحقوق الإِنسان)، والتطبيق الحقيقي لـ(ثاني) موادها.. القائل: (لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أيّ نوع، ولاسيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللُّغة أو الدين، أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي)، وهو ما جعل شعوبًا وأممًا في القارات الست تستقبله بذلك الحماس المفرط والمدهش، وهي ترى في وصوله.. إنصافًا للمظلومين والمقهورين.. بل وترى فيه رسولاً من رسل الإنسانيَّة لإنقاذ البشرية من ذلك الدَّمَار الذي أسهمت الولايات المتحدة -بقيادة بوش الأب فالابن- في ثلاثة أرباعه منذ تسعينات القرن الماضي، وخصوصًا أن الذي حمله إلى البيت الأبيض ومكتبه البيضاوي.. هي حملته المنادية بـ(التغيير)، في وقت كان العالم فيه لا يحتاج إلى شيء أكثر من حاجته إلى (التغيير)، ودعاته، ورجاله.. كهذا الرئيس الأمريكي الشاب -نسبيًّا- باراك أوباما.. الذي قدم أخيرًا إلى البيت الأبيض.. لقيادة هذا (التغيير)!!

* * *

بعد ستة أشهر.. وفي الرابع من يونيه - 2009م - قفز الرئيس أوباما قفزته الأولى إلى (القاهرة).. وإلى المنصة التي كان يقف عليها عبدالناصر في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة، ليلقي من فوقها (خطابًا).. غير مبرر إلقاؤه من العاصمة المصريَّة ومن قاعة احتفالاتها الكبرى، إلا أن الكثيرين -وحتى المعنيين منهم- لم يتوقفوا كثيرًا أو قليلاً عند اختيار المكان أو الموقع أو التوقيت.. إذ سرعان ما شغلهم فحوى خطاب الرئيس، الذي بدا.. وكأنه البرنامج التطبيقي لحملة (التغيير) التي أوصلته إلى البيت الأبيض ومكتبه البيضاوي التي سيطبقها في سنوات رئاسته، فهو ينادي فيه: بـ(عالم لا يُهدِّد فيه المتطرفون شعوبنا).. (عالم عادت فيه القوات الأمريكيَّة إلى بلدها).. (عالم.. حيث الإسرائيليون والفلسطينيون يعيشون في أمان كلٌّ في دولته).. (عالم.. حيث تستخدم الطَّاقة النووية -فيه- لأغراض سلمية)، ليفرغ بعد ذلك مدائحه على (الإسلام) و(المسلمين)، ودورهم (التنويري) في نهضة و(تنوير) أوروبا في قرون تخلفها.. مستشهدًا بالآية القرآنية تلو الأخرى، حتَّى اهتزّت رؤوس المسلمين سعادة.. وامتلأت قلوب (الدعاة) أملاً في حمله إلى الإسلام ذات يوم، فليس بينه.. وبين ما سمعوه منه إلا أن يغتسل ويجهر بالشهادتين!! لينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن (معاناة) الفلسطينيين (مسلمين ومسيحيين).. فهم - وكما قال - (لأكثر من ستين عامًا تحملوا آلام التشرد، وانتظر الكثيرون في معسكرات لاجئين في الضفة الغربيَّة وغزة والأراضي المجاورة.. بحثًا عن حياة سلمية آمنة لم يشهدوها. إنهَّم يتحمَّلون الإذلال اليومي المصاحب للاحتلال. لذا فليس هناك مجالٌ للشكِّ في أن الوضع بالنِّسبة للشعب الفلسطيني لا يحتمل، وأن أمريكا لن تدير ظهرها لتطلَّع الفلسطينيين المشروع للحصول على الكرامة وإقامة دولتهم المستقلة).. ليصلي المسلمون من العرب لله حمدًا وشكرًا، وليحمد المسيحيون منهم الرب.. على أن جاءهم -أخيرًا- هذا الرئيس الأمريكي (الجديد) لينقذهم وينصفهم ويرد إليهم حقوقهم الشرعيَّة المغتصبة، وقد أمن جميعهم.. كتابة في الصُّحف وحديثًا في الإذاعات والقنوات الفضائية بأن زمن (حلزونية) السياسة الأمريكيَّة.. تجاه الفلسطينيين وقضيتهم وصراعهم مع (إسرائيل) قد انتهى بهذا الخطاب الحاسم والقاطع، ومفرداته التي لا تقبل الشكَّ ولا التأويل، والتي لم يستمعوا إلى مثلها قط من قبل.. حتَّى من أكثر الرساء الديمقراطيين اعتدالاً وإنصافًا كـ(جون كينيدي) أو (جيمي كارتر) وأخيرًا (بيل كلينتون)، وأن على الفلسطينيين -بعد هذا الخطاب- أن يسقطوا كراهتهم القديمة لـ(أمريكا)، وأن يرتفعوا فوق أحزانهم التي تجرعوها طوال الستين عامًا الماضية على أيدي الرئاسات الأمريكيَّة المتعاقبة من (هاري ترومان) إلى (ليندون جونسون) إلى (ريتشارد نيكسون) إلى (جورج بوش الابن)، وأن يفتحوا صدورهم مرحبين بعهد (الرئيس باراك أوباما) الجديد.. وأن يمدوا إليه أيديهم بإخلاص يتماثل مع مشاعره النبيلة ومواقفه السياسيَّة المنصفة التي عبَّر عنها خطابه، وقد تدافع فعلاً بعد ذلك الخطاب.. وزراء خارجية ورؤساء حكومات وأمراء وملوك.. صوب واشنطن.. بعضهم تعبيرًا عن تقديرهم للرئيس أوباما ومواقفه التي كشف عنها خطابه الباهر والرائع في القاهرة، وبعضهم لشرح تفاصيل (المبادة العربيَّة) لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، التي تبنَّتها آخر القمم العربيَّة الجادة.

* * *

ومضت الأيام.. ليفاجئ الرئيس باراك أوباما بعد عام ونصف على خطاب القاهرة.. وفي السابع من شهر ديسمبر من عام 2010م على وجه التحدِّيد.. العالم كلّّه وليس الفلسطينيون وحدهم بـ(قرار) ملتبس بين انسحابه من القضية كلّّها.. أم من رعاية المفاوضات المباشرة وغير المباشرة التي كانت تجرى بسلحفانية وتوتر بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي -وقتها- إيهود أولمرت فخليفته بنيامين نتنياهو.. حوَّل الوضع النهائي لحلِّ المشكلات العالقة (الثلاث): القدس والمستوطنات والحدود.. تمهيدًا للاتفاق على موعد إعلان قيام الدَّوْلة الفلسطينيَّة (المستقلة).. بحجة أن (نتنياهو) رفض شروط إيقاف الاستيطان، التي وضعها الرئيس محمود عباس.. لعودته إلى المفاوضات مباشرة أو غير مباشرة!! ليترك قرار أوباما بـ(الانسحاب) من القضية أو من المفاوضات مباشرة أو غير مباشرة الفلسطينيين في العراء.. ليتولى وزير الدفاع الإسرائيلي (يهود باراك)، نيابة عنه.. شرح تفاصيل أسباب الانسحاب الأمريكي من تلك المفاوضات (مباشرة وغير مباشرة).. لأن (الإدارة الأمريكيَّة) مشغولة بملف (الخلاف بين الكوريتين والانفصال السوداني)، وأنّه ليس لديها من الوقت ما يكفي لمتابعة (المفاوضات) إن كانت مباشرة أو غير مباشرة.. بينما ظلَّ الرئيس أوباما الذي كان يشيد -في خطاب القاهرة- بالإسلام والمسلمين وبحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة ورفع ظلم الاحتلال عنهم.. صامتًا، وكأن ذلك الذي تحدث في جامعة القاهرة.. شخص آخر لا علاقة له به.. أو كأنه (أوباما.. الأول)، الذي قال ما قال..، ثمَّ ذهب واختفى..!!

ولكن قرار الانسحاب من (القضية) -إن كان ذلك ما قصده أوباما- رد عليه الثائر السجين (مروان البرغوثي).. مرحبًا بانتهاء الاحتكار الأمريكي لقضية السَّلام مع إسرائيل، وأن وحدة الشعب الفلسطيني، وبناء موقف عربي موحد، والعودة إلى المقاومة الشعبية.. هم السبيل لإنهاء الاحتلال وإقامة الدَّوْلة الفلسطينيَّة، بينما رد الرئيس محمود عباس.. رسميًّا على قرار أوباما بالانسحاب من رعاية المفاوضات مباشرة وغير مباشرة.. بالذهاب إلى (الجمعية العامَّة للأمم المتحدة).. لطلب التصويت على منح (فلسطين) العضوية الكاملة كـ(دولة) على حدود الرابع من يونيه من عام 1967م وفقًا لقراري مجلس الأمن 242 و338 ومبدأ الأرض مقابل السَّلام.. ليظهر ساعتها الرئيس أوباما مجددًا ومهددًا باستخدام حق (الفيتو) ضد قرار قيام (الدَّوْلة الفلسطينيَّة) على حدود الرابع من يونيه من عام 67م كما يطالب أبو مازن..؟!

* * *

ومع انتهاء الانتخابات الأمريكيَّة الأخيرة قبل أسابيع، التي منحت الرئيس أوباما دورة ثانية.. كان الرئيس الفلسطيني أبو مازن قد وازن بمنطق (العيش الذليل) وبكل أسف بين: (مصالح) الفلسطينيين في أراضي السلطة، و(تأثير) التهديد الأمريكي بـ (الفيتو) على قرار (الاتحاد الأوروبي) العائل الأول بمساعداته لـ(السلطة) وموظفيها وحياة شعبها في الضفة والقطاع.. ليصل إلى قرار باهت غير مرغوب فيه ولا مقبول.. قرار لا يعبِّر عن (القضية) ودماء آلاف الآلاف من الشهداء التي أريقت في سبيل استعادتها.. (أرضًا وقدسًا - بطلب الحصول من الجمعية العامَّة للأمم المتحدة.. على (عضوية مراقب) وليس (العضوية.. الكاملة) بين أعضائها!! ليجد الرئيس الأمريكي باراك أوباما.. أو (أوباما الثاني) في وجهه مجددًا.. عند (تهنئته) بنجاحه -على الهاتف- مساء الحادي عشر من نوفمبر وبعد ستة أيام من إعادة انتخابه كما تناقلت وأذاعت ذلك وكالات الأنباء.. ليرد الرئيس أوباما أو (أوباما الثاني).. على (التهنئة) بقوله: (إن الإدارة الأمريكيَّة.. تعارض القرار الفلسطيني بالذهاب للجمعية العامَّة للأمم المتحدة للحصول على مرتبة الدَّوْلة غير العضو) أو (عضو مراقب)!؟

فماذا يريد أوباما (الثاني)؟ وماذا تريد الولايات المتحدة على وجه الدِّقة.. بهذه العودة إلى منهجها الأمريكي المتوارث و(حلزونية) سياساتها تجاه الفلسطينيين والقضية الفلسطينيَّة في صراعها مع الاغتصاب الإسرائيلي..؟

هل تريد من الفلسطينيين أن يحفروا -مثلاً- قبورهم بـ(أيديهم) ليدفنوا أنفسهم فيها، فلا يبقى على وجه الأرض الفلسطينيَّة.. أحدٌ منهم.. حتَّى ترتاح إسرائيل، وتطمئن الولايات المتحدة..؟ أم أنهَّا تريد أن تحوّل الخمسة ملايين فلسطيني في فلسطين.. والمليون السادس في الشتات إلى إرهابيين لا أمل لهم في الحياة -أو الموت.. لا فرق- إلا بـ(الانتقام) ممن (اغتصبوا) أرضهم ومَن (أعانوهم) وزَيَّنُوا لهم ذلك..؟

أم تريد بهذه المطاردة لـ(حلم) الفلسطينيين أن ترى مائة أو ألف (قاعدة) جديدة.. لا هم لها غير تصيد مصالحها بامتداد المعمورة، لتطالب المجتمع الدَّوْلي -فيما بعد- بـ(محاربة) الإرهاب معها.. وهي تصنعه.. أو تصنّعه..؟

لقد أعجبني ما قاله.. ذلك الرَّجل المجهول في أحد شوارع القاهرة، وقد سألته (مذيعة) البرنامج.. عن أيِّ من المرشحين ترجو نجاحه: الجمهوري (رومني) أم الديمقراطي (أوباما)..؟ فقال لها: (أوباما).. لأن (نص العمى ولا العمى كلّّه)..!!

dar.almarsaa@hotmail.com
جدة
 

أوباما (الثاني) من راعي (سلام).. إلى راعي (احتلال)..!
د.عبدالله مناع

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفجوال الجزيرةالسوق المفتوحالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة