ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Wednesday 26/12/2012 Issue 14699 14699 الاربعاء 13 صفر 1434 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

أعلنت قبل أيام هيئة مكافحة الفساد (نزاهة) أن هناك أكثر من ثلاثة آلاف مشروع حكومي متعثر بقيمة تتجاوز مئات الملايين من الريالات. ومن نافلة القول أن الجميع متفقون على وجود فساد مالي، وهو الأمر الذي وضعت الدولة مكافحته على قائمة أولوياتها؛

لذلك تم إنشاء الهيئة لتحقيق هذا الغرض. والفساد المالي هو في أساسه فساد إداري؛ فالأول هو نتيجة للثاني، وبينهما علاقة سببية مؤكدة. ومع صدور الميزانية الجديدة للدولة التي اعتُمد فيها مبالغ ضخمة، وكما هو الحال في الميزانيات المنصرمة، تهدف الدولة دوماً وأولاً وأخيراً رخاء ورفاهية المواطن. ولا شك أن الهيئة وغيرها من الجهات الرقابية في الدولة تعمل بكل جد من أجل تحقيق هدف الدولة لما فيه مصلحة البلاد والعباد. كذلك فليس هناك شك أن هناك بُعداً إدارياً شارك بشكل فاعل وبدرجة كبيرة في مشكلة الفساد. وتتعلق المشكلة بالترقيات العليا من المرتبة الحادية عشرة إلى المرتبة الخامسة عشرة، التي أعتقد أنها من المعوقات الرئيسية التي تواجه مشكلة التنمية في المملكة فيما يخص آلية الترقيات العليا في مختلف قطاعات الدولة.

وكما هو معروف فإن السلم الوظيفي المعتمد لكل الوظائف الحكومية للموظفين داخل الهيئة يتكون من خمس عشرة مرتبة. ومنذ مدة طبقت وزارة الخدمة المدنية - وهي الجهة الرسمية المناط بها تنظيم الترقيات في العمل الحكومي - نظاماً للترقيات من المرتبة الأولى حتى المرتبة العاشرة، يعتمد على ترقية الموظف كل أربع سنوات للمرتبة التي تليها، مع المفاضلة بين الموظفين المراد ترقيتهم باحتساب نقاط للحاصلين على دورات أو على شهادات، ومن ثم فالموظف الحاصل على النقاط الأكثر يكون حظه في الترقية أكثر من الموظف الذي لا تتوافر لديه الدورات والشهادات المتوافرة لدى الموظف المرشح للترقية. ولقد لجأت وزارة الخدمة المدنية لهذا النظام لضمان المصداقية والشفافية في الترقيات، وإعطاء الجميع فرصاً متساوية للحصول على الترقية من منطلق الجدارة والكفاءة والتحصيل العلمي. ولقد كان من الأسباب التي جعلت وزارة الخدمة المدنية تطبق هذا النظام في الترقيات شكوى غالبية الموظفين من انعدام العدالة فيما يخص الترقيات؛ حيث كانت تتم بالترشيح لا بالمفاضلة.

ولكن المشكلة التي لم تتطرق إليها وزارة الخدمة المدنية هي ما يتعلق بالترقيات من المراتب العليا، وخصوصاً الحادية عشرة، الثانية عشرة والثالثة عشر، التي تتم الترقية إليها بترشيح المدير المباشر للموظف مع توافر الوظيفة في القطاع الذي يرأسه المدير. مشكلة الترشيح للترقية كما كان هو معمول به في الترقيات من الأولى للعاشرة، عوضاً عن المفاضلة عليها. وعليه تكون وزارة الخدمة المدنية قد وضعت حلاً لنصف المشكلة، وتركت النصف الآخر، وهو ما يتعلق بوضع نظام للترقيات العليا كما كان عليه دون تعديلات على الإطلاق، وهو الأكثر أهمية؛ حيث يكون الموظف وقتها بلغ حداً بعيداً، ونضج إدارياً، وأصبح جاهزاً لتقديم ما لديه من خبرات متراكمة لخدمة بلاده. المعضلة الخطيرة التي كانت من نتائج الوضع الحالي للترقيات العليا أن الكثير يتبوءونها حالياً وهم المحركون الفاعلون لكل وزارات ومؤسسات الدولة، وتمت ترقية الكثير منهم في الغالب بسبب علاقاتهم المميزة مع مديريهم المباشرين، أو لوجود من توسط لهم، أو لمحسوبيات، وأصبح النظر في الكفاءة والتأهيل ليس في قائمة الاهتمام؛ فالآلية التي تتم بها الترقيات على هذه المراتب هي كالآتي: بتوافر الوظيفة يقوم المدير بترشيح من يراه هو مناسباً لها، ثم يرفع ترشيحه لشؤون الموظفين، التي تعد محضر ترقية، وترفعه للوزير، الذي يوقع المحضر، ثم يرفع المحضر لوزارة الخدمة المدنية للتأشير عليه. ولعل المشكلة في هذا السيناريو المطبق حالياً تكمن في أربعة أخطاء، يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور رئيسية، هي: أولاً: ضعف الوازع الديني مع انتشار الواسطة والمحسوبية لدى بعض المديرين في القطاع الإداري. ثانياً: ضعف الرقابة؛ فبعد الترشيح للترقية من قبل المدير المباشر فإن الترشيح لا يخضع لأي نوع من أنواع التدقيق من قِبل شؤون الموظفين لمعرفة إذا كان هناك من هو أكثر استحقاقاً من الموظف الذي تم ترشيحه للترقية. ويكون دور شؤون الموظفين فقط دوراً إجرائياً ومتعلقاً بإعداد محضر الترقية للتوقيع عليه من قِبل الوزير المختص، الذي يوقع هو الآخر على محضر الترقية دون طرح أي تساؤلات عن شرعيتها من عدمه. ثالثاً: غياب دور وزارة الخدمة المدنية؛ فعندما يصل محضر الترقية إلى وزارة الخدمة المدنية يكون دورها فقط التأشير عليه، والتأكد من صحة شهادات وبيانات الموظف المرقى، وبذلك أصبح دورها كالأرشيف لا أكثر. والعجيب أن لديها بيانات عن كل موظفيالدولة، والكثير منهم يحمل شهادات عليا، ويتم تجاوزهم في الترقيات دون أدنى مساءلة من الوزارة للجهة التي تخصها الترقية.

وعليه فمشكلة الترقيات العليا مشكلة خطيرة للغاية، وآن الأوان لحلها حلاً جذرياً؛ كونها أفرزت شريحة من المديرين المتنفذين في قطاعات الدولة كافة، قد لا تتوافر فيهم الخبرة ولا المقدرة على إدارة الأعمال الموكلة إليهم. والشواهد على ذلك كثيرة، ولعل من أبرزها التعثرات المتكررة في الكثير من المشاريع الحكومية، وتدني مستوى الإدارة في المملكة لمستوى غير مسبوق، نسمع عنه ونراه من كثرة شكاوى المواطنين فيما يقدَّم لهم من خدمات، سواء كانت صحية أو اجتماعية، وغير ذلك من خدمات تتعلق بحياتهم اليومية. وحيث إن المشكلة تتعلق بعدد هائل من الموظفين في مختلف وزارات وقطاعات الدولة فإن حلها يقع على عاتق الجهة ذات الاختصاص بهذا الأمر، وهي وزارة الخدمة المدنية، ويمكن أن تتعاون بهذا الخصوص مع معهد الإدارة العامة لوضع آلية قابلة للتطبيق للترقيات للمراتب الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة، التي تُعتبر الرافد المحوري والأساسي لإدارة راشدة، تكون بالفعل قوة دفع للدولة في جهودها التنموية. ويمكن وضع معايير للمفاضلة بين المرشحين لهذه المراتب، ويمكن أن تشمل هذه المفاضلة المحاور الآتية:

السجل التعليمي والتدريبي للمرشح، امتحاناً تحريرياً للمرشح، مقابلة شخصية للمرشح، إجادة لغة ثانية (مع التركيز على اللغة الإنجليزية كونها الأكثر تداولاً)، المدة الزمنية التي شغلها المرشح في المرتبة التي تسبق المرتبة المرشح إليها، المدة الزمنية الكاملة التي قضاها على رأس العمل.

وتُعطى نقاط لكل محور من هذه المحاور، والمرشح الذي يحصل على أكثر النقاط يتم ترشيحه للوظيفة. وفي حالة تساوي النقاط بين مرشحَيْن أو أكثر يتم رفع الأمر للوزير أو المسؤول المختص ومرفق معه تقرير من المدير المباشر للموظف وتقرير آخر من ملف الموظف، يتم إعداده من قِبل إدارة شؤون الموظفين؛ ليقرر الوزير المختص أو المسؤول الأول من يراه مناسباً للترشح للوظيفة. وبهذه الآلية سيكون من الممكن اختيار الأفضل لتحسين الأداء الإداري لموظفي الدولة بعيداً عن المحسوبية والواسطة والأهواء الشخصية، التي عطلت عجلة التنمية في بلادنا، مع أن الدولة تقدم كل عام ميزانية ضخمة لها، ولكن بعض المنفذين لم يكن بمقدورهم تقديم إنجازات على أرض الواقع؛ لأنهم أصلاً غير مؤهلين لذلك؛ بسبب أنهم حصلوا على مناصبهم بطرق غير سليمة، ولن يكون بمقدورهم تقديم ما ينفع البلاد والعباد.

Alfal1@ hotmail.com
باحث اعلامي
 

الفجوة الإدارية.. وحتمية التغيير في آلية نظام الترقيات العليا
د. محمد بن يحيى الفال

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة