ارسل ملاحظاتك حول موقعناSunday 13/01/2013 Issue 14717 14717 الأحد 01 ربيع الأول 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

محليــات

كان ليلاً أحلك من الغراب في سواده. انفجر الرجل غاضباً كالقنبلة. انطلقت كلماته الحانقة كالسكاكين تمزق ما أمامها.

التشبيه جزء لا يتجزأ من الأدب، ليس العربي فقط، بل حتى في اللغات الأخرى، وهو من أحسن الطرق لوصف شيءٍ ما أو إيصال فكرة لأنه يُقارن شيئاً بشيء آخر يعرفه الشخص، فتظهر الصورة فوراً في عقله، وإذا أجاد الواصف استخدام الكلمات انتقل من مجرد إيصال فكرة إلى إمتاع وبهر القارئ، وكتاب الله يمتلئ بالتشبيهات البليغة، ومن ذلك قول الله: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]، فهنا شبَّه اليهود الذين لم يعملوا بالتوراة بالدابة التي نضرب بها المثل في البلاهة، ووَصَفَ القرآنُ هنا الحمارَ أنه يحمل الأسفار أي الكتب على ظهره، فهو يحمل شيئاً لكنه لا ينتفع به ولا يدرك معناه، وإنما هو سائر في دربه لا يكترث بما معه من ثروة عقدية وفكرية.. وتشبيهات القرآن كثيرة، لا سيما وأن الكثير منها يُشبّه الأشياء غير المحسوسة بالأشياء المحسوسة وهذا مما يحتاجه العقل البشري القاصر الذي لا يستطيع تخيُّل بعض أمور الغيب، مثل فكرة إحباط العمل الذي لا يرتكز على عقيدة سليمة، فقال الله: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} [إبراهيم: 18]، فإذا سمع المستمع أن الكافر لا يُدخله عمله الحسن الجنة يرى الآن تشبيهاً لما يحصل لهذه الأعمال، فيتخيّل شيئاً يستطيع إدراكه مثل كومة من الرماد تبدو ضخمة ولكن نسمة هواء تشتتها وتحيلها إلى لا شيء.. ومن التشبيه في الشعر قول النابغة الذبياني يمدح أحد الملوك:

فإنك شمس والملوك كواكب.. إذا طلعتْ لم يبد منهن كوكب التشبيهات وفيرة في الأدب، وهذا طبيعي، فليس الخبر كالمعاينة، ومن يغرس في عقل السامع أو القارئ معنىً يعرفه أصلاً فقد وفّر على نفسه جهداً في الوصف، والتجارب الحديثة أثبتت مدى فاعلية التشبيه حتى في التأثير على الرأي، ومن ذلك تجربة صنعتها جامعة ستانفورد الأمريكية عام 2011م وجدت قوة بالغة للتشبيه، فقسَّموا المتطوعين إلى فريقين وأعطوا كلاً منهما مقالة عن الجريمة في مدينتهم، فأما الفريق الأول فكان مقالهم يحوي عبارات مثل «إن الجريمة في مدينتنا كوحش هائج يفترس المدينة» و»المجرمون يختبئون خلف ظلمات الليل».

بعد قراءة المقالة أجمعَ ثلاثة أرباع هذا الفريق على اقتراحات قاسية لمكافحة الجريمة مثل بناء المزيد من السجون أو حتى الاستعانة بالجيش.. أما الفريق الثاني فمقالهم كانت تشبيهاته أخف وأقرب للموضوعية مثل «الجريمة فيروس أصاب مدينتنا» و»استشْرَت الجرائم»، والذي حصل أن نسبة الذين اقترحوا العقوبات القاسية أقل ولم تتجاوز النصف إلا بقليل، واقترحَ البقية حلولاً أكثر تعقلاً وأقل انفعالاً مثل نشر التعليم ومكافحة البطالة وإصلاح الاقتصاد. كررَ الباحثون التجربة وكانت النتائج نفسها، رغم أن المعلومات والإحصائيات في المقالين هي نفسها تماماً.

ما يُثير الانتباه هو أن المتطوعين لما أطلعهم الباحثون على النتائج، أفادوا أن المعلومات في المقالة هي التي حثّتهم على تلك الاقتراحات، ولم يصدقوا أن مجرد استخدام التشبيهات هو الذي أثَّر على آرائهم. إنها قوة التشبيه، قوية كالصخر!

الحديقة
وجهها كشمسٍ انبثقت من بين السحب
إبراهيم عبد الله العمار

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة