ارسل ملاحظاتك حول موقعناSunday 13/01/2013 Issue 14717 14717 الأحد 01 ربيع الأول 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

وَرّاق الجزيرة

الأسواق النجدية القديمة - رياض الخبراء نموذجاً
د. محمد الصالح العبدالله العريني

رجوع

تقع محافظة رياض الخبراء في منطقة القصيم على الضفة الشمالية لوادي الرمة وتبعد عن مدينة بريدة بحوالي 70كم غرباً، وتحيط بها المزارع من جميع الجهات، وشأنها شأن البلدان النجدية وحتى الإسلامية يكون مسجدها الجامع الكبير في وسط البلدة والمساكن تحيط به من جميع الجهات والسوق مجاور له، والجامع هو عبارة عن مسجد كبير ذو منارة عالية وملحق بجانبه «خلوة» نازلة عن مستوى الأرض بحوالي متر تستخدم للصلاة في أيام الشتاء نظراً لدفئها. وكما يحتوي المسجد على حسو «بئر» فيه قربة لحفظ وتبريد الماء أو زير، وفيه أيضاً حوض كبير من الحجر المحفور يملأ بالماء وفيه صنابير للوضوء، وبجانب المحراب من الخارج سور صغير وعشة لحضور النساء لسماع خطبة الجمعة. وكأنما ألوف حضور بعض النساء للصلاة في مؤخرة المسجد لأداء صلاة العشاء مع الجماعة خصوصاً في فصل الصيف. وتناوب على إمامة الجامع الكبير من أواسط الثمانينات إلى أواسط التسعينات من القرن الهجري المنصرم كل من الشيخين عبدالله البراهيم الحبيب وحمد الناصر المقبل وأما المؤذن فهو الشيخ إبراهيم الحمد السحيباني الذي تولى هذه المهمة حوالي ثلاث وأربعين عاماً رحمهم الله جميعاً وأسكنهم فسيح جناته. وقد هُدم الجامع الطيني بحدود 1389هـ وبُني مكانه مسجد من الأسمنت المسلح.

ويقع في جنوبي شرق الجامع سوق شبه مستطيل تحيط به الحوانيت ويسمى «المجلس» بفتح اللام، وكان فيه عدد من الحُبوس (مفردها حِبس - بكسر الحاء) وهو مصطبة من الطين بارتفاع حوالي 50سم وعمق 40سم وله مراكئ من طين على الجانبين يكفي لجلوس شخصين أو ثلاثة. وتسمى البلدة «الديرة» وهذا شائع في معظم البلدان النجدية ويصب في هذا السوق ستة شوارع صغيرة يتراوح عرضها ما بين خمسة إلى سبعة أمتار. وكان المجلس مكان لاجتماع الأهالي وكبار السن خصوصاً والذين كانوا يتذكرون مغازيهم ومشاركاتهم في توحيد المملكة أو رحلاتهم مع العقيلات إلى الشام والعراق ومصر والخليج وغيرها. وقد ذكر لي والدي (يرحمه الله) أنه كان يعقد في «المجلس» الاجتماعات الهامة بشأن أمور البلدة وكذلك تقام العرضات النجدية وذلك قبل استتباب الأمن في هذه البلاد الطاهرة على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله. وكذلك يقام فيه تأديب المخالفين بإشراف القاضي.

والمعروف أن البلدان النجدية ليس لها أيام معينة للتسويق وعرض البضائع إلا في يوم الجمعة فقط ففي هذا اليوم اجتماع لأكثر أهالي البلدة يحضرون من مسافات بعيدة على سياراتهم ودوابهم وحتى سياكلهم حيث تقف خارج البلدة ويدخلون للمسجد للصلاة عبر الأسواق المواصلة له. ومقالي هنا يصف حالة مجلس سوق مدينة رياض الخبراء خلال أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات الهجرية من القرن الماضي. والشائع في ذلك الوقت أن غالبية الحاضرون لصلاة الجمعة يرتدون مشالحهم في هذه المناسبة أما لبس العقال فلم يكن منتشراً كما هو في هذا الوقت. والملاحظ في ذلك الوقت أن كل الأعمال المهنية والزراعية يقوم بها أبناء البلد والأجانب لم يكن لهم وجود بتاتاً ما عدا عدد من المعلمين من الأخوة العرب.

وبعد الصلاة ينتشر الأهالي في المجلس ويتناقشون في أمور بلدتهم ويرحبون بالضيوف القادمين حديثاً من أهل البلدة وغيرهم ويستلمون رسائل من أهاليهم وكذلك يسلّمون المسافرين رسائل من عندهم لأقاربهم المقيمين في أنحاء الوطن الكبير.

وتكون الحوانيت مفتوحة من بقالات ولوازم زراعية وقطع غيار مكائن الماء وأنابيب غاز وخياطة ونجارين وجزارين وغيرهم حيث يتبضع المتسوقون منهم ما يكفي حاجتهم. والمتسوقون هم المزارعون من خارج البلدة ومن بعض القرى المجاورة وبعض البادية حيث تشهد حركة بيع وشراء كبيرة.

فيعرض في السوق كذلك المواشي من أغنام وجمال والحطب والفواكه والخضار والبضائع المنقولة من المدن المجاورة وكذلك «التركات» وهي ما يتركه الميت من أغراض وأدوات منزلية. وكذلك يعرض البادية ما لديهم من سمن أو أقط ونحوه.

كما أن السوق يشهد حراجا على بعض البضائع المنقولة والأغنام وغيرها فيقول المحرج مثلاً «حراج يا من يوم يسوم حراج وحده ثنتين ما عقب الحراج إلا البيع» أو يقول «ما بعنا بالكوم إلا اليوم». وإذا قدّر أحد قيمة البضاعة فيذكر هذا المحرج ويقول «تراه يسام كذا.. من يزود». إلى أن يقف المزاد ويتم البيع.

أما مثال الحراج على البساتين فيقول المحرج «ترى الصالحية تبي تصبّر «بتشديد الباء» اللي له نظر» وتصبّر أي تؤجر. فمن له رغبة في هذه المزرعة يهمس في أذن المحرج برغبته ليتفق بعدها مع المالك الأصلي.

ومن أشهر المحرجين في ذلك الوقت إبراهيم العبدالله العقيل وهو أشهرهم وكان رجل معروف بالفراسة ومعرفة الأثر ورواية للشعر والقصص. وعلي الحمد الشائع وعبدالله الصالح الفائز وعُرف عنهم جميعاً الشهامة والمروءة ومكارم الأخلاق رحمهم الله رحمة واسعة.

وبعد انقضاض السوق يتوجه غالب الأهالي والضيوف إلى مجالس مفتوحة للجميع تسمى «قهوة» ومجموعها قهاوي يقيمها بعض ساكني البلدة (الديرة) ويرحبون بالجميع. ويعمل صاحب البيت بنفسه لهم القهوة والشاي وأحياناً يقدم لهم الغداء احتفاء بضيوفه كل يوم جمعة. وفي جلستهم يتناقلون أخبار بلدتهم والجديد فيها وأخبار الناس والمزارع والطقس وكذلك يتذكرون قصص آبائهم وأجدادهم والأشعار وغيرها. هذه لمحة موجزة عما كانت عليه مدينة رياض الخبراء في ذلك الوقت شأنها شأن بقية البلدان قبل أربعين عاماً. أما الآن فلله الحمد والمنّة انقلبت الأحوال إلى المدنية والتطور والتقدم العلمي والحضاري في جميع مناحي الحياة. بفضل من الله ثم من قيادة حكيمة تسعى إلى نقل مملكتنا الحبيبة إلى مصاف الدول المتقدمة.

وفي الختام من المؤكد أن حياتنا وعاداتنا وتقاليدنا وموروثنا الشعبي هو امتداد الأجداد ينقله الأبناء للأحفاد بكل ما فيه ومع تدارك الزمان تختفي بعض العادات والتقاليد ويظهر بديلاً لها أو غيرها وخصوصاً مع التطور الثقافي والتقني والتواصل مع الأمم الأخرى، وهنا يجب على كل مقتدر ومؤهل من أبناء الوطن الغالي تسجيل وكتابة ما في ذاكرته عن ماضي الآباء والأجداد ليكون تاريخاً وأرشيفاً يحتفظ به للعلم والفائدة والعبرة.

وبالله التوفيق.

Mo.aloraini@gmail.com

رجوع

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة