ارسل ملاحظاتك حول موقعناWednesday 16/01/2013 Issue 14720 14720 الاربعاء 04 ربيع الأول 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

من المعلوم: أن الأزمنة في سياقاتها ثلاثة، وهي ثابتة، إلا أن ثبوتيتها هذه لا تحول دون مرونتها، وإمكانية تحريكها في كل الاتجاهات، وسريان صلاحيتها دائم لا ينتهي، وفي جميع الأحوال تستعمل، وتنوع إيقاعاتها يغني النواحي الفكرية، حتى الاختلاف بدائرية التاريخ من عدمها المثارة من عدة مناح لا تصد استدعاء السياقات الزمنية: ماضياً، وحاضراً ومستقبلاً إذا روعيت بالرؤى التنويرية

المفعلة للمتغيرات التي يفرزها: كل زمن بحيث تتعدى كل عدد السنين، والشهور والأسابيع والأيام، وما يتصل بها من المواسم والفصول برغم ضرورة ضبط سيرورتها في سياقاتها الثلاثة، تتعداها إلى طلب تأثيراتها بنظرة ثلاثية بها يتحقق تلاحمها، فتتماسك بالتتابع والتواصل، والتفاعل والتوالد، فتتكشف بذلك مختلف الحمايات المقاومة لكل خلل وانفصام، والمجهضة للفوضى والإرباكات، تماماً على خلاف النظرة الأحدية المتحمة بها الأهواء المفرقة بينها، وبذلك تبطل مفاعيلها، فيعتريها بهذه النظرة العوار، وبحدوثه يغيب الوعي النوعي بطبيعة المتغيرات.

إن من أخطر مصادر العوار: استعادة الماضوية في عصبيتهن متضادتين توجهاً، ولكنهما متوافقتان بالتشدد والادعاء، والغريب: أن البعد الزمني بين ما كان وما هو كائن اليوم بالتأثر القشري بالآخر المتقدم، خاصة أن الانبهار به يجذب المنبهر نحوه بقوة تفقده الوعي، فينحر ذاته باعتقاد فاسد أعدم تمييزه، فيظن بعدما يغسل دماغه بأنه يعززها.

استعادة ما مضى بتعصب وعصبية، والجاري بتأثر خاضع، إضافة إلى تشخيص العام إن بأفراد أو جماعات ترى بالوعي: كسراً لاحتكارها امتيازات ومكانتها، وإن هذه قضية ما زالت محل خلاف باعتبار أن في كل أمة مقامات قدمتها، كفاءاتها وخدماتها، وتضحياتها وتاريخها، وإن لا يحق لأحد إنكار المصلحة الخاصة، فلا يجب تغليبها على المصلحة العامة لكي لا يشيع الفساد، وحتى مع استبعاد الشخصنة، فالاستعادة بتعصب وعصبية، وتأثر ذليل، خنق للتنوير، وتعطيل لإيجابية مختلف الفعاليات.

الحراك أي حراك مطالب بالتغيير إلى حياة أفضل يبدو أنه إذا لم تتكامل فيه عناصر، السلمية بالبعد عن العنف، إن لم يضطر إليه، والمحافظة على المؤسسات، والممتلكات العامة والخاصة، والحرص على تطمين الناس والمصالح، وعدم تعطيل الأعمال والحركة، والعنصر الأهم في كل حراك، أو انتفاضة أو ثورة: الاتكاء على قاعدة فكرية يعتمدها، أو تعتمدها: مرجعية شريطة خلو هذا الفكر من الأدلجة والعنصرية، والفئوية والطبقية، وتجنبه الدعوات الأثنية والمناطقية، والعصبيات القبلية، والطائفية والمذهبية، ويركز على ماهيات جامعة كالمواطنة والقومية، والتآلف والتضامن، والمشاعر الإنسانية والقيم والمسلكيات الأخلاقية، والنبل بالتعامل، وحب المساعدة وما يجب وما لا يجب.

ويُعمق مفاهيم الحرية والوعي، ومعاني الحقوق والواجبات، والنهوض والضمور، والقوة والضعف، وتولد من هذه المرجعية: قيادات راشدة تتميز بالأفق الارتيادي للحدثية بنظرة راصدة للواقع، وعقلية تشرع لها ما تبصر منه الخيار الأقدر على الانطلاقة المستجيبة لأصعب التحديات في خطوات مدروسة جيداً، تتخذها للوصول إلى نسبة باتخاذها: تلامس التمامية، لأن المطلق: مستحيل بالحياة.

وإذا ما استدعينا: المقاربات الخلدونية عن نشوء الأمم، وتشكيل الدول نجد: أنه يبصرها في (العصبية) الغالبة في تجمع من جملة تجمعات أقرب ما تكون إلى البدائية، إن لم تكن كذلك. ومن المعروف: أن هذه التجمعات أفرغها: بعدها الزمني، وغياب المؤثرات الإيجابية، والعزلة المكانية، والبيئة غير المناسبة، أفرغتها من الوعي، فقعدت قيمها، وقضت على قدراتها الإنتاجية، وزاد الطي بلة، العزلة المكانية، وشح البيئة مما قد يضطرها لحماية نفسها، وتأمين أقواتها إلى اللجوء إلى ما عُرف، ربما بجميع اللغات بزمن لا يبدو أنه معلوم بالعصبية التي تدل أيضاً بجميع أنحاء العالم بأنها سلوك اجتماعي مذموم، إلا أن هذه التجمعات قابليتها للتعبير قد تكون نوعية لفطرية فكرها.

إن التعريف الأكثر شيوعاً للعصبية هو (أنها تنظيم اجتماعي أساسه: الرابطة العاطفية والنفسية، والشعورية واللاشعورية، والاعتداد بالنسب، والتعصب فيه بالحق والباطل، وينصرف المعنى كذلك إلى التنابذ والنزاع، وتفاني الفرد بالجماعة، لنجد برغم تداخل مصالحها، وتوحدها في البيئة، والنسب الذي يضيقه النزاع على الزعامات، والقيم والعادات لنجد، أن الصراع بين التجمعات المختلفة لا يتوقف عند المياه والمراعي بديمومة تصاعده بسبب توسع مجالاته، حيث يمتد إلى المواضع، والغزوات والإغارات المتبادلة، والمفاخر والثارات، ولكنها بنظر شيخنا ابن خلدون: سريعاً ما تكون وحدتها مثالية بفعل الشحنة الإيمانية، أو بتفوق تجمع من بينها بالعدة، والعتاد والإقدام، فيسعى للسيطرة عليها؛ وذلك بالتخطيط أولاً لتكريس أضعاف هذه التجمعات بتغذية خلافاتها، ومن ثم الحيلولة بينها وبين موارد المياه والمراعي، والسطو على المواشي من حين لآخر، وأخيراً مواصلة شن الهجمات إلى أن تعلن استسلامها فيحكم التجمع الغالب قبضته عليها.

وقد يكون من المفيد: الإشارة إلى أن العصبية (الباء والياء بعد الصاد، وقبل الهاء) شدة ضعفها، وإن يسقطها بخانة تعريف مختلف عن تعريف: العصبية المشار إليه, والتعريف المختلف للعصبة (الباء فقط بعد الصاد، وقبل الهاء)، والعصبة تعني (ذرية الرجل، والأقارب الذين يلازمونه)، والفرق لفظي بهذا التعريف، وتأثيري لقزميتها بانعدامية تأثيرها، بيد أن ذلك لا يخرجها من مجموعة العصبيات، ولا يبدو أن ذرية الرجل مهما بلغ عددها لا يمكن أن يشكلوا عصبية إلا إذا التحق بهم أعوان ومؤيدون، ومناصرون وأتباع.

وللتوضيح نقول: إنه قد يفهم مما رآه ابن خلدون بشأن ما سماه: العصبية الغالبة بأنه يشيد في العصبيات، بينما العكس هو الصحيح، لأن تعدد العصبيات الموزعة بالتساوي، أو التقارب بين تجمعات برغم النسب، والتاريخ والجغرافيا، والقيم والمصالح: متعادية، ووعيها مفقود، وبالتالي إذا لم تجتمع على قوة عصبية أحدها، فتوافقها منعدم، ومعنى ذلك: صراعات لا تتوقف إلا بفنائها كلها ما لم يوحدها قسراً التجمع الأقوى بعصبيته مما قد يرهص لنشوء أمة بتكاملها، تتأسس لها دولة تصنعها أمة لا عصبية تجمع ستتلاشى - حتماً - باكتمالها أمة بدولة على مساحة معلومة جغرافيا، ومصادر دخل إذا أحسن استثمارها، وتبنت هذه الدولة مشروعاً حضارياً تتجاوز به شتى أنواع العصبيات وتتعزز به من كل النواحي.

وبعيداً عن إسهابه ضمن حديثة عن العمران البشري (علم الاجتماع المنسوب ظلماً للفرنسي دور كايم) بتوسع الدول جغرافياً مما قد يشتت قواها، وبالتالي إضعاف قدراتها، ويتخمها غناها الذي قد يتسبب باستسلام مجتمعاتها للترف، وهما: عاملان أساسيان لترهل الدول الكبرى الشبيهة بالإمبراطوريات الوثنية، والاستعمارية الحديثة التي تحتل أراضي الغير، وتنهب خيراتها، وتغرق مواطنيها بالترف الذي إن لم يزلها، فعلى الأقل يضعفها، فتنكمش إلى الداخل منعدمة الخيارات إلا بأوامر.

وأخيراً: نخلص مما تقدم أن التطور المتكامل لكل مجتمع في كل مكان وزمان، والذي لا يقف عند حفظه وتماسكه، ووعيه ونهوضه، بل يضمن تزايد تناميه، وترابط شرائحه، وغنى وتنوع معطياته، ومختلف الحصانات المؤمنة لهذا التزايد، والصادة لجميع المخاطر والاختراقات، لكن كل هذا بحسبما توصل إليه المفكرون والباحثون وعلماء الأنثربوجي والاجتماع بقراءة متخصصة، وخبرة وتجريب لأوضاع المجتمع، وقياس مستوى الوعي لا بد أن يسبقه، مسح عام كل خمسين عاماً، ومسح ثقافي منهجي وحر كل عشرين عاما، ومراجعة من حين لآخر لضمان أعلى نسبة للإيجابيات.

السياقات الزمنية .. التغيير والتعميد
عبدالله بن محمد الشهيل

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة