ارسل ملاحظاتك حول موقعناMonday 28/01/2013 Issue 14732 14732 الأثنين 16 ربيع الأول 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

في مساء هذا اليوم تُعلَن -بمشيئة الله- نتائج اجتماعات لجان الاختيار لجائزة الملك فيصل العالمية في فروعها الخمسة: خدمة الإسلام، والدراسات الإسلامية، واللغة العربية والأدب، والطب، والعلوم.

والجائزة بذلك تكون أكملت ثلث قرن من تقديرها لمن هم يَستحُّـقونها من الرُّواد في بحوثهم الرائدة وأعمالهم الخيِّرة النافعة للبشرية.

لقد كان من توفيق الله -سبحانه- لأولاد الملك فيصل بن عبدالعزيز، رحمه الله، أن بادروا بإنشاء مؤسسة خيرية تحمل اسمه؛ تخليداً لذكرى والدهم الراحل، وإسهاماً في العمل البَنَّاء. ولم تكن تلك المبادرة غريبة على من هم:

أَحفاد من أَبْلَى ووَحَّد واْبتنَى

مَجْداً صَداه يَرِنُّ في كَبِد السَّمَا

عبد العزيز من استظلَّ بِظلِّه

آتٍ هفا نحو العتيق وأَحرَما

وبَنو الذي حَذَق السياسةَ حنكةً

وبِفنِّها كان الخَبيرَ المُلهَمَا

لم تَثنه الأَحداث عن تَصميمِه

يَوماً ولم يَألفْ عَسَى أو رُبَّما

وقد آلت المؤسسة على نفسها أن تكون خَيريَّةً ذاتَ منظور عالمي. ولهذا كان تقدير العاملين لخدمة الإسلام؛ فكراً أو دعوةً أو عملاً، ومكافأة الرُّواد في البحث المُسهم في تَقدُّم البشرية، في مُقدَّمة أولوياتها.

كان إنشاء تلك المؤسسة عام 1396هـ-1976م. وفي العام الذي تلاه قَرَّر مجلس أمنائها إنشاء جائزة باسم جائزة الملك فيصل العالمية؛ ورئيس هيئتها صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز، الذي قـال في تلـك المناسـبة: “إن عظمة الأُمم لا تُقاس بما تملكه من وسائل الحضارة المادية، وإنما تُقاس بمواقفها الإنسانية من أعمال الخير والبِر. وإن مجد الأَفراد تصنعه أَعمالهم العظيمة الهادفة إلى خدمة عقيدتهم وخير أُمَّتهم وبلادهم والإنسانية كُلِّها”.

وبعد ما تَقرَّر إنشاء الجائزة وُضِع لها نظامها الخاص بها على أن يكون منحها سنويًّا. وقد بدأت بثلاثة فروع هي: خدمة الإسلام، والدراسات الإسلامية، والأدب العربي، ثم أُضيفَ إليها فرع في مجال الطب، ثم فرع في مجال العـلوم. وقـد ابتدأ منحها عام 1399هـ-1979م في تلك الفروع الثلاثة الأولى. وكان الفائز بجائزة خدمة الإسلام، أبو الأعلى المودودي، الذي كان من بين كتبه كتاب مبادئ الإسلام، الذي تُرجِم إلى ثلاثين لغة. أما الفائز بالدراسات الإسلامية فكان البروفيسور فؤادْ سزكين، مُؤلِّف كتاب تاريخ التراث العربي الإسلامي المُكوَّن من 12 جزءاً باللغة الألمانية، وقد ترجمت جامعة الملك سعود الجانب العلمي منه وأصدرته في ستة مُجلَّدات، وترجمت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية منه ما يتناول الموضوعات الإسلامية والأدب العربي، وأصدرته في عشرة مُجلَّدات. وأما جائزة الأدب ففاز بها عَلَمان من أَعلام الباحثين والنُّقاد العرب وهما: إحسان عباس وعبدالقادر القط، رحمهما الله.

ولقد فاز بجائزة الملك فيصل العالمية بفروعها، التي أصبحت خمسة، حتى الآن 223 فائز، أو فائزة، من أربعين دولة في العالم: في خدمة الإسلام 40 من عشرين دولة؛ وضمن هذا العدد خمس مؤسسات خيرية أو دَعَوِيَّة، وفي الدراسات الإسلامية 33 من أربع عشرة دولة، وفي اللغة العربية والأدب 44 من ثلاث عشرة دولة، وفي الطب 59 من إحدى عشرة دولة، وفي العلوم 47 من إحدى عشرة دولة.

وبين من فازوا بجائزة الملك فيصل العالمية في الطب والعلوم 16 فائزاً أو فائزة، نالوا جائزة نوبل على العمل نفسه الذي فازوا به بجائزة الملك فيصل العالمية. وهذه الريادة تَمَّت بتوفيق من الله، ثم بفضل جهات الترشيح والمُحكَّمين ولجان الاختيار التي لها الكلمة الفصل في منح الجائزة أو حجبها؛ إضافة إلى تعاون الجامعات السعودية بطبيعة الحال.

ولكلِّ فائز، أو فائزة، بالجائزة ريادة خاصة في إنجاز الكثير مما ينفع الناس ويمكث في الأرض؛ مُثرياً المعرفة الإنسانية العامة ومُسهماً بإسعاد البشرية. غير أن حَيِّز المقالة لا يسمح للتَّحدُّث عن ذلك.

ولَعلَّ مما هو جدير بالذكر، هنا، أن من بين من فازوا بالجائزة تسع نساء. ولَعلَّ نسبتهن إلى الفائزين هي أعلى نسبة في أَيِّ جائزة عالمية مثل نوبل. والفائزات التسع: أربع عربيات في الأدب العربي، وأربع في الطب؛ اثنتان أمريكيتان، وواحدة فرنسية الجنسية من أصل عربي؛ وهي فرانسوا باري سنوسي، وواحدة كندية.

أما الدراسات الإسلامية فمن الطريف أنه قد فازت بها مسيحية بريطانية هي البروفيسورة كارول هيلينبرانـد؛ وذلك عندما كان موضوع الجائزة حول دفاع المسلمين عن ديارهم ضد غزوات الفرنجَة؛ وبخاصة في فلسطين، وما سُمِّي بصورة أوسع الحروب الصليبية. وكانت تلك الفائزة البريطانية قد ألقت كلمتها بمناسبة تَسلُّمها للجائزة باللغة العربية. وعندما دُعِيت للمشاركة باحتفال الجائزة بمرور ثلاثين سنة على ابتداء منحها اختيرت أن تكون هي المُتكلِّمة باسم من نالوا الجائزة سابقاً، فألقت كلمتها، أيضاً، باللغة العربية. وكون اللغة العربية مُقدَّرة من قِبَل علماء وعالمات في الغرب يقابله -مع الأسف الشديد- موقف ذو نظرة دونية إلى هذه اللغة من قِبَل أفراد تتزايد أعدادهم يوماً بعد آخر مع أنهم من شبه الجزيرة العربية مهد العربية ومهبط القـرآن الكريم، الذي أنزل بلسان عربي مبين.

ومن المصادفـات أن تلك البروفيسورة العظيمة تَولَّت رئاسة قسم الدراسات الإسلامية في جامعة أدنبرا؛ وهو القسم الذي تَخرَّج منه كاتب هذه المقالة، وإن كانت قد جاءت إلى ذلك القسم بعد تَخرُّجه منه بِعدَّة سنوات. لذلك طاب له أن يُقدِّمها عند تَسلُّمها للجائزة بقصيدة عنوانها: “ صدى هاتف” مُكوَّنة من 21 بيتاً مُستهلُّها:

هَاتفٌ من جَنَبات أَدنبَرا

تَلَّني رَجْعُ صَدَاه للوَرَا

سَنواتٍ عِشتُها فيها مَضَت

وتَوارت مِثلَ أَطيافِ الكَرَى

وذُرا كانت لِعيني مَسْرحاً

أَين من عَينيَ هَاتيك الذُّرا؟

أَين عُمْرٌ كُنتُ في رَيعانِه

بات -بعد العَدْو- يَمشي القَهْقَرى؟

وبعد الحديث عن المشرف عليه في دراسته؛ وهو البروفيسور مونتجمري وات، وما كتبه عن السيرة النبوية جاء الحديث عن البروفيسورة الفائزة بالجائزة وعملها:

و”هيلينبراند” مُستشرقةٌ

شَهدتْ أَنملُها فيما جَرَى

بَحثُها ازدان فَأَوفَى أَحرفاً

و تَسامَى في رُؤاه أَسطرا

عن جَلالِ القُدسِ.. عن تَاريخِها

مُستطاباً فَاحَ مِسكاً أَذفرا

عن صَناديدَ فَدوها كي يُرَى

تُربُها الزَّاكي الأَعزَّ الأَطهرا

قالت الصِّدقَ ولم تَحفـلْ بمن

بَاع في سُوقِ التَّجنِّي واشتَرى

وأَنا المُوحِي بما خَطَّت يَدِي

هَاتفٌ من جَنَبَات أَدنبرا

ومن الفائزات بالجائزة في مجال الطب، عام 1420هـ-2000م العالمة الأمريكية سنثيا كينون. وكان موضوع الجائزة في ذلك العام عن “الشيخوخة”. وفي تقديم الفائزين بالجائزة كان قد فاز بجائزة الأدب العربي كلٌ من البروفيسور عبدالله الطيِّب والبروفيسور عز الدين إسماعيل، رحمهما الله. ورُئي -اختصاراً للوقت- تقديمهما معاً، ثم دعوة كَلٍّ منهما على حِدَّة لإلقاء كلمته. فلما انتهى الطيِّب من إلقاء كلمته نسيت، ودعوت الفائزة بالطب بدلاً من البروفيسور إسماعيل. واكتشفت الخطأ بعد فوات الأوان. ولما انتهت من إلقاء كلمتها أردت أن أشير إلى نسياني دعوة إسماعيل، فقلت: آسف أن نسيت دعوته لإلقاء كلمته. وما ذلك إلا لأن الشيخوخة أنستني. وكان البروفيسور إسماعيل من العظمة بحيث لم يؤاخذ ضَحيَّة الشيخوخة. وفي نزهة أقيمت في الصحراء للفائزين والفائزة بالجائزة رَكبتْ بعيراً، فانفلت الرَّسَن من يد من كان يقوده، فَأسرع في خُطَاه، وسقطت منه على الأرض. فكتبت عن تلك الحادثة الأبيات الآتية، وتُرجِمت لها: وهي:

سَلمتِ مَليكةَ الطِّب الحبيبة

وجَنِّب شَخصكِ الغالي المُصيبه

فَأنتِ بخدمة الإنسان رَمزُ

يُشارُ إليه في الدنيا الرَّحيبة

وأنت بعلمكِ السامي انتصار

تُحقِّقه مُؤهَّلةٌ لَبيبه

بَعثتِ سنا الرجاءِ لكلِّ شَيخٍ

بأن يَلقى بما يَهوَى مَشيبه

فلا عَجبٌ إذا مالت قُلوبٌ

إليك فَأنتِ مَالكةٌ حَبيبه

وإلى اللقاء في مقالة أخرى إن شاء الله.

جائزة الملك فيصل العالمية وثلث قرن من التقدير
د.عبد الله الصالح العثيمين

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة