ارسل ملاحظاتك حول موقعناWednesday 30/01/2013 Issue 14734 14734 الاربعاء 18 ربيع الأول 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

محليــات

عادة تحتفظ المدن العالمية الكبرى ذات التاريخ العريق بما تفتخر به من بقايا تاريخ وأمجاد قديمة، ومبان عمرانية رائعة تمنح قارئ هندستها وطرازاتها ورسومها وشرفاتها ودهاليزها وحجارتها المتناسقة أو رخامها الأصيل معاني وصورا لعظمة تاريخ تولى وانحسر وبقيت العمارة الفنية الخالدة الشاخصة الشاهدة عليه؛ ويستطيع أي سائح أن يقرأ هذه المعاني وتتجلى له دلالات حضارية عميقة حين يقف على معالم زاهية تتوزع وتنقسم على حضارات قديمة سادت ثم بادت في قرطبة - مثلا - أو غرناطة أو أشبيلية أو طليطلة أو ملقا أو مدريد أو برشلونة وغيرها من مدن إسبانيا، أو في باريس أو بروكسل أو أمستردام أو لندن أو فينا أو ميونيخ أو بون أو بيرن أو لوسيرن أو روما أو ميلانو وغيرها من مدن أوربا.

لكنك حين تريد أن تتفقد شيئا من تاريخنا القريب لا البعيد في مدينة الرياض القديمة - مثلا - فإنك لن تجد إلا بقايا أبنية طينية ذرت أسنمتها الرياح والأمطار فتآكلت وهرمت وتداعت ولم يبق منها إلا أطلال بالية لا تسر الناظرين، ولا تمنح زائرها أو من يعشق استنطاق التاريخ معاني جمالية أو إشارات تاريخية عميقة؛ بل إنها توحي إلى من يتجول فيها بشيء غير قليل من الإهمال، وبأن وسط المدينة القديم الذي تخلى عنه ساكنوه من العوائل الكبيرة والأسر المحترمة من طبقة التجار أو العلماء أو الوجهاء وانتقلوا إلى الأحياء الجديدة في شمال وغرب الرياض وسكنوا فللا عصرية فخمة واسعة؛ هذا الوسط القديم الذي كان مصدر الحركة السياسية والعلمية والتجارية للرياض القديمة أصبح مرتعا وملجأ للعمال والمشردين والفقراء الذين لا يجدون مأوى لهم!

غدا هذا الوسط القديم ذو النكهة التاريخية النجدية لا يحمل نكهته ولا يمنح دلالاته؛ بل يمنح معاني أخرى قد تكون غير سارة ولا مريحة ولا مبهجة، وفي وسعنا أن نتجول في دخنة أو سلام أو جبرة أو الديرة أو الشميسي القديم أو الظهيرة أو السويلم أو السبالة أو منفوحة أو الحلة أو معكال أو الطويلعة أو الفوطة أو الخزان وغيرها إلى أن تغبر أقدامنا وتضيق بنا تلك الأزقة؛ بحيث تقف السيارة ولا تجد لها سبيلا مفتوحا لضيق تلك الشوارع القديمة، أو ربما تعبر لكن بحذر ومشقة وبمحاولة متأنية لتجنب الاحتكاك بالجدران الطينية المتقاربة المتصدعة، إننا في تجوالنا لن نجد شيئا له قيمة فنية أو جمالية أو تاريخية؛ ولذلك كان من الحكمة المبكرة التي تشكر عليها الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض وهيئة السياحة إعادة ترميم قصور المربع التابعة لمركز الملك عبد العزيز، وإعادة ترميم وتأهيل الدرعية القديمة للحفاظ على مبانيها التاريخية من الزوال؛ لأن مبانيها الطينية لن تقاوم طويلا عصف الرياح أو الأمطار، ولأن المربع بما بقي من قصوره والدرعية القديمة وهي عاصمة الدولة السعودية الأولى موضع فخار واعتزاز لنا، ولابد لأجيالنا أن تطلع على هذه الآثار والمعالم لتقرأ التاريخ حيا ناطقا من خلال شخوص أبنيته ومعالمه المادية.

ولن أعتب على أجدادنا لاعتمادهم هذا النمط من البناء الطيني، وعدم استخدامهم في العمارة ما يصمد ويبقى للزمن كالحجر والرخام مثلا؛ وذلك لشح الموارد ولطبيعة البيئة وقسوة المناخ وتوفر أدوات المنزل النجدي بيسر كالأخشاب والسعف والطين ولا غير ذلك! ولوجود قطيعة حضارية عزلت الجزيرة العربية؛ وبخاصة وسطها عن الآثار الحضارية العالمية، وحجبت عنها التأثر والإفادة من المنجز المعماري والجمالي الثري لدى الأمم الأخرى على اختلاف ثقافاتها وأديانها.

لكنني لا أرى فائدة أو جدوى من بقاء الأبنية الطينية المتهدمة المتهالكة المقبلة على السقوط في أحياء الرياض القديمة التي أشرت إلى بعضها آنفا، والتي أصبحت ملجأ لطبقة من الفقراء والمعوزين، أو مخبأ مشبوها للعمالة، ومركزا لممارسات شائنة كإلجاء الهاربين وتوزيع الخمور والمخدرات!

في سنوات سابقة كنت أعددت برنامجا إذاعيا عن المخدرات؛ فتجولت في الأحياء التي قيل لي إن عمالة من جنسية معينة تبيعها بطريقة رمزية في حي من أحياء الرياض القديمة جدا، ودلني الخبير على أن أوقف سيارتي بالقرب من الرصيف وأفتح غطاء المحرك وكأنها متعطلة وتحتاج إلى إصلاح، وسيأتي إلي من يأتي من هذه العمالة من جنسية معينة، ثم يسألني: تريد «جرس»؟ فإذا سألته مستفهما ما هو جرس؟ اعتذر وقال لا لم أقصد شيئا، وإذا قلت: نعم، أخرج بضاعته المسمومة في الشارع وكأنه يبيع فستقا!

هذه هي الرياض القديمة التي يجب ألا يبقى منها شيء!

moh.alowain@gmail.com
mALowein@

كلمات
الرياض القديمة التي يجب ألا يبقى منها شيء!
د. محمد عبدالله العوين

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة