ارسل ملاحظاتك حول موقعناSaturday 02/02/2013 Issue 14737 14737 السبت 21 ربيع الأول 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

* لم يحوه تخصصٌ ضيق فبدا موسوعةً مرجعيةً نادرةً تلذُّ لمن تستهويه القراءةُ عودةٌ إليه وتأملٌ فيه؛ فقد استغرق خمسة عقودٍ تأليفًا لتظلَّ (قصة الحضارة) المنهل التوثيقيَّ الأهمَّ في الدراساتِ التأريخيةِ والاجتماعية والسياسية والعلمية الكونية، واستطاع (ول ديورانت) أن يبقى الفيلسوف والمؤرخ الأبرز الذي درس أكثر من تسعة عشر قرنًا بشموليةٍ تعتمد وَحدةَ الحياة بما فيها من متشابكاتٍ عبر المنهج التركيبي التراكمي كما المنهج الإفرادي التحليلي.

* مع مثل هذا الكتاب لا نعتمد القراءةَ الاستقصائيةَ بل الاسترشادية؛ فأكثر من أربعين جزءًا يصعب العبور بها كاملةً إلا لمن وهبه الله الوقت والصبر والتمكن والرغبة ليبقى موئلاً حين يطرأ سؤالٌ أو يستجدَّ مبحثٌ أو يولد اشتياق، وهو ما أحسَّ به صاحبكم فانقطع لقراءة الفصول المتصلة بالإصلاح الديني وعصر العقل الأوربي (ج27-28)؛ ما أوقفه على حقائق ووثائق حريةٍ بالدرس إذ قرنُهم “السادسَ عشرَ” مشابهٌ لبعض ملامح قرننا الواحد والعشرين التأصيليةِ والتفصيلية.

* المقام لا يتسع للحديث عن الكتاب أو الكاتب (1885-1981م) لكنها إيماءةُ تقديمٍ لعبارةٍ عُزيت إليه شبَّه فيها الحضارة بالنهر الجاري ذي الضفتين؛ حيث تمتلئُ مياهه بمشاهد القتل والسحل، والحروب والخطوب، والدماء والبكاء، في وقتٍ يباتُ على ضفتيه من يبني مسكنه ويربي أولاده ويهمس بالجمال ويلتمس الكمال فلا يُعنى بهم المؤرخون ملتفتين إلى الأشلاء والأدواء؛ يتجاهلون الضفاف -كما قال- ويتعلقون بالنهر.

* كذا فحوى عبارته لا منطوق تعبيره؛ وأبرز ما فيها الصورة التكوينيةُ لنهرٍ جارٍ ترمقه العيون وترقبه الأفئدة وتسير به وله الأقلام والأفهام إذ هو المتن والضفافُ هوامش بالرغم من وجود البناء الإنساني الحقيقي فوقها، وهي ممارسةٌ يتداعى إليها المؤرخون والإعلاميون؛ فتخلد حوادثُ محدودةٌ وشخوصٌ معدودة ويُجهل ما سواها ويُتجاهلُ من عداهم.

* الحضارة لا يبنيها السياسيُّ ولا الوجيهُ ولا المتنفذ ولكنهم يسطرون مسارها، ويسيطرون على اتجاهها، في حين يبقى العالِم والعامل “المتواريان” أساس الفعل الحقيقي المختبئ؛ فيهدر النهرُ بالصخب ليطلَّ عليه الناس، ويسكن الضفةَ الهدوء فلا تُرى، ويخبو إنجازٌ متدثر ليعلوَ ضجيجٌ مؤثر.

* استعاد بعض ذاكرته ووعى منها مُعلمًا لوّن الأفق، ومِهنيًا مهد الطرق، ومثقفًا أيقظ الغسق، وظلال نخلة وأثلة، ومتكأ خيمةٍ وغيمة، وضياء بسمةٍ ونسمة، وحُنُوَّ والدٍ وبرَّ ولد، ورِقة قصيدةٍ وأخيلةَ رواية، ومكتبةً عمرت ومواهب ابتكرت، وساجدًا لم يحنِ قامته وقائمًا انحنى لفقير وصغيرٍ وذي حاجة، وآمرًا بالمعروف بلطف، ومسؤولا لا يعرف العنف، ونقيًا لم يلَغْ في عرض، وتقيًا التزم بالفرض، ومصلحًا لم تقدْ رأيَه مسايرةٌ أو متاجرة.

* هؤلاءِ صنعوا الأمس، وتابعوهم يصنعون اليوم ومن يجيء تاليًا سيصنع الغد لكنهم لا يُعرفون ولا يُذكرون، ولا يُهمهم أن يعرفوا أو يذكروا؛ فحياتهم تحت الأنواء لا الأضواء وفي الغبراء لا السماء، وهم محركو التأريخ الحقيقيون.

* من يألفهم يجد فيهم أُنسَه ورواءَه مخلفًا وراءه نجمًا يَهوي وآخر يُغوي وغيرهما مما يُشع فيتبعه الظامئُ ظنًا أنه ماء وهو سرابٌ في يباب.

* يُصمُّنا الصخب ويغرينا النَّشب ونفتقدُ في الصفوف الخلفية مَن حقُّهم الصدارة وتأهيلُهم الجدارة.

* الضفةُ مِدادٌ وإمداد.

ibrturkia@gmail.com
t :@abohtoon

الشاطئُ المهجور
د. ابراهيم بن عبدالرحمن التركي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة