Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناFriday 15/02/2013 Issue 14750 14750 الجمعة 05 ربيع الثاني 1434 العدد

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الأخيــرة

حضرت هيئة مكافحة الفساد - ممثلة في رئيسها ونائبه - سبتية المربي الفاضل معالي الدكتور محمد الرشيد، لتستمع إلى مقترحات النخبة الفكرية التي تحضر عادة مجلس الرشيد العام كل يوم سبت بعد المغرب. وقد رأيت أن أسجل انطباعاتي الخاصة عن ذلك اللقاء. لذا فما أطرحه هنا يمثل رأيي الخاص، خاصة أنني غادرت مبكراً بعد أن تكونت عندي معطيات كافية لتصور ظني عن عمل نزاهة في السنوات القادمة، إن لم تتغير هذه المعطيات. هذا التصور الظني لمستقبل نزاهة هو نفس تصوري الذي بنيته من سنوات عن مستقبل عمل هيئة حقوق الإنسان بعد لقائي مع معالي رئيسها. فأوجه التشابه في المعطيات بينهما كبير جدا، سأبين منه على القدر الذي أعتقد أنه يمكنه تجاوز حد مقص الرقيب.

بالاستراتيجيات والشعارات ونحوها من التنظير العام، ابتدأ معالي رئيس نزاهة سبتية الرشيد، ثم فتح الباب ليسمع مشاركات الحضور ومقترحاتهم. وبعض الشارع يخلط في واجبات الهيئة فيطالبها أو يحكم عليها بالسلبية لأمور ليست من صلاحياتها. فمثلا طرح أحد الفضلاء من الحضور موضوع الأراضي واحتكارها. وكثير من هذه الأراضي ممنوحة بصك شرعي بنظام كان قائما في فترة زمنية مضت ثم بيعت بعد ذلك أو ما زالت في حوزة الممنوح له، فلا مجال لنزاهة فيها، وتحميلها هذه المسؤولية تشتيت للنقد البناء لها. (فحل احتكارية الأراضي يناط بجهة أخرى تتبنى استراتيجية لا تنظر إلى الخلف بل تنظر بإبداعية ابتكارية إلى الحاضر والمستقبل. نظرة مقترنة بإرادة تنفيذية قوية لسياسة تطبيقية ذكية تُرضي غالب الشارع وتحقق هدف حل مشكلة الأراضي دون تبعيات اقتصادية سيئة).

وقد كان الاتجاه الأغلب في سبتية الرشيد من الحضور هو التساؤل عن انشغال الهيئة باصطياد صغار السمك بدلا من كباره. لذا فإنني أعتقد أن غالب الحضور في سبتية الرشيد - التي خصصت لنزاهة - لم يتفق مع معظم مداخلتي. فقد قلت فيها إنني أعتقد أن قصص الفساد المنتشرة في الشارع هو أمر مبالغ فيه جدا (وأقصد هنا الفساد المالي المقصود، لا الفساد الإداري في تعيين غير الكفء في كل المستويات الوظيفية، الذي يؤدي إلى جميع أنواع الفساد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي). وكون الناس تنقد على نزاهة انشغالها بالبسيط دون العظيم، هو أمر يُعذر فيه تساؤل الناس كما أنه قد لا تُلام عليه نزاهة. فأكثر عمليات الفساد عددا يقع في المستويات الدنيا. فأينما رُميت الصنارة علقت بسمكة صغيرة، والصغير سهل صيده. كما أن حصر صغار السمك وضبطه أمر صعب. ولكن الحد منه ممكن بالابتكارية التنظيمية، لا بزيادة البيروقراطية كما لمح معالي رئيس نزاهة إلى خططه لزيادة القيود التنظيمية التقليدية على المناقصات والتوظيف. وليت معالي الرئيس في هذا يتنازل عن خبرته الوظيفية التقليدية السابقة في ديوان المراقبة ووزارة المالية، لكي يستطيع الانطلاق في عالم الابتكار والإبداع في جهاز حكومي مُبتكر، فلا يحول نزاهة إلى عقبة بيروقراطية أخرى. وأما السمك الكبير القابل للاصطياد، فأنا أعتقد أنه اليوم نادر الوجود أو لا وجود له. والأساطير المنتشرة المشهورة حول وجوده بكثرة، مردها للشائعات التي حفزها الوضع الديناميكي الاقتصادي للإنفاق الحكومي. فالمشروعات تُرسى على المقاولين ثم هؤلاء المقاولين يُقسمون المشروعات بعقود أصغر مع مقاولين متنوعين في التخصصات، وقد يطلق عليها البعض تجاوزا أو خلطا «عقود من الباطن». وهذا لا بأس به وهو المتبع في تنفيذ المشروعات في دول العالم كله. ولكن هنا يظهر مُحفز الشائعات. فالمشروعات تنفذ على أيد عمالة أجنبية في الغالب فلا يشعر المواطن بخير تنفيذ هذه المشروعات كزيادة في التوظيف وفي الرواتب (لزيادة الطلب على التوظيف)، ويقتصر خير تنفيذ المشروعات على فئة قليلة وهم المقاولون ومقاولو المقاولين فيزداد ثراؤهم فينظر الناس إليهم فيعتقدون أن هذا من الفساد، وما هو إلا أمر طبيعي لازدهار نشاطهم بسبب الطفرة الاقتصادية والإنشائية التي نعيشها.

مُعضلة ديناميكية الإنفاق الحكومي موضوع لا يتعلق بمهام نزاهة، لكن الشائعات الناتجة عن هذه المعضلة هي من أكبر الفساد والتي هي من مهام نزاهة. ونظرا لعدم قيام نزاهة بكشف فساد كبير يُقنع الناس بجدوى نزاهة مع وجود هذه الشائعات، لذا فقد اقترحت على معالي رئيس نزاهة أن يخصص للشائعات نصيبا من عمل نزاهة، خاصة أنه قرأ علينا نظامها الذي ينص أن عليها أن تتحرى عن الفساد. وقد كفى الله نزاهة هذا الجهد في التحري بكتاب الصحف والمعتبرين من كتاب التواصل الاجتماعي. فلولا قامت نزاهة بتعقب ما يُكتب ولو - ابتداء - في الصحافة الرسمية من قصص الفساد، ثم تنشر - ولو بصفحات دعائية مشتراة - نتائج تحرياتها ولو من دون تشهير، طالما أن التشهير ممنوع كما فهمت. فتقطع بذلك دابر كثير من شائعات الفساد ويصفو الموج فيذهب الزبد جفاء ويبقى ما ينفع الناس من الكتابات الصحفية المسؤولة، وتنقطع أراجيف المرجفين وتقل الشكاوى الكيدية.

فما كان جواب معالي الرئيس إلا حديثا مرة أخرى عن الاستراتيجيات وعن عدم اعتبارية أحاديث النت المغلوطة، بينما تجاوز الكتابات الصحفية دون تعليق. فطرح أحد الفضلاء من الحضور مثالا لمقال هز الشارع السعودي وقد نُشر في جريدة رسمية هي المدينة بعنوان «نشربك شاهي وإلا تأخذ لك طن ذهب يا باشا؟» للأستاذ جميل فارسي وذكر فيه حالتي فساد أقلهما قيمته 28 ألف مليون ريال سعودي. وتساءل الحاضرون، هذه حالة قائمة فلم لا تقوم نزاهة بالتثبت مما قيل في هذا المقال فتفنده بنشر الحقائق إن كان باطلا، أو بتوضيح ملابسات الموضوع إن كان حقا. فهذه بداية جيدة لعمل الهيئة على أمور كبيرة تليق بتوقعات الناس بهيئة يرأسها وزير، وتكون بداية لإخماد نار الشائعات المنتشرة إن كانت حقا شائعات كما يدندن بن سالم دائما.

إن عدم تدخل هيئة مكافحة الفساد في الرد على الشائعات هو فساد بحد ذاته، فسكوتها عن مقالات الصحف والكتابات المعتبرة في وسائل التواصل الاجتماعي هو تأكيد لها، وترويج وتفريخ لغيرها. فهل ستصبح هيئة مكافحة الفساد مصدراً للفساد؟

الإجابة عند كل سؤال أو طرح مقترح بقراءة الأنظمة والاستراتيجيات والتحدث عن توظيف الكفاءات وصرف مستحقات عالية لهم تليق بعملهم الوطني العظيم، هو نفس ما لقيته من رئيس هيئة حقوق الإنسان قبل سنوات. وهذه الردود وما في معناها هو كذلك ما لمسته من رئيس هيئة مكافحة الفساد في سبتية الرشيد، فخرجت مبكرا من السبتية وقد أدركت حينها الاستراتيجية الجامعة - المسكوت عنها - بين نزاهة وحقوق الإنسان.

hamzaalsalem@gmail.com
تويتر@hamzaalsalem

المسكوت عنه
ما بين نزاهة وحقوق الإنسان
د. حمزة بن محمد السالم

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة