Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناFriday 01/03/2013 Issue 14764 14764 الجمعة 19 ربيع الثاني 1434 العدد

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

رحم الله معالي الشيخ عبد العزيز التويجري حينما بث شجونه أبا العلاء المعري قبل عقدين تقريباً في كتابه النفيس (أبا العلاء... ضجر الركب من عناء الطريق)، تذكرت إهداءه لي رحمه الله بأسلوبه الراقي الخالد على صفحته الأولى وهو يثني على رهين المحبسين ويبثه تلك الرسائل الخالدة،

هذا الفيلسوف العربي الذي لم يفهمه الناس، نعم تذكرت أبا عبد المحسن، ذلك الوقور الوجيه الحكيم حينما رأيت مذهولاً ما بثته وسائل الإعلام أن أفراد مجموعة مسلحة قطعت رأس تمثال الشاعر أبي العلاء المعري في مسقط رأسه بمدينة معرة النعمان في محافظة أدلب بشمال غرب سوريا، وتظهر الصورة نصف التمثال البني اللون وهو مقطوع الرأس وعليه آثار طلقات نارية, مرمياً على الأرض إلى جانب قاعدة حجرية مرتفعة. كان مكتوباً عليها “أبو العلاء المعري. شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء”, وهي العبارة التي طمسها المعتدون على التمثال.

لا أدري وأنا أرى رأس هذا الفيلسوف مقطوعاً شعرت بمرارة كلمات الناشر التي اختصر فيها سيرة ذلك الكتاب النفيس قائلاً: “هجس المعري ببداية انتكاسة العرب الفكرية والسياسية، وعايش صراعهم القبلي وتناحرهم وتعدد مذاهبهم. يستحضر التويجري المعري، في هذا الكتاب، ويقيم حواراً متخيلاً معه، يسعى إلى أن يكون “جسراً” بين ماضي العرب وحاضرهم، ويجمع فيه زمنين متناقضين في التأريخ والتوقيت ومتماهيين في الدلالة: لا يزال العرب يتناحرون فيما بينهم، ويشون ببعضهم بعضاً، ويجددون دائماً حروبهم العبثية ضد ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، ويرفضون أن ينزعوا “داحس والغبراء” من ذاكرتهم الجماعية. ويبوح التويجري لأبي العلاء بما يعانيه العرب اليوم من استبداد وقطيعة فيما بينهم، وطلاق بين السلطة والناس. ويسائله هل ثمة “خلاص” يحمله إلينا المستقبل، يعيد إلى العرب بعض “ماء وجوههم” المراق... أم أن “المستقبل” صار أيضاً عاقراً لا تنبت فيها... إلا الهزائم؟”...

احتج المسلحون الذين لا يستحون من توجيه فوهات بنادقهم إلى شيوخ الأمة وفلاسفة عصرها الذهبي، وتهشيم رأس مفكريها، بأن المعري كان زنديقاً وإذا أراد أي منصف أن يعرف قيمة شيخ المعرة أبي العلاء فليرجع إلى ما سطرته يد أبي فهر محمود شاكر عنه، بقية السلف الصالح وبخاصة في كتابه أباطيل وأسمار الذي نقد في طياته لويس عوض ومدرسة التغريب الحقيقية، وهو عبارة عن مجموع مقالات كتبها الشيخ في مجلة الرسالة في الستينيات تفنيداً لشبهات أجاكس عوض “كما يحب الشيخ أن يسمي لويس عوض” حول الشاعر العربي “أبي العلاء المعري” الذي حاول أجاكس عوض أن يصوره وكأنه شاعر ملحد لشيء في نفس يعقوب هذا غير التشكيك في أصوله العربية.. ولويس عوض افترى على المعري بطريقة تدلّ على جهله المطلق بالتراث العربي الإسلاميّ، ثمَّ استطرد لإثبات جهله بالتراث اليوناني والغربي أيضاً. ولم يكن شيخ العربية (محمود شاكر) هو الوحيد الذي انفرد بنفي تهمة الإلحاد والزندقة عن أبي العلاء المعري؛ فقد شارك في تبرئة المعري: المحدث أحمد شاكر، الميمني، محمد الجندي، عائشة بنت الشاطئ وغيرهم الكثير..! وليست هذه الدعوى وليدة عصرنا، ووحيدة دهرنا، فقد صنف المعري: (زجر النابح) لرد التهم التي ألصقت به..! وأبلغ رد على من قطع رأس شيخ المعرة ما كتبه العلامة ذاته في المقالة الثالثة والعشرين: “وفي هذا الصدام بين إرث وجودنا, وإرث حضارتنا, وإرث ثقافتنا, وبين هذا الغازي الصليبي المحترق الشديد الدهاء, الكثير الوسائل, المتلفع بألوان من الإغراء والتدجيل, المتذرع بذرائع الغلبة والسيطرة على النفوس والقلوب والأهواء. في هذا الصدام المر لم يبق لنا إلا إحدى اثنتين: إما أن نستبسل, فتكون لنا غلبة أهل الحق على شيعة الباطل, وإما أن نفشل ونتنازع فيما بيننا فتذهب ريحنا, كما ذهبت رياح أمم من قبلنا, قضى عليها الفشل والتنازع أن تصبح أثراً بعد عين, وبالله نعتصم, وإليه نلجأ, وعليه نتوكل”.

قبح الله هذا التوحش والفوضى التي أسفرت عن سرقة المواطنين للمتاحف في العراق في أول عمل بعد سقوط النظام، فتم تحطيم متحف بغداد ونهب مئة وسبعين ألف تحفة أثرية يعود جلها إلى آلاف السنين، والعبث بهياكل كليات الطب، وفي تونس موجات هولاكوية تحرق الزوايا والتكايا ومراقد الأولياء والمتصوّفين حتى وإن كنا لا نرى شرعية التعبد عندها ولكنها تبقى شاهداً على العصور والأزمان، وتهاجم بطريقة ممنهجة معارض الفنون ودور الأوبرا. وفي القاهرة أضرموا النيران في المجمع العلمي المصري، وفي اليمن تناثرت أوراق المخطوطات، وبيعت بثمن بخس لمجهولين، وفي مالي أحرق الثوار مكتبات ومخطوطات شاهدين على أنفسهم بضحالة الفكر وعدم الوطنية، وفي سوريا قُطع رأس أبي العلاء.

والسؤال المهم: أين دور الشعوب في الحفاظ على مخزونها الثقافي؟ وأياً كان الجواب فلن يصل إلى مستوى وعي وإدراك الغرب الذين يرون ضرورة الحفاظ على التراث والموروث والمخزون الثقافي، والكارثة الإنسانية ليست في قطع رأس أبي العلاء، ولكن الكارثة في وصول مثل هذه النماذج وتلك العقليات لأعلى سلطة في وطن ما، فإذا بالإنسان إلى عصور العفن التي كان يستر عورته فيها بأوراق الشجر ويأكل بكلتا يديه ويشرب الماء الملوث ولا يستطيع الحديث بلغة مفهومة من لغات البشر.

ولكي نكتشف الفرق بيننا وبين الغرب في الوعي الإنساني نستحضر الحرب العالمية الثانية وسؤال الكاتب العزيز جاسر الحربش لصديقه الألماني: لماذا تبدو الكاتيدرائية الكبرى في ماينتز والمتحف الوطني ومباني الجامعة القديمة على رونقها التاريخي وكأنّ الحرب لم تمسّها. أجابني بأنها بالفعل لم تمس لأنّ ثمة اتفاقاً ضمنياً غير مكتوب بين المتحاربين ألاّ يقصفوا عمداً الآثار والمتاحف والمباني التاريخية ودور العبادة والجامعات العريقة التي يعود تاريخ بعضها إلى قرابة ألف عام. كانوا عند انتصارهم على العدو يفرغون المتاحف والمكتبات والجامعات من محتوياتها الثمينة وينقلونها مغلفة ومختومة ومؤرشفة بكل عناية إلى العواصم المنتصرة، لكنهم لم يكونوا يتبادلون التدمير لأسس حضاراتهم المسيحية المشتركة.

abnthani@hotmail.com

وأخيرا قطعوا رأسك... يا أبا العلاء!!
د. عبدالله بن ثاني

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة