Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناFriday 08/03/2013 Issue 14771 14771 الجمعة 26 ربيع الثاني 1434 العدد

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

وجهات نظر

جاءت الاضطرابات التي وقعت في عدد من الأنظمة العربية في بداية العام 2011 مفاجئة للكثير من المراقبين. لكن العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي أدت إلى هذه الاضطرابات أو ما بات يُعرف باسم الربيع العربي لم تكن مفاجئة، بل هي عوامل معروفة وتراكمت عبر السنين حتى أدت إلى تفجر هذه الاضطرابات مرة واحدة. وكان المفاجئ هو حدوثها بمثل هذه السرعة بعد أن ظن المراقبون أنها لن تحدث لمرور زمن طويل عليها دون أن تؤدي إلى أي تغيرات. فما الذي أدى إلى تفجرها بشكل سريع؟

قبل الإجابة على هذه التساؤلات لابد أن نعرف العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي أدت إليها، ثم نشرح لماذا وقعت بشكل سريع في مطلع العام 2011م. ولنبدأ بالعوامل السياسية، وإن كان هذا لا يعني أن لها الأولوية والدور الأكبر في حدوث ما بات يعرف باسم ظاهرة الربيع العربي، بل كل العوامل لها الدور نفسه والأهمية. لقد نشأت الأنظمة العسكرية التي كانت تحكم عدداً من الدول العربية في المقام الأول لمواجهة فساد الأنظمة القديمة، ذلك الفساد الذي أدى إلى خسارتها لحرب فلسطين 1948 وقيام دولة إسرائيل، وهذا الفساد الذي منع حدوث نهضة حضارية تعيد للدول العربية المكانة المرموقة لها بين من دول العالم. لقد وصل للحكم أنظمة عسكرية في عدد من الدول العربية خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي للقضاء على فساد الأنظمة القديمة، ودحر العدو الصهيوني، وتحقيق النهضة المنشودة. وكان أول وأهم هذه الانقلابات العسكرية على الأنظمة القديمة الانقلاب العسكري الذي قام به الضباط الأحرار في مصر في العام 1952، ثم انقلاب 1958 في العراق، وشهدت سوريا فترة من الاضطرابات حتى استقر الحكم لضباط بعثيين في نهاية الستينات، وكذلك وفي الفترة نفسها استطاع العسكريون الوصول للحكم في اليمن وإسقاط حكم الأئمة الزيديين، ثم قام العقيد القذافي بانقلاب عسكري في العام 1969. وكان هناك عدد من الثوابت في كل الأنظمة العسكرية من أهمها مواجهة العدو الصهيوني وتحقيق التنمية للدول العربية. وهنا يأتي الفشل الأول لهذه الأنظمة، حيث جاءت خسارة هذه الأنظمة لحرب العام 1967 مع إسرائيل ونجاح إسرائيل في احتلال أراضي شاسعة من مصر وسوريا والأردن. وبالرغم من النجاح النسبي لحرب 1973 في استرداد شيء من الكرامة التي أهدرتها هذه الأنظمة, إلا أن هذه الأنظمة أدركت عدم قدرتها على مواجهة إسرائيل والدعم العالمي الذي يقف خلفها. هنا قررت بعض هذه الأنظمة الدخول في محادثات سلام مع إسرائيل لاسترداد الأراضي التي احتلت سنة 1967 وتم التضحية بهدف تحرير فلسطين. في حين بقيت أنظمة أخرى محتفظة بهدف مواجهة العدو كأحد أهدافها ومصدر لشرعيتها.. واضطرت الأنظمة التي اتجهت نحو السلام إلى التخلي عن بعض مظاهر نظام الحكم العسكري مع سقوط شرعية مواجهة العدو لمصلحة نوع من الانفتاح السياسي يمنح نوعاً من المشاركة السياسية مع بقاء اعتمادها على العسكر، فتحولت بذلك إلى شبه عسكرية. في حينأن الأنظمة التي لم تتخل عن هدف مواجهة العدو مثل سوريا والعراق وليبيا فلم يحدث فيها أي انفتاح سياسي لتمسكها بالشرعية العسكرية، وأن لا صوت يعلو على صوت المواجهة، وظلت أنظمة مغلقة.

أما اليمن فقد اضطر لتحقيق الوحدة مع الجنوب إلى تقديم نوع من الانفتاح السياسي رغم بقائه في جانب رفض السلام وفي جبهة الصمود والتصدي.

ننتقل الآن إلى العوامل الاجتماعية، لقد مرت الدول العربية بمحاولات عديدة لتحقيق النهضة. لقد كان من أول شروط تحقيق هذه النهضة هو نشر التعليم، حيث أصبح التعليم مجانياً وتم افتتاح أعداد كبيرة من المدارس والجامعات. ثم إن هذه الدول وخلال الفترة نفسها حاولت الدخول إلى مرحلة التصنيع على اعتبار أن الصناعة هي التي تحقق الفارق الكبير في دخل الدول للأفراد. تفتقد الدول العربية مثل حال كل الدول النامية للتكنلوجيا اللازمة للصناعة، والحل الوحيد للحصول على التكنلوجيا وكذلك رأس المال هو الدخول في شركات مع شركات عالمية. لجأت الأنظمة العسكرية العربية في منهجها للتصنيع لإستراتيجية إحلال الواردات والتي تقوم على قيام شركات حكومية بالشراكة مع مصانع أجنبية بإنشاء مصانع تكون مواجهة بالدرجة الأولى لإحلال الواردات بمنتجات محلية، ولتشجيع الشريك الأجنبي وحماية الصناعة الوطنية قامت بضمان السوق المحلي للمصانع الوطنية من خلال فرض ضرائب باهظة على الاستيراد. لم تنجح سياسات التصنيع حيث إن الحماية المبالغ بها إلى منتجات ردئية وبتكلفة غير تنافسية. مما جعل هذه الأنظمة العسكرية تعاني من أزمة اقتصادية. لقد نجحت سياسة التصنيع في الدول الآسيوية لأنها قامت على إستراتجية التصنيع من أجل التصدير وفتح الباب للاستثمار الأجنبي للإنتاج بأسعار تنافسية.

ووسط هذا الفشل الاقتصادي ظلت الجامعات والمدارس والمعاهد تضخ أعداداً كبيرة من الخريجين الذين أصبحوا يعانون من البطالة، وتضخمت الهجرة من الريف إلى المدن مما أدى إلى تزايد الضغط على الخدمات الحكومية والصحية والاجتماعية. ووسط هذا الفشل الكبير كان المسجد والعمل الخيري هو الملجأ لتخفيف الأزمة التي يعاني منها الناس. وهنا ننتقل إلى العوامل الفكرية. لقد انتهجت الأنظمة العسكرية أيدلوجيات فكرية علمانية للحاق بركب الحضارة الحديثة، فهذه الحضارة لم تحقق إلا عندما تم محاصرة الكنيسة مما أطلق العنان حرية الفكر والإبداع والذي أدى إلى النهضة.

هذه الأيدلوجيات سواء كانت الناصرية أو البعثية أو غيرهما لم تنطلق من الإرث الثقافي للأمة بل تم في كثير من الأحيان اقتباسها من الحضارة الغربية. وليست المشكلة في اقتباس عناصر من حضارة أخرى وإدماجها في حضارتك، فالحضارة الإسلامية في السابق اقتبست من الحضارات الأخرى، والحكمة ضالة المؤمن. لكن المشكلة في استيراد نماذج بالكامل. لقد تم تبني منهج الحزب الواحد والمؤتمر العام الذي ينتخب اللجنة المركزية والتي تنتخب الأمين العام والذي هو الحاكم المطلق ورئيس الدولة ومنظرها المعصوم. لقد أصبحت خطب الزعيم مقررة في المناهج الدراسية ويجب ألا يخرج مثقف أو إعلامي وليس هناك وجهة نظر مخالفة، وتم محاصرة المسجد وحصر الدين في العبادات وإبعاده عن شؤون الحكم والثقافة والفكر. وبالرغم من فشلها في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية ظلت الأنظمة العسكرية طوال التسعينات والعشرية الأولى من الألفية الجديدة من دون تغييرات مما جعل كثيراً من المراقبين يعتقد أن المجتمعات العربية ساكنة وستبقى كذلك. فما الذي استجد إضافة إلى هذه العوامل وأدى إلى تفجر الأوضاع، هذا ما سنعرض له في المقال القادم إن شاء الله.

نهاية الأنظمة العسكرية العربية (1 / 2)
عبد الله بن فهد اللحيدان

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة