Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناTuesday 12/03/2013 Issue 14775 14775 الثلاثاء 30 ربيع الثاني 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

سمع الكثير منا عن اللعبة الإلكترونية اليابانية «النينتديو»، التي لاقت شعبية كبيرة بين فئتي الأطفال والشباب قبل ظهور جهاز السوني. الشخصية المركزية في هذه اللعبة، وبطلها الأول والأوحد هو «سوبر ماريو»، سوبر ماريو على الرغم من أنه لا يتغير كثيراً إلا أنه يبدو كشخصية ظريفة خفيفة الظل لا يملها اللاعبون.

الغريب في الأمر أن اليابانيين صمموا هذه الشخصية بهيئة متوسطية قلباً وقالبا، لأنه في عرف الأوربيين الشعوب المتوسطية شعوب كثيرة الحركة والمرح. هيئة السيد ماريو واسمه إيطاليان، أما شواربه فشوارب بامتياز كبيرة الشبه بشوارب «أبو العبد» الشخصية العربية الرمزية للرجولة والاعتداد الذكوري، أما الجزء الأول من الاسم «سوبر» فاشتق من اسم سوبرمان الشخصية الأمريكية التي استوحتها السينما الأمريكية من المصطلح الألماني النازي الذي كان يرمز للجزء الآري الأشقر على أنه «أوبر منش» أي سوبرمان. فسوبر ماريو شخصية جمعت كل ما هو سوبر في الثقافات العالمية باستثناء الملامح اليابانية الآسيوية التي ترى المال أهم من الصيت. ولا يخفى على العارفين بأمور الثقافة والفن صعوبة تصميم شخصية شعبية كهذه وصعوبة إيجاد تسمية لها لا يمل الشباب من ترديدها، واليوم تستخدم هذه التسمية حتى بغياب اللعبة.

للعبة النينتديو ستة أزرار أربعة لتحديد الاتجاهات يمين، شمال، فوق، تحت، وزران للقفز للأعلى وللأمام. وعندما يسّرع الزر حركة سوبر ماريو يحس اللاعب نتيجة لحركة قدميه المتسارعة وكأن وجهه يمتلئ حماسة فيتفاعل معه، وهذا نوع من الإيحاء النفسي يدفع الشباب للتفاعل والهيجان. وعند ضغط زر A يقفز سوبر ماريو للأعلى ويلف حول نفسه لفات لحظية بنوع من الزهو النرجسي ليراه الجميع من جميع الاتجاهات، فيبدو وكأنه سوبرمان فعلاً، رجل خارق بقوى فوق طبيعية، لمِ َلا وهذا الإحساس ينتقل كالكهرباء لمن يضغط الزر بانفعال شديد يكاد يخرج الإصبع من شدة الضغط من الناحية الأخرى لليد، ولذلك فالشركة تكسب من بيع مفاتيح اللعبة (الأيادي) المدمرة من شدة الضغط أكثر مما تكسب من اللعبة ذاتها لأن الشباب يتلفونها بسرعة. وما أن تطأ رجل سوبر ماريو الجدار المقابل حتى يسارع بالركض في منظر رياضي مهيب. ولهذه الأسباب يصعب على الكبار تفهم اندماج الشباب في اللعبة التي تحتاج لشباب وتوهج.

يذكرني بعض المسؤولين فور تعيينه بوهج شخصية سوبر ماريو، فصدور القرار يكون بمثابة زر البداية، وعلى الرغم من أن المسؤول يعرف عن تعيينه ربما قبل أشهر من تعيينه، إلا أنه يظهر للجمهور بأحسن حلة متظاهراً بالمفاجأة طبعاً متصنعاً بعض الجدية التي تخفي الفرح الداخلي الغامر، ومردداً أنه قبل المنصب من قبيل التكليف وخدمة الوطن لا لفوائد أو مزايا شخصية، شاكراً المسؤولين على ثقتهم. ولا تلبث الحماسة أن تشع من عينيه فيبدأ بسرد الوعود بتحسين الخدمة، متبرماً من الحال التي وصلت لها مؤسسته في زمن سابقه مردداً أن خدمة المواطن أياً كان وأينما كان هدفه الأسمى، وهو في كل الأحوال صادق في عواطفه ووعوده، وحماسته حقيقية لا مصطنعة.

ثم يبدأ زر الانطلاق وينطلق بقوة اندفاع سوبر ماريو إلى أعلى عندما تضغط الزر A. حركة لا تهدأ وقفزات في كل مكان فيبدو للناس وكأنما هو «سوبر» يشع التفاؤل في كل مكان. طبعاً المرحلة الأولى في «سوبر ماريو» هي أسهل مرحلة ولا تحتاج لمهارات استثنائية ويجتازها حتى المبتدئون في اللعبة. توقيع عقود تحت أضواء الكاميرات، بعضها من عهد سلفه، تفقد بعض المشروعات، إجراء بعض المقابلات التلفزيونية وبعض التغيرات في بعض مناصب الجهة التي يتولى مسؤوليتها. ثم تزاد المهام صعوبة، ويبدأ بإدراك أن الوعود تحتاج لقفزات أعلى ومهارات أدق، فهي قفزات غير مضمونة السقوط، فيبدأ في التملص من أصعب الوعود ويهنئ نفسه بتحقيق أسهلها مرحلياً. تتلاحق المراحل ويضيق الوقت، وترتفع مراحل القفزات ويقل التركيز لأنه يقفز بعين للإمام وعين على رزنامة التاريخ التي تسابقه، فسوبر ماريو يستطيع القفز وكسب الوقت أيضاً.

الناس في الخارج تنظر له على أنه فعلاً سوبر، ويستطيع القفز من شرق البلاد لغربها، يقفز ويلتفت في كل الاتجاهات محققاً كل المعجزات. فهو سوبر كمبيوتر بسوبر ذاكرة، يعرف كل شيء ويتذكر تفاصيل معاملة كل مراجع، ويحفظ في عقله خريطة كل دائرة، وكل قسم حتى ولو كانت الدائرة أو القسم في هجرة لا ترى بالعين المجردة.

في البداية، لا يكل ولا يمل، فيهمل أولاده وأسرته، ويستمر قافزاً في كل اتجاه متحدياً كل الظروف، ولا تكاد قدماه تطأ الأرض، والمواطنون بالطبع يصفقون، عينهم عليه والعين الأخرى على من سبقه بالقفز وهم يقارنون المراحل التي قطعها كل لاعب ويقارنون المراحل مقارنة القذة بالقذة.

ما إن تتقدم المراحل وتصعب حتى تبدأ العثرات والأخطاء، أخطاء قد يكون سببها انقطاع الكهرباء، أو تعليق الجهاز، أو خراب اليد لكن الناس لا ترحم فينقلب التصفيق إلى نعيق، ويبدأ شخصياً في مراقبة مشاركة الجمهور المتذمر الذي يفرغ شحنات البطالة والتسدح في الاستراحات في تعابير عبقرية الإقذاع والإضحاك عن أداء إدارته ووصف قفزاته. فاليوم كل شيء موجود على زر الجوال، وهو يواصل قفزاته أمام كاميرات جميع المواطنين وكأنه داخل استاد كروي. جماهير فارغة الصبر تحمله مسؤولية كل صغير وكبيرة، حتى ولو كانت هفوات موظف مهمل عين خطأ في مكان ناءٍ.

بعدها يدرك أن مهمته شبه مستحيلة وأنه لا طاقة له بكثير مما توقع الناس منه، وأنه لا يستطيع إصلاح ما أفسدته دهور من البيروقراطية، والمركزية، والأنظمة المتقادمة. فيبدأ اللعب على الزر B المجاور للزر A، وهذا هو زر التبرير والدفاع عن النفس، فلم تعد لديه القدرة، أو الشهية، ولا الوقت في مواصلة القفز. ويبدأ ما يسمى تعثر المراحل والمشروعات، فيبدأ بمراقبة اللاعبين الجدد الذين يستعدون للقفز مكانه في لعبة جديدة. وإذا ما كان محظوظاً ومحظياً فقد يستطيع استئجار من يمارسون القفز نيابة عنه ويكتفي هو بضغط الأزرار، ومراقبتهم واستبدالهم.

اللعبة كبرت والرقعة اتسعت، وبدأ واضحاً جلياً أننا نحتاج للعبة جديدة غير «سوبر ماريو». لعبة جماعية تشارك فيها فرق متعددة تكون قفزاتها معقولة ومضمونة. أو ربما نحتاج لجهاز كامل في كل منطقة أو ربما كل حي، ونحتاج لأن نستنسخ السوبر في كل حي أو ناحية. أي بصريح العبارة نحتاج لبيروقراطية جديدة كليا تكون لامركزية بالكامل، فرقعتنا تتسع وأعدادنا تتضاعف، والمركزية المفرطة تسببت في عدم الاستفادة من إمكاناتنا، وشتت تركيزنا، وتعثر الكثير من مشروعاتنا. فالقفزات التي يجب على المسؤول القيام بها أصبحت شبه مستحيلة، ولعبة السوبر ماريو اختفت من الساحة العالمية. ودول العالم الناجحة بمجملها أدركت أن عصر السوبر مسؤول ولى، وأن أفضل السبل لنجاح الخدمات هي جعل المستفيدين منها مباشرة يشرفون عليها ويقيمونها ويراقبونها، أما سوبر ماريو فيكون دوره شرفي تمثيلي ويتفرغ للمهام الكبرى.

latifmohammed@hotmail.com
Twitter @drmalabdullatif

«السوبر مسؤول»
د. محمد بن عبدالله آل عبد اللطيف

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة