Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناWednesday 13/03/2013 Issue 14776 14776 الاربعاء 01 جمادى الأول 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

منوعـات

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تسارعت وتيرة الحضارة في معظم بلاد العالم، وتزايد دخول الآلة في حياة الإنسان، فلم تعد وسيلة إنتاج فقط بل أصبحت وسيلة ترف ومتعة، وتطور الطب فانحسر خطر الأوبئة وبات الإنسان يأمل بعمر مديد وهو بكامل صحته، وهناك نمو في جوانب أخرى، ولكن الملاحظ أن تزايد الآلة في حياة الناس، فرضت عليهم سلوكيات ومسلمات جديدة، وبناء عليها تغيرت العلاقات الإنسانية، وتغيرت المفاهيم حول القيم التي سادت منذ فجر التاريخ، لقد أصبح الإنسان أمام تغير جذري في البناء الفكري والاجتماعي والسلوكي. معظم الناس استوعب هذه التغير نتيجة معطيات تأهيلية، دينية واجتماعية وعقلية، ولكن هناك الكثير منهم يكابد التأقلم مع متطلبات الحياة الحديثة، وقد يفشل في تحقيق التوازن بين تفعيل القدرات الذاتية والتطلعات الحياتية، فيقع أسير القلق والحيرة وربما بلغ به الأمر إلى الانسحاب من الحياة، هذه الظاهرة باتت ملاحظة في معظم بلاد العالم وباتت تمثل تحديا للمفكرين وعلماء النفس.

بلادنا لها حظ من هذه الظاهرة، ونتيجة لكون الحضارة في بلادنا تسارعت بصورة غير متوائمة المكونات، مما فرض نمطاً مختلفاً للظاهرة وباتت تمظهراتها مختلفة، منها الاكتئاب بأنواعه، والوسواس بأنواعه، والتطرف في المشاعر تجاه الاختلافات الدينية والعرقية والرغبة في نهاية الحياة بصورة مقبولة شرعاً كالجهاد، وهناك تمظهرات أقل وضوحاً منها التخلي والانسحاب عند تفاقم الضغوط، هذه التمظهرات للظاهرة تزداد تنوعاً وحدة مع التقدم الحضاري الذي يحدث مزيداً من الخلل في البناء الفكري الجمعي للمجتمع، لذا سنرى التطرف يزداد شراسة والعطب النفسي يزداد انتشاراً والضغوط الحياتية تتفاقم.

الظاهرة لا يكفي الحديث عنها بمقال مقتضب، حيث الهدف من هذه المقال هو الإشارة لها فقط، وإثارة الاهتمام، لذا سأقتصر في الإشارة لما يلاحظه الناس بسهولة من هذه الظواهر وهو ظاهرة التخلي والانسحاب، فالتخلي هو بلوغ مرحلة يفقد الإنسان فيها الدافعية والرغبة في الاستمرار في عمل ما، نتيجة غياب مفاجئ للمحفزات أو فشل في مواجهة ضغوط متطلبات العمل، فالمتخلي كمن يلقي عن ظهره حملاً كان يرهقه، والتخلي هو نتيجة رغبة ملحة للراحة، ويلاحظ لدى طلاب يتركون مدارسهم بعد عناء طويل، وموظفون يهملون أو يتركون أعمالهم بحجج متنوعة ما هي إلا تبريرات للتخلي، ويصبح التخلي ظاهرة مقلقة عندما يصاحبه قبول اجتماعي فيصبح عامل حفز سلبي. والانسحاب لا يقل عن التخلي في الوضوح للملاحظ، ولكن دوافعه مختلفة فالانسحاب هو قصور في النشاط الاجتماعي وإهمال لمقتضيات العقد الاجتماعي، فالمنسحب يهمل الواجبات الاجتماعية والأسرية وينسحب عن المساهمة في النشاطات الاجتماعية ولا يكترث لهموم المجتمع بصورة عامة، ويتفاقم الانسحاب كشعور عند البعض فيصبح ناقداً ناقماً على المجتمع بل ويساهم بصورة قسرية في المخالفات للعقد الاجتماعي، فيرمي النفايات حيث لا يجب ويخالف نظام المرور عن قصد وربما يبالغ في تدمير المنافع العامة.

الظاهرة بحاجة لاهتمام رسمي وشعبي، نعم نحن مثل شعوب الدنيا نعاني من تسارع وتيرة الحياة وزيادة ضغوط التنافس وتنامي متطلبات الحياة الكريمة، ولكن لابد من تخفيف مظاهر هذه الظاهرة، بحيث يمكن إدارة تأثيراتها قبل أن تصبح هي ما يدير حياتنا، عندها لا يمكن التنبؤ بما ينتج عنها.

mindsbeat@mail.com
Twitter @mmabalkhail

نبض الخاطر
الحضارة وهزيمة الإنسان
محمد المهنا ابا الخيل

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة