Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناWednesday 08/05/2013 Issue 14832 14832 الاربعاء 28 جمادى الآخرة 1434 العدد

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الأخيــرة

في السنوات المثيرة الأخيرة كنت أتابع أحداث ثورة اليمن بقلق أكبر مما كنت أشعر به تجاه الثورات العربية في الشمال، وأعني العراق وبلاد الشام وشمال إفريقيا العربي. أسباب قلقي كانت كثيرة، أحدها أنني كعروبي الهوى أختزن ارتباطاً أصوليا باليمن، فمنها ظهرت حروفنا وأسماؤنا وفروعنا التي تمددت في كل الاتجاهات. كل إنسان عربي الأرومة تربى على هذه المعلومة عن أصوله الأولى في البيت والمدرسة والقصائد المتوارثة.

هذا الشعور الانتمائي ليس بدعاً بين الأمم، حتى لو أخفته بعضها عن العلن أمام الأمم الأخرى. البدع هو الابتعاد والنأي العاطفي والتضامني والإنبتات عن الأصول. لو سألت أي إيراني من أصول فارسية عن أقرب الشعوب الأوروبية إلى قلبه لقال دون تردد إنهم الألمان ذوي الأصول الآرية. نفس الإجابة تسمعها من الكرد على نفس السؤال. عندما تسأل الألماني الجرماني الأصول عن أقرب الشعوب الشرقية إلى قلبه سوف يقول لك حتما إنهم الفرس والكرد، لأنه ينقل في موروثه أنهم ينتمون لنفس الأصل الحضاري الذي انتشر جغرافياً من إمبراطورية ميديا الفارسية.

إذا نقب المتابع المعاصر في مواقف الدول الغربية السياسية والعسكرية والاقتصادية تجاه الشرق عموماً والأوسط خصوصا، سوف يجد تكراراً لمواقف ملطفة ومتعاطفة للحكومة الألمانية تجاه إيران، وكذلك تعاطفا لافتاً تجاه الأكراد، بما يتعدى المصالح الاقتصادية والاعتبارات السياسية. المواقف السياسية الألمانية تجاه العرب والأجناس التركية بكاملها أقل تفهماً ولطفاً مما نجده تجاه الفرس والكرد. إذا أردت أن تبحث عن السبب فاذهب إلى العقل الباطن الموروث ودعك من التبريرات السياسية المتقلبة حسب الظروف.

السبب الثاني لقلقي على اليمن كان علمي بأن اليمن لا يزال يعيش مرحلة التكتلات القبلية وتبعية المشيخة. القبائل اليمنية كلها مدججة بالسلاح، والطفل اليمني يحتزم بالخنجر في المهاد ويحمل الرشاش في سن المراهقة، والناس هناك مزاحهم قليل ومراسهم شديد.

السبب الثالث هو أن النظام البائد الذي ثار اليمنيون عليه قد اشتغل باحترافية ودهاء طيلة عشرات السنين على تعميق الخلافات القبلية والمذهبية والجهوية، وجعل لكل طرف مآخذ على وتصفية حسابات مع الأطراف الأخرى.

السبب الأخير والأهم لقلقي على اليمن هو أنني كنت أصدق ما أسمعه وأقرأه على الفضائيات والصحف العربية والأجنبية عن بدائية الإنسان اليمني وخروجه على سلوك التعايش الحضاري عندما يظن أنه بمأمن من عقاب السلطة، فما تلبث عندئذ أن تظهر فيه غرائز البدايات الأولى للتجمعات البشرية، أي القتل والسلب والسبي والاغتصاب على الهوية والانتماء المختلف.

ثم مرت شهور وسنوات الثورات والعالم كله يتابع التجمعات الاحتجاجية الحاشدة في شوارع اليمن، ويرى الناس في مظاهراتهم منتظمي الصفوف، آلاف من الرجال والنساء لا تفصلهم عن بعض سوى حواجز التقاليد والأعراف، والكل يحتج بانتظام ونظام بين الحوانيت المفتوحة ومخيمات الاحتجاج المتشاركة ومطاعم ومقاهي الأرصفة، جماهير غفيرة يجمعها الاتفاق على هدف واحد.. تخليص اليمن من الظلم والاضطهاد والفساد.

لم تنقل الوكالات العالمية اليقظة على مدار الساعة عن مظاهرات اليمن الحاشدة شيئاً مهماً ومزعجاً من ممارسات التحرش الجنسي أو الاغتصاب أو النهب والقتل على الهوية أو التهجير القسري. مرت الأحداث في اليمن بأقل الخسائر الأخلاقية والمادية والمعنوية على المستوى الشعبي حتى سقط حكم الطاغية.

الآن يتوجب علينا أن نقارن ما حدث في ثورة اليمن بما حدث في ثورات العراق (الفلوجة، الأنبار، بغداد، ديالى، كركوك، الموصل) وما يحدث في سوريا (درعا، دير الزور، حمص وحماة، حلب، إدلب، دمشق) وما حدث في مصر (ميدان التحرير، بور سعيد، السويس، الإسكندرية) وفي ليبيا (مصراتة، بني وليد، طرابلس، بن غازي) وفي تونس (سيدي بو زيد، سليانه، تونس العاصمة).

المقارنة سوف تظهر الفرق الشاسع في المروءات والالتزام الشرعي بصيانة الأعراض والدماء والأموال لصالح اليمن، مقابل التعديات الجسيمة على كل ماهو شرعي وأخلاقي وحقوقي وإنساني أثناء الاضطرابات في حواضر الشمال العربي.

إذا ًما مقدار الصحة فيما كان يدس في عقولنا ويوسوس لنا به، من أن أهل الجزيرة العربية، بيمنها وصحرائها وخليجها يشكلون الجزء البدائي المتوحش منزوع الحضارة في العالم العربي، وأن سكان الحواضر العربية في الشمال هم أهل المدنية والرقي والتهذيب والمروءات؟ الأحداث تجيب بما فيه الكفاية.

إلى الأمام
مقارنة أخلاقية بين عرب الجنوب والشمال
د. جاسر عبدالله الحربش

د. جاسر عبدالله الحربش

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة