Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناMonday 13/05/2013 Issue 14837 14837 الأثنين 03 رجب 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

أعاد «الربيع العربي» الجدل لتحديد أسس بناء الدول العربية في ظل عدم استقرار كثير من حكوماتها.. وبالأساس فكثير من الدول بالعالم الثالث، ظهرت أثناء الاستعمار كمفهوم قانوني بشرعية دولية قبل اكتمال بنائها الاجتماعي والاقتصادي والتنظيمي، مما أعاق ولادتها الطبيعية..

ونتج عن ذلك دول هشّة تسقط بانقلاب، بينما تمكنت دول عربية أخرى من إنشاء مؤسساتها وترسيخ شرعيتها لتواجه أزماتها سلمياً. وقبل ذلك كانت المنطقة العربية تعاني من آثار صدمتين: الاستعمار الأوربي، وإلغاء الخلافة العثمانية التي كانت أصلاً ميتة بعد مرض طويل.. كان حينها أغلب مفاهيم الدولة عربياً ينتمي للقرون الوسطى.. وكان هناك تياران معتدلان لتحديث بناء الدولة، هما الحركة الإحيائية الإسلامية والحركات الوطنية الليبرالية. لكنهما تراجعتا قبيل وبعد الحرب العالمية الثانية لصالح حركات رادكالية (قومية وإسلامية) تريد بناء الأمة قبل الدولة، فظهرت مجموعات عسكرية مستبدة ترى في الدولة نظام سلطة تحكمه الدبابات.. لذا كان أهم مرتكزات بناء هذه الدولة هما الجيش وقوات الأمن وليس الاقتصاد ومؤسسات المجتمع.

وانشغلت الثقافة العربية بمفهوم الدولة كنظام حكم سياسي وليس كدولة حديثة أي مؤسسة الدولة اجتماعياً واقتصادياً وقانونياً وفلسفياً، ضمن حدود جغرافية وسكانية. وانشغل غالبية المثقفين العرب بكافة أطيافهم (الحداثية والتقليدية) بالتعبيرات العاطفية لفكرة الدولة عبر مفاهيم خيالية فضفاضة تتناول المفترض غير المحدد وغير القابل للتطبيق وغير القابل للقياس، حيث يُستخدم مفهوم الأمة (الجماعة العرقية أو الدينية) مقابل الدولة الوطنية (المواطنة والحقوق الفردية).. ويتم التنظير للأمة كما يجب أن تكون وليس للدولة كما يمكن أن تكون..

مفهوم الأمة هنا طوباوي، لأنّ الموجود هو الدولة وليس الأمة.. ولأنّ الممكن أيضاً هو الدولة وليس الأمة.. أبسط مثال راهن هو الأخوان المسلمين في تونس ومصر الذين نسوا مصطلح الأمة و»دولة الخلافة».. وقاموساً سياسياً قروسطياً طويلاً ظلوا يردّدونه لعقود، فها هم عندما تسلموا قيادة الدولة لم يكن أمامهم سوى أكثر أنماط الدولة الحديثة شيوعاً وهو «الديمقراطي الليبرالي».. فكيف سيتعاملون مع هذا النموذج؟

منذ عقود والدولة تقود المجتمع والاقتصاد وكافة مناحي الحياة في عالمنا العربي، وقد تقوم بإنشاء المجتمع المدني وتوجه مؤسساته نحو الاستقلالية وتنمية الاقتصاد الوطني الذي بدوره يؤثر في توجُّه الدولة نحو المدنية ونحو الدولة الحديثة (دولة المؤسسات والقانون)، أو على العكس (كما تفعل النظم العسكرية) قد تقوم الدولة بكبح نمو المجتمع المدني وإدارة الاقتصاد بطريقة فاشلة فتظهر تشوُّهات تركيبية في بنية المجتمع والسلطة، وما قد يصاحبها من تقلُّبات وانقلابات..

فالدولة العربية بجيشها وجهازها البيروقراطي تقابل المجتمع بهامشية طبقاته وضعف اقتصاده، فتصبح الدولة هي التي تقود الاقتصاد الوطني. ولكن - وفي ذات الوقت - هذه الدولة مضطرة للانقياد لحركة الاقتصاد الدولي، فإذا لم تقم بدورها في التوازن بين المصالح الداخلية ومتطلّبات النظام العالمي، فستتعرّض للعديد من الأزمات. الإخلال بهذا التوازن يفسر أزمة كثير من الدول العربية (وما حولها) مع النظام الدولي، حين تدافع عن بقائها كنظام سلطة على حساب مصالح الدولة مع الخارج، فتظهر متمردة على النظام الدولي وتخسر سياسياً واقتصاديا. وعلى العكس، قد تضطر إلى مراعاة الخارجي على حساب الداخلي، فتظهر بمظهر التابعة العميلة، وتواجه أزمات داخلية خاصة مع الحركات المتطرفة.

هذا الإخلال بالتوازن يفسر جزئياً كثرة الانقلابات العسكرية بالعالم العربي بعد فترة الاستعمار وبداية الاستقلال السياسي، لأنه لم يصاحب باستقلال اقتصادي، بل صاحبه تبعية اقتصادية أكبر، نتيجة تخلف وهشاشة البنى الاقتصادية الوطنية وفشل العسكر في الإدارة السياسية والاقتصادية. ذلك أدى إلى خضوع الدولة لكثير من الضغوط الخارجية التي بدورها أدت إلى تحرك عسكريين جدد لإعادة استقلالية الدولة، ولكن هذه الاستقلالية لا تلبث أن تخضع من جديد لإحدى القوى الداخلية المسيطرة (الاستبداد الداخلي) أو لمتطلبات النظام العالمي (التبعية للخارج).

إنما موجة الانقلابات خفتت في العالم العربي، لأنّ دولها أنتجت بيروقراطيتها الضخمة وترسخت في بعضها مؤسسات قوية، مما أفرز جماعات كبيرة مستفيدة وشرائح (تقنية واقتصادية وثقافية ودينية..) ضابطة للإيقاع الاجتماعي وداعمة للدولة، وصاحب ذلك بروز مظاهر للمجتمع المدني ومؤسسات اجتماعية حديثة ساعدت عليها الدولة نفسها أحياناً، فنمت القوى المدنية داخل الدولة وتحجّمت القوى العسكرية.. مع العلم أنه حدث العكس في بعض الحالات، عندما تركز الدولة على دعم استخباراتها وجهازها البوليسي على حساب التنمية والاقتصاد الوطني.

إشكالية التوازن (بين الداخلي والخارجي) نراها بوضوح في مصر وتونس.. الاقتصاد يعتمد على السياحة وعلى التحويلات النقدية للعاملين في الخارج وعلى الشراكات الدولية.. وتلك عوامل خارجية.. فكيف يستطيع الإخوان المسلمون تطبيق أجندتهم، بينما الوضع الاقتصادي في البلد يتبع الاقتصاد العالمي وهو نظام ليبرالي؟ أما في الداخل، فكيف يفرض الإخوان إيديولوجيتهم والنظام السياسي أخذ الشكل الديمقراطي الليبرالي؟ والإعلام يتوجه لمزيد من اللبرلة؟ ومؤسسات المجتمع تنشأ على الطريقة الليبرالية؟ إضافة إلى وجود مؤسسات حديثة للدولة ترسخت ويستعصي تجاوزها..

المرجح أن تتوجه غالبية الحركات الإسلامية إلى الحل الوسط على منهج «الإسلاميين التنويريين» أو «الإسلاميين الليبراليين»؛ فمنهجهم من بناء الدولة وسطي بين الإسلاميين والليبراليين، ويتصف بخطاب محافظ لكن مع برامج تطبيق حداثية.. والغنوشي يمارس هذه الطريقة بوضوح رغم أنه من الرموز التاريخية لخط الإخوان وليس من الرموز الشابة.. بل إننا نلاحظ أن هذا المنهج بدأ يظهر حتى مع بعض السلفيين في مصر.. أي مراعاة النزعة الإيديولوجية (العاطفية) للحركيين الإسلاميين وفي نفس الوقت التوجه نحو الواقعية (المنفعة العملية) على الطريقة الليبرالية.. وربما في نهاية المطاف تنزع غشاءها الإيديولوجي نهائياً من عالم السياسية والاقتصاد..

أكبر التحديات التي ستواجهها هذه الدول هو النمط المشوّه أو المقلوب للبناء الديمقراطي حيث قاعدته تعتمد على صناديق الاقتراع، بينما الاقتراع هو قمة الجبل الديمقراطي وليس قاعدته التي من المفترض أن تكون المؤسسات المدنية والنظام الحقوقي وضمان الحريات العامة والخاصة.. هنا قد يتحوّل الفائز (فرداً أو تياراً) من جديد إلى حاكم شبه مطلق بيده كافة السلطات مع تقييد حرية المؤسسات المدنية وحقوق الأفراد.. فإذا كانت صناديق الاقتراع خطوة إلى الأمام فإنّ احتكار السلطات وتقييد الحريات خطوتان إلى الوراء..

alhebib@yahoo.com

الحركات الإسلامية وبناء الدولة الحديثة
د.عبد الرحمن الحبيب

د.عبد الرحمن الحبيب

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة