Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناThursday 23/05/2013 Issue 14847 14847 الخميس 13 رجب 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

تقارير

يحيا تباطؤ الصين

رجوع

ستيفن س. روتش - خاص (الجزيرة):

نيوهافن - كان نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي في الصين بنسبة 7,7% في الربع الأول من هذا العام أبطأ كثيراً مما توقع كثيرون. ورغم أن البيانات لم تكن هدّامة بأي حال من الأحوال مقارنة بالتوقعات التي أجمِع عليها بنسبة 8,2%، فإن كثيرين (وأنا منهم) توقعوا انتعاشاً فصلياً ثانياً متوالياً بعد التباطؤ الذي بدا وكأنه انتهى في الربع الثالث من عام 2012. وقد سارع المشككون في الصين في مختلف أنحاء العالم إلى الانقضاض على الرقم معربين عن مخاوفهم من التباطؤ أو حتى الركود المزدوج البغيض. ولكن نمو الناتج المحلي الأبطأ أمر طيب بالنسبة للصين في واقع الأمر، شريطة أن يعكس التحول البنيوي الذي طال انتظاره من الاقتصاد الأكثر ديناميكية في العالم على الإطلاق. والخطوط العريضة لهذا التحول معروفة على نطاق واسع - التحول من النمو القائم على التصدير والاستثمار إلى بنية اقتصادية تستمد قدراً أعظم من الدعم من الاستهلاك الخاص المحلي. ولكن الأمر الذي لا يعرفه الناس على النطاق نفسه هو أن إعادة التوازن إلى الصين تتطلب بالضرورة معدل نمو أبطأ - والذي ربما بدأت أول العلامات الدالة عليه تتضح الآن.

إن الصين الراغبة في استعادة التوازن من الممكن أن تنمو بوتيرة أبطأ لسبب واحد بسيط: فباستمداد المزيد من الدعم من الطلب الاستهلاكي القائم على الخدمات، سوف يتبنى نموذج الصين الجديد وصفة نمو أكثر كثافة في تشغيل العمالة. ويبدو أن الأرقام تعزز هذه النتيجة. ذلك أن قطاع الخدمات في الصين يحتاج نحو 35% زيادة في الوظائف عن كل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بقطاعي التصنيع والبناء اللذين يشكلان المحركين الأوليين للنموذج القديم.

وينطوي هذا الرقم على عواقب محتملة ضخمة، لأنه يعني أن الصين من الممكن أن تنمو بمعدل سنوي يتراوح بين 7% إلى 8%، ويظل رغم ذلك قادراً على تحقيق أهدافه في ما يتصل بتشغيل العمالة والحد من الفقر. وكان من الصعب للغاية أن تحقق الصين هذه الأهداف بنسبة نمو تقل عن 10%، لأن النموذج القديم لم يكن قادراً على توليد العدد الكافي من الوظائف عن كل وحدة من الناتج. فمع ارتقاء التصنيع الصيني إلى مراتب أعلى في سلسلة القيمة، عمدت الشركات على نحو متزايد إلى إحلال الآلات التي تجسد أحدث التكنولوجيات في محل العمال. ونتيجة لهذا، عمل نموذجها الاقتصادي على توليد ديناميكية نمو موفرة للعمالة ومفرطة في الاعتماد على رأس المال.

وعلى مستوى ما، كان هذا منطقياً. ذلك أن استبدال رأس المال بالعمالة يكمن في قلب الإستراتيجيات الإنتاجية الحديثة في الاقتصادات القائمة على التصنيع. ولكن هذا كان سبباً في انزلاق الصين إلى حفرة متزايدة العمق: فتزايد العجز في عدد الوظائف عن كل وحدة من الإنتاجية، حتى أنها احتاجت إلى المزيد من وحدات الناتج من أجل استيعاب الفائض الناتج من العمالة. وفي نهاية المطاف، تحول الأمر إلى مشكلة وليس حلاً. فقد كان نموذج التصنيع القديم نفسه، الذي غذى زيادة غير مسبوقة بلغت عشرين ضعفاً في نصيب الفرد في الدخل نسبة إلى أوائل تسعينيات القرن العشرين هو أيضاً الذي نثر بذور الاستهلاك المفرط للموارد والتدهور البيئي. ويعد النمو القائم على الخدمات، في نواح كثيرة، بمثابة الترياق لنموذج النمو، «غير المستقر، وغير المتوازن، وغير المنسق، وغير المستدام في نهاية المطاف»، الذي انتقده رئيس الوزراء السابق ون جيا باو في عام 2007. ورغم هذا فإن الخدمات تقدم أكثر من مجرد مساراً للنمو يعتمد على العمالة الكثيفة. فمقارنة بالتصنيع، تخلف الخدمات أثراً أقل كثيراً على الموارد وبصمة كربونية أخف كثيراً. إن النموذج القائم على الخدمات يقدم للصين بديلاً أكثر رأفة بالبيئة وبنية اقتصادية أكثر استدامة في نهاية المطاف.

من السابق للأوان بطبيعة الحال أن نستخلص من هذا أن التحول القائم على الخدمات نحو نمو أبطأ أصبح الآن في المتناول. صحيح أن أحدث البيانات تشير إلى هذا الاحتمال، مع توسع القطاع الثالث (الخدمات) بمعدل سنوي بلغ 8,3% في الربع الأول من هذا العام ــ الربع الثالث على التوالي الذي يشهد تسارعاً في هذا الاتجاه وبنصف نقطة مئوية أسرع من الزيادة التي سجلها القطاع الثانوي (التصنيع والبناء) بنسبة 7,8%. ولكن الأمر يتطلب أكثر من مجرد بضعة أرباع من البيانات المشجعة للتحقق من صحة هذا التحول المهم في البنية الأساسية للاقتصاد الصيني. وليس من المستغرب أن يعطي المشككون في الصين تفسيراً مختلفاً لأرقام النمو الأخيرة. وعلى رأس قائمة المخاوف تأتي الآن احتمالات نشوء فقاعة ائتمانية ناجمة عن الظل المصرفي، وهو ما يعزز المخاوف القديمة من احتمالات استسلام الصين «لفخ الدخل المتوسط» البغيض، تباطؤ النمو المستدام الذي ضرب أغلب الاقتصادات الناشئة العالية النمو عند المرحلة التي بلغتها الصين الآن.

الواقع أن الصين ليست محصنة ضد مثل هذا الاحتمال. ولكن من غير المرجح أن يحدث هذا إذا تمكنت الصين من تنفيذ عملية إعادة التوازن القائمة على الخدمات والمشجعة للاستهلاك، والتي تظل تشكل المبادرة الإستراتيجية الأساسية في الخطة الخمسية الحالية. فعلى نحو ثابت لا يتغير، تصيب لعنة الدخل المتوسط تلك الاقتصادات الناشئة التي تتشبث بنماذج التنمية الصالحة لمراحل مبكرة لمدة أطول مما ينبغي. وبالنسبة للصين، فإن المخاطر سوف تكون أعلى إذا تمسكت بالوصفة التي عفا عليها الزمن والمتمثلة في النمو غير المتوازن القائم على التصنيع والبناء، والذي كان سبباً في خلق مثل هذه المشكلات الخطيرة المتعلقة بالاستدامة.

وإذا فشلت الصين في استعادة التوازن، فإن الطلب الخارجي الضعيف من العالم المتقدم الذي أنهكته الأزمات سوف يستمر في عرقلة آلية التصدير الصينية، ويرغمها على زيادة الرهان على نموذج النمو القائم على الائتمان والاستثمار، وهو ما يعني في واقع الأمر تسارع النمو المفرط في استهلاك الموارد والضار بالبيئة. ولكن يظل الأمل يحدوني رغم ذلك في أن يتحرك فريق الزعامة الجديد في الصين بسرعة لتنفيذ نموذجه الجديد. ولا توجد بدائل قابلة للتطبيق على أية حال.بطبيعة الحال، لا تشعر الأسواق المالية، فضلاً عن الاقتصادات المتقدمة المتعطشة للنمو، بالارتياح إزاء الإيقاع الطبيعي للنمو الأبطأ الذي من المرجح أن يشهده اقتصاد الصين في مرحلة إعادة التوازن. فقد أصبحت الصناعات القائمة على الموارد، بل والاقتصادات القائمة على الموارد مثل أستراليا وكندا والبرازيل وروسيا، مدمنة على النوع القديم من النمو المفرط غير المستدام في الصين. بيد أن الصين تدرك أن الوقت حان لكسر هذه العادة الخطيرة. ومن المرجح أن تواجه الولايات المتحدة مشكلة مختلفة مع النمو القائم على الاستهلاك في الصين. ذلك أن الاستهلاك الشخصي الأعلى يعني ضمناً نهاية الادخار الفائض في الصين، وبالتالي نهاية عملية إعادة التدوير التي تبدو بلا نهاية لتحويل هذا الفائض إلى أصول مقومة بالدولار مثل سندات الخزانة الأميركية. فمن آنئذ قد يمول عجز الموازنة الأميركية وبأية شروط؟

وعلى هذا، فتماماً كما يتعين على الصين أن تتبنى نمواً أبطأ كنتيجة طبيعية لحتمية إعادة التوازن لديها، فسوف يكون لزاماً على بقية دول العالم أن تتوصل إلى الكيفية التي قد تتمكن بها من التعايش مع هذا التحول والتأقلم معه حينما يحدث.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2013.
Stephen_S_Roach
ستيفن س. روتش عضو هيئة التدريس في جامعة ييل، ورئيس مورجان ستانلي السابق في آسيا، ومؤلف كتاب «آسيا التالية».

www.project-syndicate.org

رجوع

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة