Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Wednesday 29/05/2013 Issue 14853  14853 الاربعاء 19 رجب 1434 العدد

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

لا أخجل من أن أطرح هذا السؤال الناقص في ظاهره حيث تتمته فيه، على مايبدو فيه من سذاجة موجعة “هل الذات الحرة شرط لحرية الأوطان” لكن اللطمة تلو اللطمة التي تكيلها لوجوهنا ورهانات أحلامنا يوميا على مدى عامين متواصلين بعد النشوة الخاطفة للربيع العربي

تجعل المواطنين العرب والمسلمين سذجا حقا وفي أحسن الأحوال مكابرين أو متواطئين إن لم يحاولوا أن يسألوا عن مسؤوليتهم الشخصية والفردية ومسؤولية تكوينهم الذاتي في الموقف من الحرية بقدر لا يقل عن مساءلة الواقع الموضوعي والمسؤولية الجماعية في علاقتهم بهذا التحدي الذي الذي يعيشونه في علاقاتهم الملتبسة على مستوى القناعات والسلوك معا بسؤال الحرية.

فهل منا من لايتذكر قصة الطفل الشجاع التي مرت على معظمنا في منهج المرحلة الابتدائية أو قد يكون منا من اطلع عليها من مصادر أخرى؟ أنها قصة حقيقية موثقة في كتب التاريخ لذلك الطفل الذي لم يهرب من أمام موكب الخليفة كما فعل بقية الأطفال. وعند سؤال الطفل عن موقفه أجاب بأنه لم يقترف ذنبا ليفر من أمام الخليفة وليس الطريق ضيقة ليوسعها. لقد كان ولايزال يجرى توظيف هذه القصة من قبل المعلمين والمربين لتعزيز قيمة الشجاعة الأدبية ليس إلا. وعلى أهمية قيمة الشجاعة الأدبية المستنبطة من هذه القصة فإنها قصة تتعدد معانيها وقيمها الاجتماعية والاخلاقية. وأجد أن من معانيها الجوهرية التي قد لايكون جرى التوقف عندها أو لم يسلط الضوء عليها بما يكفي هو معنى “الحرية الذاتية” السليقية أو الفطرية إن شئتم التي يتمتع بها ذلك الطفل ليستطيع اتخاذ موقف خال من الخوف أو الرهاب الاجتماعي ويتخطى ذلك إلى إعطاء برهان عقلي لمنطق الموقف الحر الذى اتخذه. وهذا لايتعارض بل يعزز قيمة الشجاعة الأدبية التي عادة مايجري استنباطها من هذه القصة. فالإنسان الذي لايمتلك ملكة الحرية داخليا من الصعب أن يتحلى بالشجاعة الأدبية. على أنه قد لايكون ماجرى من قصر معنى هذه القصة على معنى الشجاعة تقصيرا من المربين أو عدم قدرة على رؤية رمزيتها في التعبير عن ملكة الحرية الذاتية الداخلية للطفل وإنما ربما يعود بعض ذلك إلى حساسيتنا الاجتماعية المزمنة من كلمة الحرية.

أذكر هذه القصة في سياق أنه غالبا مايتم الحديث عن الحرية كمفهوم سياسي محض. بما يؤدي في خضم تأسي المثقفين خاصة على المحددات السياسية التي كثيرا ماتعمل على ملاحقة اجنحة الحرية وقصقصتها أحيانا قبل أن تينع بفعل محاذير بعض الأنظمة أو تحسس بعض الساسة التاريخي من كلمة حرية منذ أن كان كتاب ميكافيلي لايزال مسودة أولية إلى اليوم باختلاف ليس إلا نسبيا بين دول وحكومات المجتمعات البشرية القديمة والمعاصرة إلى تناسي أو أهمال أبعاد أخرى من أبعاد مفهوم الحرية قد لا تكون أقل أهمية من البعد السياسي للحرية، بل أنها قد تشكل الشرط المسبق لوجود أي أشكال من أشكال الحرية من الحرية السياسية والاقتصادية إلى حرية التفكير والتعبير. فأي حديث عن حرية سياسية أو حرية اقتصادية أو سواها إذا لم تتوفر الحرية بمعناها الإنساني الواسع والعميق كقوة ذاتية وكممارسة حياتية لأفراد المجتمعات وقواها وتشكيلاتها الاجتماعية المختلفة من الأطفال والرجال والنساء إلى المؤسسات الرسمية والأهلية دون أن يُقصر مفهوم الحرية على المفهوم السياسي أو يقزمها في قمقم السياسة. إننا نعتقد أن تجاهل مثل هذا السؤال البديهي في مسألة الحرية أي سؤال الحرية بالمفهوم الإنساني الواسع والعميق هو أحد الأسباب التي سمحت وتسمح بأن يعتم على سؤال الحرية كمكون ذاتي من مكونات النفس البشرية بأبخرة عوادم السياسة. وهذا ماسمح بدوره إلى أن تتحول الحرية من مفهوم بسيط يدخل في تكوين كل منا منذ الولادة كطاقة خلاقة داخلية مثله مثل قدرتنا الطبعية على التنفس أو على النطق والمشي إلى مفهوم معقد دونه خرط الرقاب. وإذا كنا نادرا ماقمنا بتأمل مقولة عمربن الخطاب رضى الله عنه التاريخية الشهيرة بأن الناس ولدتهم أمهاتهم أحرارا كإشارة إلى تأصل مكون الحرية كعنصر ذاتي من مكونات الوجدان والعقل والحس البشري للإنسان على الرغم من الاستشهادات الكثيرة بها والتي لاتأتي إلا في حدود تقصرها على الوقوف في وجه المصادرات للحرية السياسية فإن بعض المدافعين عن الحرية قد أضروا بها من حيث أرادو إحسانا عندما قبلوا إن لم يكونوا قد ساهموا في الطرح الأحادي للحرية بقصرها وقصر مطلبها على مجال النشاط السياسي. وكذلك عندما أغفلوا سؤال الحرية في مجالات النشاطات الإنسانية المتعددة الأخرى في الحياة العامة والخاصة لأفراد المجتمعات على اختلافها واختلاف مراحلها. هذا دون أن نعني التهوين أو الاستخفاف بأهمية احرية السياسية. ودون أن يعني هذا الفصل فصلا تعسفيا بين مجالات مناشط الحريات الحياتية.

وإذا كان أيضا كثيرا ما جرى قراءة قول عنترة بن شداد في الرد على عمه عندما طلب منه الانخراط في الدفاع عن الحمى “العبد لايحسن الكر والفر بل يحسن الحلب والصر” قراءة متبصرة رأت أن عنترة بن شداد اشترى حريته بتلك المقولة حيث كان رد عمه عليه “ياعنترة كر وأنت حر” بما أظهر الترابط الجدلي بين الحرية وبين المشاركة الحربية والسياسية بمقياس ذلك الزمان، فإنه نادرا مايشار إلى طاقة الحرية الذاتية التي كان عنترة بن شداد يمتلك ملكتها كشاعر وكمحارب ليستطيع أن يفاوض على حريته بمثل تلك الجرأة وبمثل ذلك المنطق المفحم وبمثل سرعة البديهة تلك في اللحظة المناسبة. فلو أن عنترة كان مستبعدا من الداخل أو لم يكن يتمتع بطاقة من الحرية الذاتية رغم أنه كان لايزال عبدا بالمفهوم الشائع وقتها لما استطاع أن ينتزع حريته ويغير قدره من عبد إلى إنسان حر بمثل تلك الروح الفروسية.

وهذا يعني أن الإنسان يحتاج إلى أن يفعل ما بداخله من طاقات كامنة واستعداد فطري للحرية.

كما يحتاج إلى مهارات تمكنه من فتح منجم الحرية الذاتية الذي لايزال غافلا في دواخله ليقدم قراءات تحليلية بديلة لتراثه المعرفي ولواقعه في توسيع أفق نظرته لمسألة الحرية في أبعادها الإنسانية المتعددة.

ولو أردنا ألا نقتصر على سرد وتحليل أمثلة مستقاة من الذاكرة الجمعية لمجتمعات العالم العربي الإسلامي في مسألة الحرية كمفهوم إنساني وليس كمفهوم سياسي وحسب فإن مراحل لاحقة من التاريخ الحضاري الحديث للمجتمعات البشرية تظهرأن هناك تلازما ليس فقط بين شرط الحرية وبين المشاركة السياسية، بل وأيضا هناك مايظهر تلازما بين شرط الحرية وبين شرط العمل والإنتاج سواء الإنتاج المادي أو الإنتاج المعرفي والثقافي. ولانحتاج هنا بسبب الحيز لأكثر من إشارة يمكن لمن أراد الرجوع فيها إلى مشروع النهضة الغربي ليطلع على تفاصيل ماخلاصته بأن تحول المجتمعات الغربية إلى الإنتاج الصناعي وعمليات استبدال النظام الإقطاعي بالنظام الرأسمالي واستبدال الأنظمة المعرفية القديمة في الغرب بنظام المعرفة العلمية قد كان شديد الارتباط بمسألة الحرية الإنسانية ككل وليس بالحرية السياسية وحسب. في هذا الإطار الإنساني الأوسع لمفهوم الحرية.

هذا مع الحاجة للتوقف التأملي طويلا وإعادة قراءة الحرية بمعناها الفقهي قراءة تحليلية ترد الاعتبار لمعنى الحرية في الإسلام باعتباره شرطاً لازماً من شروط الأهلية للإنسان مثله مثل شرط الرشد والعقل.

تمر بمفاتيحي هذه الأطياف المشرقة عن معنى وشرط الحرية الذاتية لتحرر الفرد والمجتمع والشعوب والأوطان فيما تمر على شاشتي الإلكترونية والتلفزيونية والورقية تلك المشاهد المتخبطة لواقعنا العربي والإسلامي ونحن نمرغ هامة الربيع العربي في وحول الطين مرة ومرات في حرمة الدم. فيتكشف لنا لحظة بعد أخرى بشكل موجع ومرعب بأن ماكان ينقصنا ولا يزال ليس فقط الحرية السياسية بل تجربة الحرية بمعناها الذاتي والموضوعي. كم ياترى نحتاج لاستعادة تلك الملكة الجسدية والروحية من الحرية التي ضاعت منا تدريجيا بعد أن ولدنا بها، وكم ياترى يحتاج عالمنا العربي والإسلامي من السنوات والتضحيات لتعلم دربة الحرية من جديد؟

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

Fowziyaat@hotmail.com
Twitter: F@abukhalid

هل الذات الحرة
د.فوزية عبدالله أبو خالد

د.فوزية عبدالله أبو خالد

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

طباعة حفظ

للاتصال بنا الأرشيف الإشتراكات الإعلانات مؤسسة الجزيرة