Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناMonday 10/06/2013 Issue 14865 14865 الأثنين 01 شعبان 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

يمكن القول مع التحفظ على التعميم ومزالقه، أنه في بداية القرن الماضي كان الرأي الثقافي العام العربي ذا ميول تحديثية وكانت الليبرالية الوطنية والإسلامية التنويرية تسيطر على المشهد السياسي، ثم في منتصفه تحول المشهد

إلى القومية وبنهايته مال إلى الإسلامي الحركي.

كيف حصلت هذه التغيّرات؟ لو أخذنا مصر مثالاً باعتبارها مؤشراً للتوجه العام العربي، سنجد أنه منذ أول برلمان فعلي بعد دستور 1923م حتى قبيل ثورة يوليو 1952 كانت الغالبية للأحزاب الليبرالية الوطنية. كانت الليبرالية الأكثر إقناعاً للرأي العام بعد الحرب العالمية الأولى وفشل الخلافة الإسلامية العثمانية التي ُنظر إليها كنموذج للتخلف والاستبداد مقابل نمط التحديث الغربي الذي كان ينظر إليه كنمط ناجح عقلاني وتقدمي.

لكن الحال تغيّرت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد ظهر للشعوب العربية أن الغرب لا يرغب في إنهاء الاستعمار وظهرت شكوك في أحزاب الليبرالية الوطنية التي تعاونت معه، ثم حصل اغتصاب أرض فلسطين عام 1948 بمباركة الغرب! فلم يكن أفضل من العاطفة القومية لمواجهة الإمبريالية، فظهرت القومية الثورية بعد يوليو 1952 واكتسحت شعبيتها كثيراً من الأقطار العربية.

لكن القوميين ومعهم العالم العربي كله مني بنكسة حزيران 1967 وضُربت القومية ضربة قاصمة.. لقد صدمت الجماهير وساد شعور عدائي تجاه النماذج الغربية والمحلية، وشعرت بأنها وضعت ثقتها في غير مكانها.. في نخبة من العسكريين الانقلابيين.. تشكل بعدها فراغ في الحراك السياسي العربي خلال السبيعنات والثمانينات تخلله لملئه صحوة إسلامية وفورة يسارية، كلاهما يعارض النموذج الغربي، لكن كان التفوق للأولى لأنها مضادة أكثر للغرب المغضوب عليه ولأنها تتبنى إرثاً دينياً، فظهر جيل لم ير التطبيقات القديمة للحركات الإسلامية ولم يجرب فشلها، وصارت جذابة له مثلما كانت الليبرالية عند أجداده والقومية عند آبائه. فأظهرت الانتخابات المصرية الأخيرة تقدم الأخوان المسلمين..

هذه التغيّرات - خلال قرن - لم تتم وفقاً لمصالح شرائح المجتمع لأن الذي يقود هذه التغيّرات لا يمثّل هذه الشرائح عبر مؤسسات قدر ما يمثل نخباً مجتهدة تُحرك المزاج العام عاطفياً وفقاً لتأثير الصدمات؛ بل أن كثيراً من النخب هي ذاتها واقعة ومتهيجة تحت تأثير الصدمات والأزمات! ورغم أن الأزمات هي جزءٌ من السياق المعتاد، إلا أن الطبيعي أن تكون جزءاً مكملاً وليس أساسياً. إنما في أغلب العالم العربي صارت الأزمات هي المحرك الرئيسي.. فميول الرأي العام أو التصويت وفقاً للأزمة هو تصويت لما يُرفض وليس تصويتاً لما يوافق عليه.. أي أن نسبة كبيرة تصوت لهذا لأنها ترفض ذاك، وليس لأنها توافق الأول. وهذا الأول ينجح لأنه ضد الآخر الفاشل وليس لأنه يمتلك برنامجاً مقنعاً للحل. فيمكن القول: إن الرأي العام العربي كان ببداية القرن العشرين ضد الدولة القديمة الفاشلة.. وبوسط القرن كان ضد الاستعمار.. وبنهايته ضد الدولة العلمانية الفاشلة.. كلها توجهات مضادة وليست تأسيسية.. رد فعل وليس فعلاً!

الغالب بالانتخابات الحديثة أن المرشحين يمثِّلون قطاعات المجتمع عبر مؤسساته، وأن الناخبين يصوّتون لمن يمثّل مصالحهم خاصة الاقتصادية، ويرفع من مستوى معيشة الأغلبية. وخطاب المرشح يعبّر عن مصالح شرائح اجتماعية بمشاريع بديلة لتجاوز أخطاء المشاريع السابقة وليس لمضادتها.. أي برامج الفعل وليس رد الفعل. فتكون المنافسة على إقامة برامج وليس على نقض برامج الآخرين.. على الإثبات وليس على النفي..

مثلاً، أكثر من نصف الذين صوّتوا لباراك أوباما (حسب الواشنطن بوست) كان مبررهم هو برنامجه الاقتصادي ومشروعه في التأمين الصحي وليس لكونه يؤمن بأفكار معينة مضادة للجمهوريين، أو لأنه أسود من أصول أفريقية مسلمة، رغم أن ذلك له تأثير لكنه ليس الأساسي. فالعمال من أجل مصالحهم يصوّتون للبرامج اليسارية التي تدافع عن مصالحهم والشرائح تحت المتوسطة.. ورؤساء الشركات وموظفوهم يصوتون للبرامج اليمينية التي تمثل مصالح رؤوس الأموال.. وقطاع موظفي الخدمات يميل مع هذا الجانب أو ذاك حسب مصالحه.

إنما الميول بأغلب العالم العربي تتجه بشكل مختلف. أولاً: الغالبية الصامتة هي صامتة لأن أكثريتها غير ممثلة بمؤسسات مدنية.. ثانياً: الأحزاب والحركات السياسية تمثل أقليات مقابل الغالبية الصامتة، فهي ليست منبثقة من شرائح تمثلها ولا من مؤسسات تمثل هذه الشرائح بل من نخب مثقفة ومؤسسات نخبوية، أي أنها أشبه بجماعات ضغط (لوبي).

الفارق بين هذه الأقليات هو في الدرجة: أقليات عادية (الإسلاميون السياسيون)، أقليات صغيرة (الليبراليون)، أقليات ضئيلة (اليساريون والقوميون).. وهذه الدرجة تتغير حسب أزمات المرحلة حيث يتقدم أحدها على الآخر..

ثالثاً: الأحزاب والحركات السياسية مهمومة بطرح أجندتها الإيديولوجية وخطابها السياسي أكثر من طرح استراتيجية عملية وبرامج عمل ومشاريع تنموية.. منشغلة بالهوية أكثر من التنمية.. ومنشغلة بمضادة الدولة أكثر من التفاعل معها.. رابعاً: نتيجة هذا الفراغ المؤسساتي التمثيلي ونتيجة أن الجهات التشريعية (المنتخبون) لا تطرح في الغالب مشاريع واستراتيجيات واضحة، فإن الحكومات التنفيذية تغدو هي صانعة الاستراتيجيات وصاحبة القرار التشريعي وليس التنفيذي فقط.

إذا أخذنا المظاهر الأربعة وراقبنا الانتخابات (بلدية أو عامة) في العالم العربي، أو بعد تغيّر النظام (كما في تونس ومصر وليبيا) فإن الغالبية الصامتة لا ترى أن أمامها فروقات بين المتنافسين من ناحية مصالحها المباشرة. فإذا كانت الأحزاب لا تملك برامج عمل واضحة ولا تمثّل شرائح المجتمع بمؤسسات واضحة، فإن الفرق بينها يكون في الخطاب الذي تغدو له الكلمة الفصل. وهذا يفسر جزئياً كيف ازدهرت الخطابية العربية في التأثير بالرأي العام.. هذا ما جعل خطابات قادة القومية في مرحلة سابقة، وكاسيتات الدعويين الصحويين في مرحلة تلتها مثيرة للشجون ولاعبة بالعواطف.. عالم يعيش في الخطاب وليس في الواقع!

ميول الغالبية الصامتة في عالمنا العربي يتأثر بعاطفية الخطاب للتيارات المتنافسة تحت تأثير الأزمات.. فإن نجح صاحب الخطاب وتياره الإيديولوجي باللعب على الأزمات وتصدر المشهد السياسي فإنه سرعان ما يصبح جزءاً من الأزمة وليس جزءاً من الحل لأنه اعتمد على الأزمة وليس على حلها، ليظهر خطاب جديد يتسلق على أزمته تلك.. وحتى الآن يبدو أن المسلسل الحلزوني طويل لم ينته بعد.

alhebib@yahoo.com

كيف تتوجه الغالبية الصامتة؟
د.عبد الرحمن الحبيب

د.عبد الرحمن الحبيب

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة