Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناSunday 23/06/2013 Issue 14878 14878 الأحد 14 شعبان 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

إن قراءة متأنية لكيفية معالجة كثير من المشكلات الأمنية ودراسة متعمقة لتجارب ناجحة في دول سابقة تؤكد أن المعالجات العلاجية هي أضعف الأساليب المستخدمة وأكثرها تكلفة وإضراراً بالمجتمع،

وحالياً تتجه الدول المتقدمة في معالجة كثير من المشكلات الأمنية والاجتماعية من خلال التربية الوقائية عبر المؤسسات التربوية والتعليمية وبشكل رئيس المدرسة، فقد أثبتت التجارب والمشاهدات أن تأثير البرامج التربوية الوقائية كان له دور كبير في زيادة الوعي لدى الطلاب وبناء اتجاهات إيجابية نحو المشاركة الفاعلة في حماية المجتمع والأسرة والأفراد، وليس من المبالغة القول بأننا نستطيع أن تحقق من خلال المدرسة نتائج قد تتفوق بشكل كبير على جميع الجهود العلاجية وأساليب الحماية الأمنية، ومن الملفات التي نرى أن تعتني بها وزارة الداخلية من خلال التكامل الفعلي مع وزارتي التربية والتعليم العالي: مكافحة الإرهاب والتطرف، مكافحة المخدرات، مكافحة الجريمة، القيادة المرورية الآمنة، التربية الأمنية للأسرة.. بالإضافة إلى التربية الوقائية بمفهومها الشامل.

الإرهاب الفكري والتطرف ملف شائك يعتقد البعض أن التعليم بمعزل عن ذلك، غير أن المدرسة هي المسؤول الأول عن حماية المجتمع من الأفكار المتطرفة من خلال بناء النشء على المنهج الإسلامي المعتدل، وإكساب الطلاب مهارة التعايش مع الآخر، وتمكين الطالب الوعي والخروج عن بوتقة العائلة والقبيلة.

والمخدرات بكل مشكلاتها ملف شائك ومدمر، فالمملكة العربية السعودية متضررة بشكل كبير من الكم الهائل من المخدرات بكل أنوعها التي يتم تهريبها للأراضي السعودية ليس بقصد الاتجار بها فقط، بل لأهداف أخرى تستهدف تدمير الشباب السعودي أخلاقياً وقيمياً، وقد صرح الأمير نايف -يرحمه الله- في أكثر من مناسبة من أن المجتمع السعودي مستهدف في هويته وقيمة وأخلاقه، فالكميات التي تصدر للمملكة ليست بأي حال من الأحوال كميات تجارية.

والجريمة الفردية والمنظمة، والمرور وحوادث المرور قضايا، فمثلاً تؤكد الدراسات أن الذين تتم معالجتهم في مستشفيات الأمل لا يشكلون سوى نسبة قليلة من المدمنين، كما أن نسبة تتجاوز 60 % منهم يعودن للتعاطي والإدمان بعد الخروج من المستشفى، كما تظهر الدراسات أيضاً أن نسبة الذين يعودون للسجن في جرائم السرقة تتجاوز 55 %، وتظهر الأرقام أن عدد الجرائم التي تقيد ضد مجهول في المملكة العربية السعودية مرتفعة جداً مقارنة بالدول المماثلة، كما تشير الإحصائيات إلى أن نسبة الوفيات في المملكة العربية السعودية نتيجة لحوادث المرور تمثل الأعلى في دول العالم، وأن نسبة الطلاق في المملكة مرتفعة جداً في العام الأول من الزواج، وأخير فقد أثبتت التربية الوقائية نجاحاً باهراً مع الفئة الضالة ممن غرر بهم في بعض الأعمال التخريبية والإرهابية استجابة لدعوات مضلله كان لبرامج الإصلاح الفكري دور كبير في رجوع كثير من هذه الفئة إلى جادة الصواب، وغير ذلك من الأرقام والظواهر التي تعطي مؤشرات قوية بأن الأساليب العلاجية المستخدمة ذات فعالية محدودة في حيث تحقق البرامج الوقائية والتثقيفية نجاحاً مميزاً.

ومن الدلائل الواضحة على تأثير التربية الوقائية انخفاض نسبة التدخين وتعاطي المخدرات وتناقصها في الدول المتطورة في حين يتزايد هذا الرقم في الدول المسماة بالنامية وعلى رأسها دول الخليج العربي، وتعزى أسباب التناقص في الدول المتقدمة إلى أساليب التربية الوقائية المستخدمة في تلك الدول والتي تستعين بشكل رئيس بالتعليم بالنظامي والتثقيف الإعلامي ورفع مستوى الوعي الأسري، هذه الدلائل تؤيدها العديد من الدراسات والأبحاث التي تؤكد على أن التربية الوقائية هي الأسلوب الأمثل لمعالجة كثير من المشكلات الأمنية في المجتمع، وتحصينه من الانحدار والانحراف الأخلاقي والقيمي، وبناء المواطن الفاعل والمشارك في حماية نفسه وأسرته ومجتمعة من كثير من الأخطار الأمنية التي تهدده، وقد قيل “درهم وقاية خير من قنطار علاج”.

وفي المملكة العربية السعودية يلمس المتابع أن هناك انفصال شبة تام بين المؤسسات الأمنية والمؤسسات التربوية وأن التعاون بين الوزارات ذات الصلة كوزارة التربية ووزارة التعليم العالي مع وزارة الداخلية ووزارة الدفاع في المجالات التربوية محدودة جداً ولا تكاد تذكر وتقتصر في أحسن حالاتها على لجان شكلية تعقد اجتماعاتها عند وجود قضايا ملحة، ومبادرات من بعض الجهات الأمنية في اقتحام الوزارات التعليمية وتقديم بعض البرامج والأنشطة النادرة في المجالات الأمنية والسلوكية. ولذا فيمكن الجزم بأنه لا يوجد منهجية علمية منظمة في مجال تحقيق التربية الأمنية في التعليم العام مثلاً، كما أن البرامج التثقيفية للطلاب والطالبات في كثير من القضايا توشك أن تكون نظرية ليس لها تطبيقات علمية، كما أن قياس تأثيرها غير موجود.

وقد يقول قائل إن مناهج التعليم تزخر بالمفردات ذات الصلة في التثقيف الأمني والتربية الوقائية والتوعية الأسرية، وهذا الكلام نظرياً قد يكون صحيحاً غير أن المشكلة تكمن في أن كل ما هو موجود في المناهج هو متفرقات أو دروس نظرية تم توزيعها في المقررات الدراسية بناءً على رؤية المختصين في المادة من وجهة نظر أكاديمية بحته، وبالتالي فهي تفتقد للتنظيم البنائي المنهجي مع المواد الأخرى والتطبيقات العملية والأنشطة اللاصفية بحيث يمكن تحقيق أهداف التربية الأمنية بشكل تكاملي، ولذا لا نرى لها أثراً حقيقاً في حياة الطلاب والطالبات في سلوك المجتمع بشكل عام.

أن العمل في تحقيق الأمن للمواطن بأبعاده وتشعباته المختلفة عمل كبيراً ومتشابك وواسع جداً، ويتطلب تآزراً وتكاملاً من جميع فئات المجتمع أفراداً ومؤسسات لكي تسير سفينة المجتمع بأمن وسلام، فمبدأ الأمن الوقائي حتمية أمنية يفرضها بقوة الواقع المعاصر، فلا ينبغي أن تكون الأجهزة الأمنية فقط هي المسؤولة عن فرض الأمن في المجتمع فهذا أمر أثبتت التجارب صعوبة تحقيقه بالإضافة إلى الكلفة الباهظة جداً المصاحبة له، غير أن بناء مجتمع واعٍ مثقف أمنياً قادرٌ على الالتزام بقواعد الأمن والسلامة ومشارك فاعل في فرض الأمن والسلام في محيطه ومجتمعة وبيئته، ولذا لابد من مزيد من التكامل بين وزارة الداخلية والمؤسسات التثقيفية في المجتمع ومن أهمها وزارة الإعلام ووزارة التربية ووزارة التعليم العالي وغيرها من المؤسسات ذات الصلة بتنمية الوعي والمعرفة لدى المواطن، ولذا فمناهج التعليم العام والجامعي والبرامج التدريبية الحكومية والخاصة، والبرامج الإعلامية والبرامج التثقيفية للوزارة والهيئات والمؤسسات ينبغي أن تعنى بشكل تطبيقي بالوعي الأمني وبدور المواطن في المشاركة الفاعلة في حماية المجتمع وأمنه. أننا متفائلون بأن الأمير أحمد بما حباه الله من حكمة ورؤية لن يدخر جهداً في بناء القاعدة الأمنية من المدرسة ومن الجامعة ومن الوزارة ومن المؤسسة الأهلية والحكومية، وهذا في اعتقادنا منهج سار عليه سلفه الأمير نايف رحمة الله، وهو منهج تتطلبه المرحلة الحالية والمستقبلية.

وبفضل الله فقد أثبتت كثير من الأحداث التحام الشعب مع قيادته، ووعيه للعديد من محاولات التغرير والتشويه ورفضها وما الأحداث الأخيرة “يوم حنين” إلاّ دلالة قوية على التفاف الشعب مع قيادته حباً من هذا الشعب لقيادته وقناعة منه بسلامة المنهج والسيرة، فالأمير محمد بن نايف رجل عرفه الناس قائداً قوياً حكيماً حازماً يحرص بقوة على الالتزام بتعاليم الإسلام في كل أموره صغيرها وكبيرها، منطلقاً من رصيد عميق من العلم الشرعي والثقافة العامة، والأمير محمد بن نايف إداري ناجح جداً ذو رؤية إستراتيجية مع ذكاء حاد وذاكرة وقادة وقدرة متميزة في قراءة الأحداث الجارية واستشراف الأحداث المستقبلية، وهو موضوعي بالفطرة، فلا تعنيه كثيراً الأسماء البراقة والتقارير النظرية المتفائلة بقدر ما يؤمن بما يلمسه من الحقائق وما يراه على أرض الواقع، ولذا فالموضوعية في إصدار الأحكام والمتابعة الحازمة والمنضبطة في تطبيق النظام وإنجاز المهام دونما تمايز أو محاباة، سمات بارزة في سلوكه الإداري اليومي، والأمير أحمد موضوعي في أحكامه، وحريص على أن يتحقق بنفسه وبشكل خاص إذا كان الأمر فيه مظلمة لفرد أو لمجموعة، ولعل من اللطائف في هذا المجال تلك الشكوى التي وصلت إلى سموه من أحد السجناء يشتكي فيها من بعض الممارسات الخاطئة لدى إدارة السجن فما كان من سموه إلاّ أن ذهب إلى السجن وتحقق بنفسه واتخذ الإجراء الإداري المناسب لمصلحة الوطن والمواطنين.

بالرغم من طول المدة التي قضاها الأمير محمد بن نايف يحفظه الله جندياً مخلصا، وتلميذاً نجيباً في مدرسة المغفور له بإذن الله الأمير نايف، لم تظهر أي إشارة أو بادرة أو ملمح يشير إلى حياد ولو بنسبة ضئيلة عن ما يراه أخيه ووزيرة، وهذا فيه دلالة باهرة على مستوى عال من الجندية المنضبطة، والولاء الصادق، والثقة المطلقة في قيادته، غير أن شخصية القائد محمد بن نايف تبدو أكثر تجليّاً وإشراقاً بعد أن تولى يحفظه الله زمام الأمور في وزارة تمثل صمام الأمن والأمان والتنمية والاستقرار لهذا البلد الطيب المبارك، وهذا يذكرنا بسيرة أبطال عظام تجلت عبقرياتهم القيادية عندما وجدوا أنفسهم في مواجهة مع القيادية والتغيير كأمثال أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وعمر بن عبدالعزيز، والملك فيصل وغيرهم من النماذج القيادية الذين يبزغ نجمهم بقوة ووضوح عند الحاجة وعندما تدلهم الأمور، فتراهم يمثلون ركائز أمن واستقرار وقوة لمجتمعاتهم، هذا هو محمد بن نايف العضد الأمين والساعد القوي لأخيه المغفور له بإذن الله الأمير نايف بن عبدالعزيز، فلقد تسلم المسؤولية الكاملة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف في وقت تكاد الأبصار كلها تتجه نحو أهمية استقرار تقوية الصف الداخلي، وبناء الحصانة الذاتية ضد المؤثرات الخارجية، وإتاحة الفرصة كاملة للقيادة الرشيدة للإسهام في معالجة كثير من القضايا الساخنة على العالمين العربي والإسلام وعدم أشغالها بأي مشكلات أو فرقعات داخلية، إننا متفائلون من قائد فعّال أكثر منه قوّال كالأمير محمد بن نايف لإكمال مسيرة سلفه رحمه الله في إيجاد حلول نهائية لعدد من الملفات الأمنية التي لا تزال مصدر قلق وإرباك لمسير التنمية والتطوير في هذا البلد المبارك كملف المخدرات، الإرهاب، حوادث المرور، الجرائم والجنايات، وغيرها من الملفات ذات الأبعاد المتشعبة والتأثير السلبي على أمن وسلامة الموطنين.

التربية الأمنية: الجوهرة المفقودة
د. عبد الإله بن عبدالله المشرف

د. عبد الإله بن عبدالله المشرف

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة