Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناSunday 30/06/2013 Issue 14885 14885 الأحد 21 شعبان 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

الطريق من -الرياض- إلى -أبها- ماراً بعدة مدن وقرى وهجر ساعات طوال، تبتلعني صحراء وتسلمني لأخرى، عند وصولي إلى مشارف مدينة أبها لاحت لي هذه المدينة الفاتنة بغرتها البيضاء تفيض جمالاً وألقاً وبهاءاً وعمراناً، تغيرت هي أبها أصبحت أبها جديدة، الشوارع والأسواق

محشوة بالناس وبالمصطافين،الشوارع ازدادت طولا وعرضا أكثر من ذي قبل، في أول يوم لي في أبها كنت أدور بعيني بحثا عن التفاصيل الدقيقة لهذه المدينة، مشيت كثيرا قفزت من شارع لشارع، من تل إلى تل، ومن جبل إلى آخر، القرى حولها ليست بالصاخبة وليست بالمكتظة ولها هدوء يمنحك أحساسا بالدهشة وأنت ترى الوجوه السمراء لرجال بنوا الأرض وعمروها حتى حولوها إلى لؤلؤة رائعة تقبع في الجنوب، أبها مدينة خالية من الزحام الممل، متباهية بجدائلها الشقراء، لها عبق معجون من حب وريحان وياسمين، تحيطها رائحة الليل المبلل بالندى فينساب إليك الهواء عليلا مثل شلال صغير يعزف أنشودة الماء من غير هدير، مفعم أنا بحب هذه المدينة البهية، كلما أتجول فيها تستريح روحي ويسكن فؤادي ويأخذني التأمل بعيداً نحو السحاب، هناك في البعد المقابل لمحت حمائم ضلت طريقها إلى القباب، وأناس انسل بعضهم لبعض وذاب بعضهم الآخر خلف ظلال المآذن الكبيرة، لطالما أحببت صوت الأذان يسكب في أذني كرحيق سلام سماوي، أبي طيب الله ثراه كان يقول بأن صوت المؤذن يبعد الشرور ويطرد الشيطان، أغمضت عيني حينها عندما انعكس فيهما بريق الشمس والضباب والسحاب ورشات المطر كشظايا المرايا، بعدها غطى الضباب الكامد كل الألوان، كطفل يطارد الفراشات حاولت اقتناص لحظة انبعثت من بين أكوام الذكريات المبعثرة صورة رائعة لعصفورين منتشيين بحلمهما الصغير تحت زخات مطر جنوبي جميل، كم حاولت بعدها إيجاد تفسير معقول لكل ما يجري حولي من حراك، ما أكثر ما تداخلت الأشياء في رأسي واختلطت شأنها شأن اللوحات السريالية التي يفسرها كل بطريقته دون أن يعلم أحد على وجه الدقة ما قصده الرسام، عندما صارت الشمس تنورا أحمر دلفت إلى عمق المدينة من ظهر ذاك الجبل، حيث الشارع مكتظ بالناس والمركبات، الأذرع والأصوات منهمكة مابين البيع والشراء، عندها رأيت وجه رجل عتيق،كان كئيبا لكنه شامخ وجسده النحيل كشجرة تشيخ، في يده شيء تراثي يحاول إصلاحه وهو يدندن بفلكلور عتيق لم أتبينه بوضوح، صرت أهيم على وجهي أتوحد بالذرات حتى السابح منها في فراغ، مع خيوط الفجر خرجت من بين شقوق العتمة كقناديل البشارة، شعرت بتراب الأرض يحتضن أضلعي يهدهد عظامي بحنو، أغمضت جفني واستسلمت لنوم عميق، أفقت بعدها لأتذكر أن هذه المدينة كانت متناثرة، اليوم اهتزت وربت وأنبتت من مختلف حقول الإبداع الإنساني والعمراني شيئا مستساغا، وحتى صار شباها يحملون الشهادات العليا في مختلف الحقول والعلوم والتخصصات ويعتلون المناصب، أبها مدينة انبثقت براعمها اليوم وصارت تكبر وتميل بأغصانها نحو الضوء حالمة باتجاه التطاول، أبها مدينة تنسج من خيوط الحياة الكثير لتقهر الهضاب والجبال وتحيلهما إلى عناقيد ضوء وحبات لؤلؤ وشجر ياسمين وعقود فل وحقول عطاء، أبها مدينة عندما أدرت ظهري لها مودعا ذات يوم أحسست أن قلبي يلتفت إليها لفرط محبتها ولإيقاع حياتها الهادئ الذي يشعرني بنشوة غير، لكنني أظل أحملها معي إلى آخر شواطئ الحلم ونفس الحياة بعشق دائم ولأنها تسرقني بمحبتها أو ربما ثمة أشياء خفية أجهلها لما وراء هذه الألفة.

ramadanalanezi@hotmail.com
ramadanjready @

أبها.. المدينة التي تشبه قنديل البشارة!
رمضان جريدي العنزي

رمضان جريدي العنزي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة