Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناSaturday 03/08/2013 Issue 14919 14919 السبت 25 رمضان 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

للشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين قصيدتان حول العصفور.. الأولى وجَّهها للرسام (جاك بريفير) بعنوان: (كيف ترسم عصفوراً؟)، وجاء برسم معقَّد لا أظن أن له سوقاً في دنيا الفن التشكيلي، وهو يريد رسم ما لا يقدر عليه الرسم:

من هبوب الريح، وأصوات الحشرات، وغناء العصفور!!.. ولست والله أدري كيف يُظهر الرسم صوتاً مسموعاً؟!.. إنما يوحي وحسب بشيء يضحك أو يبكي أو يتنفس.. والفكرة بإيجاز: أن اللوحة تبلغ غاية السمو الفني إذا كانت مُعَبِّرة.. وهذا تنظير جيد فكرياً، ويتحوَّل إلى غاية جمالية إذا قَدِرَ النصُّ الفنيُّ على توظيف الفكرة بمقومات الإيحاء والألَقِ التعبيري ؛ وذلك هو التنظير للفن التشكيلي، ولكن المتلقِّي خرج بغربال وسيع الخروق لم يمسك شيئاً ؛ لأن القسم الأول من القصيدة جُمل نثرية سردية، والقسم الثاني لا يعني شيئاً.. أما النثرية المباشرة ففي قوله:

كي ترسم عصفوراً.

خذ قفصاً مفتوح البابْ.

واجعله على الورقة.

ثم ارسم شيئاً ما:

ظلاً.

أو وردة حَبٍّ

نافعةً للعصفور.

وضع اللوحة فوق الشجرة.

في روضٍ أو في غابة.

وتربَّص خلف الشجرة.

مختبئاً.

دون كلامٍ أو حركة.

حتى لا يرتبك العصفور.

أحياناً يأتي.

كالسهم سريعاً].

قال أبو عبدالرحمن: هذه نثرية يصحبها ما لا يعني شيئاً من وضع اللوحة فوق الشجرة، وانتظار قدوم العصفور.. ثم تأتي بقية القصيدة بما لا يعني شيئاً أيضاً:

[لكن.

يمكن أن تمضي سنوات [قال أبو عبدالرحمن: كيف يقدر الرسام على رسم مُضِيِّ سنوات؟!].

لا يأتي فيها.

لا تيأس.

فوصول العصفور سريعاً.

أو بُطْءُ وصوله.

لا يفسد سحر اللوحة.

وإذا ما جاء.

فلذ بالصمت المطبق.

لا شك.

سيدخل في القفص المفتوح.

فإذا ما دخل العصفور بلا ريبة.

أغلق باب الرسمة بالريشة.

ثم امح القضبان.

ولا تمسَّ ريش العصفور.

حتى لا ينفر منك.

خذ قلماً.

وارسم شجرة.

واختر أجمل غُصْنٍ للعصفور. ثم ارسم ورق الغصن الأخضر.

وهبوب الريح.

وشعاع الشمس.

وأصوات الحشرات العشبية في الصيف.

واجلس منتظراً أن يبتدئ العصفور بأغنية.

فإذا لم يفعل.

فاعلم أن اللوحة سيِّئة.

وأنك ذو فأْلٍ سيِّئ.

أمَّا لو غنَّى.

فدليلُ أنك محظوظ، وأنك تقدر أن تنزع من ريش

العصفور برفقٍ واحدة.

وتوقِّع اسمك في زاوية اللوحة].. (مجلة البحرين الثقافية/ العدد 30 أكتوبر/ 2001م ص 126 - 127.

قال أبو عبدالرحمن: إذا لم يكن العصفور في اللوحة فكيف تكون ساحرة، ولكنها تكون مُعَبِّرة عن الإفلاس إذا رسم أكثر من لوحة، والشاعر ههنا يريد لوحة واحدة !!.. ثم هل سيبقى رسمٌ اللوحة قبل إغلاق باب الرسمة، أو أنه سيرسم لوحة ثانية؟.. وهذا الذي قلت: (إنه لا يعني شيئاً ) مصحوب أيضاً بالنثرية التي أسلفتها وإن كان اختار تفعيلة الخبب المسترسلة ؛ فالنثرية في الجمل الخبرية، وجُملِ فعل الأمر المنثالة، وفي المناوحة بين (/5/5 ) و(///5 ) بلا لحن مستقرِّ الكوبليه.. نعم لا يعني شيئاً مهما كان الشيئ المرموز له بالعصفور.. لا يعني شيئاً سوى فكرة الاختيار لرسم العصفور بأن لا يكون حبيساً، وبأن يكون مُفْعَمَ الدلالة.. يعني الدلالة على أن الرسام أظهر في اللوحة شيئاً ما يدل على طول التربص بالعصفور، وأن القفص لم يحبسه، وأنه غَنَّى، وأن اللوحة أظهرت المسموع والمرئي معاً من آثار الطبيعة.. وكل هذه الدلالات كما أسلفتُ مشروعُ اقتراحٍ بأن تكون اللوحة موضوع قصيدة نابضة، ولكن النص أفلس عن الوفاء بكليَّة المشروع، ولا ريب أن الموسيقى والرقص والرسم: كل ذلك واسع الدلالة والإيحاء، ولكنها سعة محدودة لا تصل إلى ما لا حدَّ له في تعبير النص الفني، ولو أخذنا بهذا المشروع المقترح لدلالة الرسم لكنَّا نلتقي مع أشد الأفكار تخثُّراً، وذلك فكر سارتر عندما زعم أن الفنون الجميلة غير تعبيرية بكتابه (ما الأدب).. والقدرة على انتزاع ريشة العصفور لا مكان لها من الإعراب بأي دلالة تُعقل، ولكن بعض محترفي الشعر يبهر المتلقي بما لا يُفهم عقلاً بكل الوسائل الثقافية، ولا يُـحَسُّ جمالياً ؛ ليستمتع بدعوى أنه يقول ما لا يفهمه إلا الخاصة، وَلِيُلْقِيَ العبء على المُـتلقِّي بأنه ناقص الأداة.. ولقد قيل لأبي تمام: “ لم لا تقول ما يُفهم “؛ فأجاب بقوله: “ ولم لا تفهم ما يُقال”.. إلا أن زعيم الحداثيين في عصره وهو أبو تمام كان معذوراً ؛ لأنه يعني شيئاً.

والقصيدة الثانية للشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين بعنوان: “كيف اصطادوا عصفوراً “، وقد احتال على تفعيلة الخبب ؛ لتكون مرة (/5/5 ) ومرة (/5//5 )، ومرة (///5 ).. وكل هذا مقبول، ويحقق لحناً إذا استقر الكوبليه، ولكن ما ليس بمقبول أن تكون تفعيلة الخبب مرة (/5 ) ؛ فهذا لا سند له موسيقياً إلا بتحقيق لحن في نظام رتيب ولو في بضعة أشطر تكون (/5) في شطرٍ مقابلةً مكانياً لزميلتها في الشطر الذي قبل، والشطر الذي بعد.. والعصفور يصلح أن يكون رمزاً للضعيف، ورمزاً للطلاقة، ولكنه لم يكن مغنِّياً قط.. إنه ذو زقزقة، والزقزقة غير الغناء، ولو كان موضوعُ القصيدةِ الببغاءَ، أو الحمام ذا النُّوح الشجي لكان من الروعة الفنية بمكان قول الشاعر عن العصفور الذي اقتسموا جثته:

[ لكن.

لم يَقْدِر أحد.

أن يأخذ صوت العصفور].

إن في مشروع قصيدة العصفور الثاني صوراً جزئية مثل (النار السوداء ) و(تلاشى كالخيط )، و (تكفَّن بالريش ).. ولكن ما قيمة الصورة الجزئية إذا لم تكن لبنة في إيحاء فـنِّيٍّ عامٍّ دالٍّ.. قال شمس الدين:

[صيَّادُون أشداء.

ائتمروا كي يصطادوا عصفوراً.

فتواروا خلف الشجرة.

كمنوا خلف بنادقهم.

وهي معبأة بالنار السوداء.

جاء العصفور خفيفاً.

يتبختر فوق هواءٍ ساكن.

وخفيفاً حط على الغصن الآمن.

لم يدر المسكين بأن الحرب اندلعت ضده.

حين انطلقت في الصمت بنادقهم.

هلع العصفور.

وأُسقط في يده.

فتلاشى كالخيط.

وألقى فوق تراب الساحة خدَّه.

وتكَّفن بالريش ومات.

قاموا.

فاقتسموا جثته عظماً عظماً.

واقتسموا لحم قوائمه.

والبطن المبقور.

لكن.

لم يقدر أحد.

أن يأخذ صوت العصفور].( البحرين الثقافية / العدد 30 / أكتوبر عام 2001 م / 127 ).

قال أبو عبدالرحمن: أَوَ يحتاج العصفور إلى كل هذه البنادق؟.. ثم إن هذه الجمل النثرية الخبرية التقريرية المباشرة، وكل دلالة محتملة - دلالة لغة، أو إيحاء سياق، أو تداعي أفكار ومعانٍ: لا تُحقِّق إحساساً جمالياً بأي مدلول يُرمز له بالعصفور الضحية.. وهذا الحشد التقريري عن الصيادين المجتمعين لاقتسام جثة العصفور - مع عاديته، ونثريته، وليس فيه تصويرٌ فوق المألوف المعتاد - لم يثمر سوى فكرة:

[لكن.

لم يقدر أحد.

أن يأخذ صوت العصفور!].

قال أبو عبدالرحمن: وهناك بدعة القصيدة المرئية، أو المرئية المقروءة.. أي تعاون الرسم والكتابة المقروءة ؛ فلعل شمس الدين عجز عن هذه البدعة ؛ فتكلف أن يجعلها اقتراحاً على الرسام ؛ فجاء الاقتراح كما رأيتم، وإلى لقاء عاجل إن شاء الله، والله المستعان، وعليه الاتكال.

- عفا الله عنه -

عُصْفور شمس الدين
أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري

أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة