Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناTuesday 20/08/2013 Issue 14936 14936 الثلاثاء 13 شوال 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

تفاعل الأحداث في مصر قادني للتفكير فيما كتبته سابقا عن هذه الأحداث، فتطور الأحداث وتفاعلها لم يكن عفويا بل كان متوقعا، على الأقل للبعض منا، لاسيما وأن الانتهازية من قبل بعض الأطراف المتمرسة في المناورة والمراوغة استطاعت تضليل الجماهير حول نواياها الحقيقية التي اتضحت اليوم.

فالمصريون لم يثوروا على ديكتاتورية مبارك ليخلفوها بديكتاتورية الأخوان. والأغرب هو الدعم الغربي القوي والمتناغم لهم بالرغم من أنهم كانوا يصفونهم بالأمس بالإرهابيين. فقد كتبت في 29-6-33 تحت عنوان “أزمة الهويات الإيدلوجية” أنه عندما تكلم الأمريكيون عن الفوضى الخلاقة في منطقتنا لم يكونوا يتكلمون بالضرورة عن أنهم سيفرضون هذه الفوضى فرضاً، كما اعتقد الكثيرون، بل كانوا يتكلمون عن فوضى متوقعة ستحدث فيها حسب دراساتهم وتحليلاتهم، وكانوا يرون أن منطقتنا مقبلة على نوع من الفوضى تفرضها تغيرات في التوازنات والعلاقات الجيو-سياسية فيها خصوصاً بعد اختفاء إنشاء دولة طائفية في العراق سلموها لإيران. كما أن تونس، واليمن، وليبيا تشهدان تجاذبات وعلاقات سياسية غير مسبوقة مثل توحد اليساريين والإسلاميين في تونس، وعدم الاستقرار في ليبيا رغم اختفاء القذافي ومحاولة الإسلاميين احتواء العروبيين.. إلخ. وكذلك ظهور قوى وهويات جديدة لها ولاءات خارج محيطها العربي كما في اليمن والبحرين ولبنان.

وكتبت أيضاً: أن مصر تمثل حالة خاصة حيث إن ما تعانيه اليوم من مخاض لجمهورية مصر الثانية، كما تسمى، هو في الواقع مشكلة كبيرة في إعادة تحديد هوية مصر السياسية المستقبلية، مما يتسبب في عرقلة انتقال السلطة بشكل سلس لأي حكومة منتخبة جديدة مهما كان توجهها. فهناك صراع علماني ديني قوي ومتجذر في مصر يتصرف بموجبه الجميع سرًا ويتنصلون منه علنًا. فالشعب المصري كان يمر بمرحلة مخاض جعلته يفقد التركيز على بعض الأمور.

ثم كتبت بعيد سقوط حسني مبارك وإعلان الانتخابات المصرية أن الثورة المصرية ارتكبت خطأ كارثياً بعقد الانتخابات مبكراً في خضم عدم الاستقرار وقبل كتابة الدستور، ومرور مرحلة انتقالية، أي انها وضعت الحصان أمام العربية، لأن ذلك لم يحصل في أي ديمقراطية في العالم، ولأن هناك من يستعجل الوصول للسلطة. وكانت الدلائل جميعها تشير إلى فوز الأخوان المسلمين لأنهم لوحدهم منظمون، ولتعمق الشعور الإسلامي لدى المواطن المصري واستغلالهم اتهام كل معارضيهم بالانتماء للنظام السابق. وصور الأمر بشكل مختزل لفلول وأخوان.

فاز الأخوان وقدم مرسي خطبة رائعة عصماء وأعلن أنه رئيس لكل مصر فأيده الجميع بداية. ولكنه ما لبث وانتكس لحضن الأخوان واتضح أنه بدلاً من دمج الأخوان في السياسة المصرية، أراد أخونة السياسة في مصر. فأصبح يكرر لغة “الأنا” بنبرة التهديد للآخرين، وظهر أن هناك تغيراً ما في مواقفه، وشك الكثير من الفاعلين في الثورة أن الرئيس الجديد يعمل في ظل حاكمية المرشد، ويأتمر أمور الدولة منه.

ثم توج ذلك بكتابة دستور جديد سمي دستور 2012م بنفس أخواني خالص، وُدفع به للاستفتاء الفوري رغم اعتراض كثير من القضاة الدستوريين. وظهر أن الرئيس وحزبه يستعجلون احكام قبضتهم على مفاصل الدولة وتشريعاتها.

لكن القوى الأخرى، وسط استقالة عدد كبير من أعضاء اللجنة الدستورية العليا، ومقاطعة مسئولين آخرين، اعترضت على كثير من مواده وعلى وجه الخصوص تلك المتعلقة بصلاحيات رئيس الجمهورية وهي: رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية (مادة 132)، وهو يختار رئيس الوزراء (139)، ويضع السياسة العامة للدولة (140)، وهو المسئول عن الدفاع والأمن القومي والسياسة الخارجية (141)، ويرأس اجتماعات الحكومة التي يحضرها (143)، ويبرم المعاهدات الدولية (145)، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة (146)، وهو من يعين الموظفين المدنيين والعسكريين ويعزلهم (147)، ويعلن حالة الطوارئ (148)، ويعفو عن عقوبة المحكوم عليهم ويخففها (149)، ويدعو الشعب للاستفتاء (150)، وهو الذي يعين عشرة في المائة من أعضاء مجلس الشورى (129)، ويعين أعضاء المحكمة الدستورية العليا (176) ويعين رؤساء الهيئات الرقابية بعد موافقة مجلس الشورى (202)، ويرأس مجلس الأمن القومي (193). فقد اعتبرها كثيرون تكريساً لديكتاتورية قادمة بغطاء تصويت مستعجل.

وكذلك تم الاعتراض على مواد أخرى تضفي على الدولة صبغة اسلامية بحتة تناسب توجه الأخوان، ولا تناسب الاتجاهات الأخرى، وكذلك مواد اعتبرت مثار شبهة مثل تقليص عدد أعضاء المحكمة الدستورية العليا من 18 إلى 11 عضوا يتم تعيينهم جميعهم من قبل رئيس الجمهورية، أي أن الرئيس سيتحكم مستقبلا في كل الأمور الدستورية والانتخابية، وسيجمع السلطات كلها في يده. وتشكل هذه الخلافات الدستورية لب الخلافات في مصر.

وكنت كتبت في 2011م مقالاً بعنوان “الرومانسية السياسية”، بعد ذلك ذكرت فيه أن الشعوب في دول مثل مصر، وليبيا، وتونس تعرف بشكل أدق ما لا تريد وليس ما تريد، أي ما ترفضه فقط. فما لا تريده هو أن تعود الأنظمة السابقة ذات الطابع القومي وبرامج التحديث الفاشلة، وترغب في أن تستبدلها بقوى المعارضة المقموعة سابقاً لأنها تعتقد أن ما قُمع في الماضي هو بالضرورة الأصلح، وهذا خطأ منهجي في التفكير. فهذه القوى المقموعة في غالبها قوى ذات برامج تتبنى طروحات إسلامية، ودخلت السجون ليس لنشاطها السياسي بل لممارستها العنف والتحريض. ولذلك فالقوى الإسلامية هي التي ستتسنم السلطة في القادم من الانتخابات. هكذا كان توقعي.

وغاب عن البعض أن التوجهات الإسلامية مختلفة من حيث منطلقاتها، منها السلفي، والقاعدي، والطالباني، و شبه العلماني كتركيا.. إلخ. أما الأخوان المسلمون فلهم برنامج يناضلون من أجله منذ تأسيسهم كحركة إصلاحية في عام 1928م، وتطورهم لحركة سياسية لها جناح عسكري. وكتبت في مقالي السابق قبل أسبوع تحت عنوان “فكر بالخروج قبل الدخول” أن حركة الأخوان رددت أكثر من مرة على لسان كبار مسئوليها أنه ليس لديها الرغبة في المشاركة كحركة سياسية، أو الطموح للوصول لسلطة الحكم في مصر، فاللعبة آنذاك لم تكن مأمونة. وصرحت أن هدفها في المشاركة المتأخرة في الاحتجاجات كان الإصلاح السياسي فقط، بل أنها نبهت أنه لو حصل عنف ضد سياسة الرئيس مبارك، أو الدولة فهي ليست طرفاً فيه، فهدفها الإصلاح لا التغيير. ولكنها تصرفت بشكل انتهازي أمام السلطة التي قدمت لها على طبق من ذهب فحاولت القبض عليها بيد من حديد. ومارست اقصاء الآخرين بشكل معاكس، فهي انتقلت من دور الضحية للجلاد.

وكتبت أيضا قبل فض اعتصامات رابعة العدوية: “ الوضع مؤسف حقا، والخروج من هذه الأزمة أمر معقد جدا، ولا يمكن أن يحل إلا بالتوافق. فعودة الرئيس المعزول إلى السلطة قد يزيده قوة ونفوذا، ويقود لسلسلة من الانتقامات من خصومه خصوصا في الجيش والداخلية، وقد يعيد صياغة أنظمة البلاد بشكل أكثر تطرفا من ذي قبل. فعودة الرئيس تعد سيناريو محفوفاً بكثير من المخاطر على الجميع وعلى مستقبل مصر أيضا. والخيار الخطير الآخر هو فض الاعتصامات بالقوة، حيث يجب أن يكون آخر الخيارات، فهو سيغذي الحرب الدعائية ضد الجيش وقوى الأمن وقد يصب في مصلحة الأخوان في آخر الأمر.

والحقيقة أن الأخوان بتظاهراتهم واعتصاماتهم أجهضوا أي فرصة لتقديم حلول وسط للخروج من الأزمة. و يقوم متطرفيهم بمناوشة الجيش باستمرار استجداءً للهجوم عليهم وفض اعتصامهم بالقوة، فهذا ما يريدونه أصلاً.”

الوضع اليوم وصل نقطة اللاعودة، ولن تستقر الأمور على ما يبدو في المستقبل القريب، والأرجح أن يعود الأخوان المسلمون لممارسة العنف الإرهابي مرة أخرى، وهو أمر يجيدونه وسبق ومارسوه طيلة تاريخهم. فهم سبق وحاولوا اغتيال عبدالناصر، واغتالوا أنور السادات، وحاولوا اغتيال حسني مبارك. وواقع مصر هو أنها لا بد أن تتعايش مع عنف هذه الجماعة. والأهم اليوم أن تقدم الأطراف السياسية بتوافق الجميع بمن فيهم المعتدلون من الأخوان بدستور يرقى لطموحات الشعب المصري، وأن يقدموا وجوهاً سياسية نزيهة تعمل لخلق المستقبل المأمول لمصر.

latifmohammed@hotmail.com
Twitter @drmalabdullatif- أستاذ في جامعة الملك سعود

صراع الحسابات الخاطئة
د. محمد بن عبدالله آل عبد اللطيف

د. محمد بن عبدالله آل عبد اللطيف

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة