Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناThursday 29/08/2013 Issue 14945 14945 الخميس 22 شوال 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الثقافية

ومن أقوى الحجج التي أوردها لإثبات كون (كلا) مفردًا لا مثنى الإخبار عنه بمفرد، قال: «ومما يدل على أنّه اسم مفرد وليس بمثنًّى أنّ الإخبار عنه جاء كما جاء الإخبار عن الآحاد؛ فعلمت بذلك أنه اسم مفرد مصوغ للتثنية، كما علمت أنّ (كُلًّا) اسم مفرد مصوغ للجمع، فمن ذلك قوله:

كِلا أبويكم كان فَرعًا [دِعَامَةً

وَلكِنّهُمْ زَادُوا وَأصْبَحتَ نَاقِصَا]

وقال جرير:

كِلا يومَيْ أمامةَ يومُ صَدٍّ

وإنْ لم نأْتِها إلا لماما»(1)

وأقول إن من دلالات التثنية هذه الألف، وليس لفظ (كلا) بالمثنى المأخوذ من الواحد كرجل ونحوه بل هو كما قال الفارسيّ مصوغ على التثنية، فهو من حيث البنية مثنى، أخذ صيغة التثنية بالألف وأخذ معنى التعدد من (الكاف واللام) كما دلتا على التعدد في (كلّ) التي هي مثله قد تجاب بالإفراد كما قرر الفارسيّ نفسه وأورد الشواهد لها.

والفارسي يسوق تلك الشواهد في معرض ردّه دلالة الإخبار بمثنى على كون (كلا) مثنى فهي عنده واحد وإن أخبر عنه بمثنى، قال «ولو جاء شيء قد ثُنّي فيه الإخبار عن (كلا) لم يكن في ذلك دلالة على أنه مثنّى؛ لأن ما ذكرناه قد دلّ على إفراده، فإذا جاء مثنًّى كان محمولا على المعنى، كما أن (كُلًّا) قد حمل على اللفظ في نحو قوله إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم -93]، و?كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء-36]، وعلى المعنى في نحو كُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل-87]، وما أقلّ ما ترى (كلا) محمولا على المعنى، إنما تجده في أكثر الأمر محمولا على اللفظ. وقد قال الفرزدق، أنشده أبوزيد:

كلاهما حين جدّ الجري بينهما

قد أقلعا، وكلا أنفيهما رابي

فحمل على اللفظ وعلى المعنى. وقال الأسود بن يعفر:

إنّ المنية والحتوف كلاهما

يُفي المخارمَ يرقبان سوادي

فحمل (يوفي) على لفظ كلا، وحمل (يرقبان) على معناه»(2)

والإخبار بالمفرد عن (كلا) ليس نظرًا إلى أن لفظه مفرد بل لأن المراد كلّ واحد منهما، وهذا ما انتبه إليه الفارسيّ وردّه أيضًا، قال «فإن قال: ما تنكر أن يكون الإفراد في (كلا) للخبر لا يدل على أنه مفرد؛ لأن الكلام فيه محمول على المعنى، فإذا قال?كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ? [الكهف-33] فكأنه قال: كل واحدة منهما آتت، فالإفراد إنّما جاء فيه على هذا المعنى لا لأنه مفرد؟»(3)، ولكن الرد الذي يرد به ليس مقنعًا كل الإقناع، فهو معتمد على أنّ الأسماء التي تعامل مرة حسب لفظها وتعامل مرة حسب معناها لا تكون دائمًا محمولة على اللفظ أو تكون دائمًا محمولة على المعنى، وذهب يحتج بنظائر لها مثل (كلّ) و(مَن)(4). والحق أنّ ذلك لا يلزم؛ إذ المعنى هو المهم في تكوين التراكيب، فإن اقتضى المعنى الالتفات إلى الإفراد أخبر بالإفراد وإن اقتضى المعنى الالتفات إلى التثنية أخبر بالمثنى. أي أن (كلا) وإن كان لفظها دالاً على التثنية يجوز أن يخبر عنها بالإفراد التفاتًا إلى أحد المدلول عليهما بالتثنية، لأن (كلا) مفتقر في دلالته إلى إضافته إلى مثنى، فإن كان الإخبار معتبرًا فيه المضاف إليه جاء مثنى، نحو (الطالبتان كلتاهما نجحتا)، وإن كان الإخبار معتبرًا فيه إحداهما المفهوم من (كلتا) جاء مفردًا (الطالبتان كلتاهما نجحت)، فالمعنى الطالبتان كل واحدة منهما نجحت، والإفراد مطابق للفظ (كلّ) المفهوم من معنى (كلتا) و(كل) يعامل بالإفراد حسب لفظه، فليس في اللفظ من علامات الجمع ما يمنع ذلك. وهذا المذهب ليس بجديد فهو قول الفراء في تفسير الآية المذكورة، قال «وقوله: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها [33] ولم يقل: آتتا. وذلك أن (كِلْتَا) ثنتان لا يفرد واحدتهما، وأصله (كلّ) كما تقول للثلاثة: كلّ، فكان القضاء أن يكون للثنتين ما كان للجمع، لا أن يفرد للواحدة شيء فجاز توحيده على مذهب كلّ. وتأنيثه جائز للتأنيث الذي ظهر فى كلتا. وكذلك فافعل بكلتا وكلا وكلّ إذا أضفتهنّ إلى معرفة وجاء الفعل بعدهن، فاجمع ووحّد»(5).

والذي ننتهي إليه آخر الأمر أن (كلا/كلتا) مثنى لفظًا وأن الألف منه للتثنية، والتاء (كلتا) للتأنيث، وإذا أخبر عنه بالإفراد فذلك نظرًا إلى معناه أو بالتثنية فذلك نظرًا إلى لفظه ومعناه.

*** ***

(1) أبوعلي الفارسي، المسائل الشيرازيات، تحقيق:حسن بن محمود هنداوي(ط1، كنوز اشبيليا/ الرياض، 2004م) 1: 416.

(2) الفارسي، الشيرازيات، 1: 418-419.

(3) الفارسي، الشيرازيات، 1: 432.

(4) الفارسي، الشيرازيات، 1: 432.

(5) أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، معاني القرآن، تحقيق: أحمد يوسف نجاتى، ومحمد على نجار، وعبدالفتاح إسماعيل شلبى (الدار المصرية للتأليف والترجمة/القاهرة) 2: 142.

مداخلات لغوية
كِلا أمفرد هو أم مثنى (2)
أبو أوس إبراهيم الشمسان

أبو أوس إبراهيم الشمسان

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة