Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناWednesday 18/09/2013 Issue 14965 14965 الاربعاء 12 ذو القعدة 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

كما أنشد أبو تمام في قصيدته المشهورة في مدح الخليفة العباسي المعتصم بالله، بأن السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب، وباستخدام نفس منطق أبي تمام كذلك فالصورة أكثر تعبيراً..

..عن أي وصف بالكلمات للقاء الحار والابتسامات المتبادلة بين كل من وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، بعد اتفاقهم على مصير ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية، القاضي بتدميرها بحلول منتصف عام 2014 تحت مظلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يرخص باستخدام القوة العسكرية في حال فشل تنفيذ الاتفاق من قبل نظام بشار الأسد.

الملفت للنظر بأن الاتفاق أبرم من قبل الوزيرين الأمريكي والروسي بغياب تام للطرف الرئيس في المشكلة المتمثل في النظام الحاكم في دمشق. إن ما حدث لا بد من أن يرفع تساؤلات في غاية الأهمية والدلالة لغياب نظام الأسد عن اتفاق جنيف، لتكون روسيا المفاوضة عن نظام قتل وشرد وخرب ودمر البلاد والعباد بمنطق انه هو من يمثل الشعب السوري، فكيف غاب عنه تمثيله في جنيف في محادثات تمس سيادته في الصميم؟! وعلى هامش ما تم في جنيف من اتفاق أمريكي روسي بخصوص أسلحة سوريا الكيميائية فهل نحن بصدد سايكس بيكو جديدة لتقسيم النفوذ في الشرق الأوسط مع تغير كامل لوجوه الفاعلين الرئيسين فيها باستثناء الروس؟ فالروس كانوا الشاهد الرئيس لاتفاقية سايكس بيكو (Sykes-Picot Agreement)، ومثلهم فيها وزير خارجيتهم سيرجي دميترفيش سازانوف، ومثل القوى العظمى في ذلك الوقت -المتمثلة في بريطانيا وفرنسا- كل من السير مارك سايكس (Mark Sykes) عن بريطانيا، والدبلوماسي الفرنسي فرانسوا بيكو (Francois Picot). وقضت الاتفاقية التي أبرمت في 16 مايو 1916م باقتسام النفوذ في منطقة الشام والهلال الخصيب بين كل من فرنسا وبريطانيا. وبقيام الثورة البلشفية الروسية التي قضت على حكم القياصرة في روسيا بحلول أكتوبر 1917م تم الكشف عن أسرار اتفاقية سايكس بيكو. على كل حال فاتفاق جنيف جاء ليؤكد بأن الروس يعتبرون أن سوريا منطقة نفوذ لهم لن يتنازلوا عنها، ولكن غير المؤكد هل تم إبرام اتفاق سري بين الطرفين لتحديد مناطق النفوذ؟.

تاريخياً روسيا كانت موجودة في المنطقة بقوة خلال حقبة الاتحاد السوفييتي، ففي مصر كان هناك وجود سوفييتي عسكري مكثف تم إلغاؤه من قبل الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات بعد إبرامه اتفاقية سلام كامب ديفيد مع إسرائيل. كذلك كوَّن السوفييت قاعدة لهم في اليمن الجنوبي لم تسقط إلا بعد أن تخلى عنها السوفييت وقيام حرب الوحدة التي أعادت الشطر الجنوبي من اليمن للجمهورية اليمنية. ومن المؤكد بأن الروس انشغلوا عن منطقة الشرق الأوسط بسبب ظروفهم الداخلية في التسعينيات من الألفية المنصرمة، ظروف أدت في محصلتها النهائية إلى تفكك اتحاد الجمهوريات السوفييتية (USSR)، وقيام الاتحاد الروسي (RAUSSIAN FEDRATION). بيد أن الروس فطنوا بأن عليهم أن يغيروا جذرياً سياستهم الاقتصادية حتى يستطيعوا البقاء بعد أن تفككت إمبراطوريتهم المتمثلة بالاتحاد السوفييتي. ولعل أول من فطن لذلك هو أندريه خورياشوف آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي قبل تفككه، والذي قدم ثلاثة مفاهيم جديدة كانت فاصلة في تحويل الاقتصاد من تحكم الدولة إلى اقتصاد السوق. وهذه المفاهيم هي مفهوم الجلاسنوت (GLASNOST) التفتح السياسي، ومفهوم يوسكرني (USKORENIYE) تسريع النمو الاقتصادي، وأخيراً مفهوم برستوريكا (PERESTORIKA) إعادة البناء السياسي والاقتصادي. وجاء بوريس يلتسين كأول رئيس منتخب للاتحاد الروسي في يونيو 1991م وحتى استقالته في 31 ديسمبر 1999م، ليتولى السلطة رئيس الوزراء فلاديمير بوتين، لتأتي انتخابات 2000م لتنصبه رسمياً رئيساً للاتحاد الروسي. ليبقى في سدة الحكم منذ ذلك الوقت حتى الآن بالتداول مع حليفه وصديقه مديفيدف، حتى أن البعض أطلق عليه لقب قيصر روسيا الجديد.

من المؤكد أن بوتين حقق نجاحات اقتصادية هائلة، لعل أهمها تقليص عدد الروس الذين يعيشون تحت خط الفقر من 25% إلى 11% في عدد قليل من السنين، وتم تحسين إجمالي الناتج المحلي للفرد، جاعلاً من الفرد الروسي الثامن على المستوى العالمي ومن روسيا عضواً فاعلاً في مجموعة العشرين ومجموعة الثمانية. إن من جعل بوتين قادراً على تحقيق مثل هذه الإنجازات الضخمة لدولة كانت تعتمد على اقتصاد تديره الدولة هو حقيقة أن روسيا لديها احتياطات هائلة من البترول والغاز وصناعات متقدمة للغاية خصوصاً في مجال صناعة الفضاء والأسلحة التقليدية والنووية وبإنتاج زراعي غاية في الضخامة.

روسيا الجديدة ذات الاقتصاد الحر قطعاً لن ترضى بأن تتقوقع على نفسها، بل هي في حاجة ماسة لأسواق ومناطق نفوذ، بيد أن الفرق بين الأمس واليوم هو أن روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي سيكون نفوذها اقتصادياً ومن ثم عسكرياً، لا كما كان الحال في الفكر الايدولوجي الشيوعي السابق المتمركز على تسويق الفكر الشيوعي.

المؤشرات تؤكد بأن روسيا تعافت اقتصادياً ولملمت جراح ماضيها ولن ترضى بالفتات من النفوذ وتسعى جاهدة لتأكيد أجندتها على الجميع.

لقاء سيرجي لافروف مع كيري في جنيف يبدو كأن أمراً غير ما أعلن قد تم بين الطرفين، لعل المفارقة التاريخية تكمن في أن وزير خارجية روسيا الشاهد على اتفاقية سايكس بيكو كان اسمه سيرجي كما هو اسم وزير خارجية روسيا في اتفاق جنيف، بفارق سبعة وتسعين عاماً الفاصلة بين سايكس بيكو وجنيف، كما أن سيرجي الأول كان شاهداً بيد أن سيرجي الثاني كان عراب الاتفاق، وربما شريك في تقاسم نفوذ لشرق أوسط جديد تؤكد كل مؤشراته وحقائقه بأن الروس قطعاً قادمون!!!

Alfal1@ hotmail.com
باحث اعلامي

سايكس بيكو 2013 “الروس قادمون”!
د. محمد بن يحيى الفال

د. محمد بن يحيى الفال

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة