Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناSaturday 21/09/2013 Issue 14968 14968 السبت 15 ذو القعدة 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

قال أبو عبدالرحمن: التقميش في عرف متأخري العلماء بمعنى تجميع العلم من هنا وهناك، وأصل هذا الاستعمال من باب اشتقاق الفعل من الاسم؛ فالاسم (القُماش) وهو معروف في لغة العرب وعُرْف الأجيال، ثم اشتقوا فعل (قَمَّش) بفتح الميم المضعَّفة بمعنى جمع القماش من ههنا وههنا،

ثم توسعوا في معنى المادة والصيغة؛ فجعلوهما بمعنى جمع الشيء وإن لم يكن قماشاً من ههنا وههنا.

قال أبو عبدالرحمن: زيادة المبنى لزيادة المعنى، وتجميع العلم من بطون الأسفار المتباينة يحتاج إلى زيادة جهد؛ فناسب لذلك صيغةُ قَمَّش بتضعيف الميم.. والتقميش ضرورة حتمية لطالب العلم؛ لأنه يوجد نِثارٌ من المعارف البشرية يرد في غير مظانِّه؛ فكتاب في اللغة كتاج العروس تجد فيه نوادر تتعلق بالتراجم، أو كتهذيب الأزهري تجد فيه نوادر تتعلق باللغة أو الحديث، وكتاب في شرح الحديث تجد فيه نوادر في المعارف شتى.. وهناك كتب في المتفرِّقات العلمية ككتاب بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية وأمالي السهيلي، ويحْلو منها ما صَحِبَه التحقيق والأمانة في توثيق النصوص ونِسبتها إلى أهلها، وهناك موسوعات وكتب متفرقات أدبية كنهاية الأرب ومباهج الفكر؛ فالتقميش من هذه الكتب ضرورة حتمية للعالم الجاد ليوحِّد موضوعه، وليبرمجه منهجياً، وليثريه بالنوادر والشوارد.. وقد رأيت لطلبة العلم مناهج مختلفة كمنهج المعاصرين بطريقة ما يسمونه (الفِيَشَ)، وهو منهج حِرَفي آليٌّ ليس فيه طعم العلم أو الشوق إليه؛ فترى أحدهم إذا خطَّط له المشرف على أطروحته برنامج البحث أخذ قصاصات ورق (فِيش)، ووضعها في أضابير، وصار يسجل بها مواد بحثه تنصيصاً أو إحالة؛ فإذا استفرغ وُسْعَه في البحث رتَّب فيشه حسب مخطط البحث.. وهذه الفِيش لا أَعُدُّها تقميشاً، بل هي فِهْرست له، والعيب في ذلك أنها مرهونة بمناسبتها؛ فتكون أطروحةُ هذا كموظف الأرشيف يُرتِّب معلومات ولا يستجلب مجهولاً.. على أن التقميش ضرورة لازمةٌ طالبَ العلم على مدى عمره، ويفوق الترتيبَ عُمْقُ البحث؛ ولهذا كانت الأطروحات منزوعة البركة قليلة الجدوى إلا في الأقل النادر، وتالله ما رأيت العمق والمتعة إلا في مباحث العلماء الفوضوية التي يقلُّ فيها عنصر التحذلق في الترتيب، ويكثر فيها الاستطراد والتداخل؛ فإذا اطلعتَ على أطروحة عن تحقيق مخطوطة، أو ترجمة عَلَمٍ وجدت نصف العمل استطراداً بذكر عصر العَلَم ومتغيِّراته؛ فهذا فضول، وإنما تأخذ منه ما تمسُّ إليه الحاجة في أثناء البحث.. وأولئك العلماء الأفذاذ رحمة الله عليهم تتدفق معارفهم، ويكون همهم مادة البحث أكثر من ترتيب الوشل القليل، بل تكون عملية تنظيم الأرشيف للقارئ.. وهناك علماء كانت بداية تفوقهم بتنظيم معارف شيوخهم وأئمتهم، وعلى هذا كان عمل الباقلاني والجويني مع كتب الأشعري، وهكذا عمل ابن قيم الجوزية مع كتب شيخه ابن تيمية، وهكذا عمل الحميدي فيوايته عن شيوخه من أمثال ابن عبدالبر وابن حزم.. ومن مناهج الندماء المتذوقين أن تجد مصادرهم في مختلف المعارف لا تزيد على العشرات؛ فهذا المنهج ينتقي المصادر التي تستبدُّ باهتمامه، ودوره أن يقرأ الكتاب من ألفه إلى يائه أو يتصفحه ثم يخط تحت كل نص يهمه خطاً، ثم يُعاوده في أوقات متباعدة ليحفظه أو يستذكره أو يتفهَّمه، وهؤلاء مذخورهم من المحفوظ كثير جداً؛ لأن غرضهم من التقميش الحفظ والمنادمة، وليس غرضهم التأليف، ويُسْتكثر من الحافِظ النديم ما يُستقَلُّ من المؤلف.. ومن المناهج منهج مؤلفي الكناشات من المغاربة ومؤلفي المتفرقات من المشارقة؛ فصاحب هذا الصنف يقرأ ما وقع تحت يده من مختلف المعارف؛ فإذا وجد نصَّاً يعجبه بَيَّضه ودوَّنه في حينه، وصحبه بالتعليق، وربما ترك فراغاً بين النصوص ليضيف تعليقاً أو نصاً مجانساً؛ فإذا مَرَّ به عدد من السنين، ووجد تقميشه حافلاً بالنوادر والتعليقات دفع به للنساخ باسم كناشة فلان، أو اختار له عنواناً يَنْظِمه في سلك المتفرقات العلمية أو الأجناس الأدبية.. وربما استل من كناشته تأليفاً مستقلاً يثريه بتأمله الفكري بعد أن فرغ من المراجعة وجمع المعلومات، وهذا منهج جيد أستحبه وأدعو إليه بشرط أن يكون نوعاً من التقميش وليس هو التقميش كله.. ومن أئمة التقميش في هذا المجال الإمام بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي [645-794].. قال عنه ابن حجر العسقلاني : “وكان منقطعاً في منزله لا يتردد إلى أحد إلا إلى سوق الكتب، وإذا حضر إليها لا يشتري شيئاً؛ وإنما يطالع في حانوت الكتبي طولَ نهاره ومعه ظهور أوراق يعلق فيها ما يعجبه، ثم يرجع فينقله إلى تصانيفه “[الدرر الكامنة 4-18]، وذكر الأسدي عن البروماوي أن شيخه الزركشي مكفيُّ أمور دنياه من أقاربه.

قال أبو عبدالرحمن : وممن سار على هذا المنهج من المعاصرين الدكتور شلبي فهو يُكثر الإحالة إلى عشرات المصادر، بل مئاتها، ولا يقتني مصدراً رجَع إليه إلا أن يكون وصل إليه إهداءً، وقد حدثني بذلك مشافهة.. وأما الذين يحرصون على اقتناء الكتب النادرة ولو غَلِيَتْ أثمانها ثم يقمشون بطريقة الزركشي فَقِمَّتهم شيخنا العلامة الحجة الثبت عبدالفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى؛ فكان يُفرِّق النصوص التي ينقلها في ظروف، ويكتب على كل ظرف عنوان البحث، وكان يحك العلم حكاً، ويثري الكتب التي يُحقِّقها أو يؤلفها بالفهارس الفنية، ومن ضمنها الفوائد العلمية - وهي نفسها كُنَّاشة - كما في فهارس ميزان الاعتدال.. وقد رأيت طريقته هذه وأُعجبتُ بها وطبقتها في المباحث التي أفكر في التأليف فيها أو تمحيصها، وقد حفلت مكتبتي ولا تزال بعشـرات الأظرف من هذا التقميش إلا أنها بدأت تتلاشى عندما أدرجتها في مؤلفاتي؛ فأبو غدة رحمه الله معلمي في هذا المجال، وكم له عندي من يد بيضاء.. ومن المناهج منهج التهميش على الكتب وهو الغالب عند العلماء، ولقد أدركت الشيخ ابن مانع رحمه الله يُعْنى بالتهميش، وأدركت شيخي حمد الجاسر يشغل هوامش كتبه بنوادر التعليقات والإشارات، وحدثني الشيخ أبو تراب الظاهري أن نسخة الشيخ محمود شويل من كتاب الفصل لابن حزم رحمهما الله حفيلة بالتعليقات؛ فلو جُرِّدت لكانت تأليفاً مستقلاً، ومن هذا الصنف فقيه الحنفية سعد بن عيسى بن أمير خان فقد ذكر عنه جامع حاشيته على شرح العناية ما نصه: “إلا أن ذلك الأستاذ لم يرتب ما زبره من التصرفات الشريفة والاعتراضات اللطيفة في تطبيق الدلائل وتوفيق السائل، ولم يبوب ما استنبطه من القواعد المفيدة المتعلقة بالعلوم العربية وما التقطه من الفوائد العديدة اللازمة في الفنون الأدبية، بل اكتفى بالكتب على هوامش كتبه المتفرقة بخطه الجميل وتحريره الجزيل، لكن سلك في تحرير أكثر المباحث مسلك صنعة الإيجاز فأعجز الناظرين، وفي بعضها مشى على طريقة الإطناب فأورث التعجب للماهرين”.. إلى آخر كلامه [شرح فتح القدير 1-3]، وعيب هؤلاء الفضلاء الإطالة بفضول القول وكثرة السجع.. وأذكر أيضاً عثمان بن سليمان السويفي الشافعي جرَّد حواشي شيخه سليمان البجيرمي على شرح محمد الشربيني الخطيب المعروف بالإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، وجعل هذه الحواشي كتاباً سماه تحفة الحبيب على شرح الخطيب.. وهكذا كتاب (التجريد لنفع اعبيد) للبجيرمي جرَّده من حواشيه على شرح منهج الطلاب وحاشية الشبراملسي عليه، وهكذا جرَّد محمد بن أحمد السويري حاشية أبي العباس أحمد الرملي من تهميشه وتحشيته على نسخته من أسنى المطالب لزكريا الأنصاري.. وأكثر ما تجده في كتب التراجم من قولهم: (رأيت بخط فلان، أو نقلت من تعليقة فلان) فهو من الحواشي والتهميشات، وكل تعليقات النساخ على المخطوطات من هذا الباب.. وهذه طريقة لا يستغني عنها طالب العلم، إلا أنها تقتضي من العالم أن يفهرس لهوامشه على مختلف الكتب.. ومن المناهج أيضاً أن يضع خطاً تحت ما يعجبه أو يهمُّه ثم يسجل عنوان البحث ورقم الصفحة في باطن غلاف الكتاب؛ فإذا انتهى من نقله في زمنٍ ما حَوَّق على مكانِ الإحالة، ولقد ملأتُ أغلفةَ كتب ابن حزم بهذا المنهج رحمني الله وجميعَ مَن ذكرتهم، وكنت أحسبني مبتكر هذه الطريقة لولا أنني سمعت من معالي الدكتور الخويطر أنه يطبق هذا المنهج، وللأسف ضاعت هذه التقميشات بالتقريظ في مكتبتي القديمة تحت ضغط الحاجة المالية، وهذا بلا ريب منهج مُرِيح للعلماء الذين ابتلعتهم الوظيفة والمنصب.. وهناك منهج الإحالة؛ فإذا وجد نادرة في غير مظنتها أحال إليها في مظنتها، مثال ذلك أن تجد في كتاب ذخيرة الصابرين لابن قيم الجوزية بحثاً عن التصبُّر والتفعُّل؛ فحينئذ ترجع إلى مادة (صبر) في القاموس وتكتب على الهامش: انظر ذخيرة الصابرين ص كذا، ثم ترجع إلى شرح الاستراباذي في الصرف فتكتب في الهامش إزاء (تفعَّل) انظر ذخيرة الصابرين ص كذا، وهكذا وهكذا.. والعالم الجاد من يستفيد من كل مناهج التقميش ويُطبِّق جميعها، وإلى لقاء عاجل إن شاء الله، والله المستعان، وعليه الاتكال.

- عفا الله عنه -

قَمِّشُوا يُبارَكْ لكم
أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري

أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة