Friday 15/11/2013 Issue 15023 الجمعة 11 محرم 1435 العدد
15-11-2013

ربط منطقة أبها الحضرية بسكة حديد .. ولماذا؟

تابعت كما تابع غيري زيارة سمو أمير منطقة عسير وبصحبته أعيان منطقة عسير جامعة الملك خالد في مقرها الجديد في الفرعاء والتي تبعد عن مدينة أبها حوالي ثلاثين كيلومترا هذا المقر الذي أوشك على الانتهاء بعد طول انتظار زاد عن ثلاثين سنة وما كان له أن يصل إلى المرحلة التي وصل إليها لولا الاهتمام الشخصي والمباشر من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله - حفظه الله - الذي تابع المشروع منذ وضع حجر أساسه في عام 1419هـ أثناء زيارته للمنطقة وهو لا يزال ولياً للعهد والذي أعلن بشجاعته المعروفة عن إطلاق اسم أخيه الملك خالد بن عبدالعزيز - رحمه الله - على هذه الجامعة بدلاً عن أن تحمل اسمه وهذه الأثرة الرائعة قل أن تجد لها مثيلاً إلا منه من طراز عبدالله القيادية.

كنت أتابع هذا المشروع الحلم منذ أن كنت طالباً في سنتي الأولى التحضيرية لدرجة الماجستير في جامعة كنساس عام 1976م حين أعلنت جامعة الملك سعود عن إنشاء فرع لها في منطقة عسير وتحدد إقامة هذا الفرع في هذا الموقع الجميل الذي أعرفه منذ أن كنت صغيراً أرعى فيه غنم أهلي، ولاختيار هذا الموقع الذي لم يكلف الدولة قرشاً واحداً قصة جديرة بأن تحكى ولكن ليس في هذا الحيز المحدود.

كنت أحلم وأنا أتجول في طرقات وممرات وردهات جامعة كانساس ذات الموقع على تلال مرتفعة تشبه إلى حد كبير تلال وهضاب (دلغان) وهو اسم المكان الذي أقيمت عليه مباني جامعة الملك خالد وهذا الموقع يعد من أجمل المناطق السياحية في منطقة عسير، حيث يحده منتزه الفرعاء من الجهة الغربية ومنتزه دلغان من الجهة الشمالية ومدينة المسقي وما جاورها من القرى الجميلة من الجهة الجنوبية تمتد في أقصى الجنوب إلى مدينة تمنية ذات الموقع الرائع وذات الطراز المعماري الفريد.

كنت أحلم وأتخيل أن أرى جامعة منطقة عسير في هذا الموقع المتميز تكون على غرار جامعة كنساس التي مكثت بها ما يزيد قليلاً عن أربع سنوات كانت تصلني رسالة جامعة الملك سعود الذي كان يصدرها قسم الإعلام بالجامعة وفي أحد أعداد تلك الرسالة حمل مخططا لجامعة عسير يحمل تصوراً رائعاً لما ستكون عليه الجامعة وزاد من تطلعاتي وجعلني أتجاوز الحلم إلى ما سيكون حقيقة، ولكن الحلم طال وكاد أن يشيخ كما شخنا وأن يموت المرء قبل أن يتحقق حلمه.

أنعش في نفوسنا تحقيق ذلك الحلم وضع حجر الأساس على أيدي عبدالله بن عبدالعزيز في عام 1419هـ صحيح أن فترة طويلة تزيد عن 16 عاماً ما بين وضع حجر الأساس وما تم إنجازه من هذا المشروع الحلم الذي جاء على لسان مدير الجامعة أثناء زيارة الأمير والأعيان لموقع المشروع الأسبوع قبل الماضي بأنه سيتم الانتقال إلى بعض كلياته في نهاية عام 2014م.

كنت أسأل دائماً عن تقدم العمل في هذا المشروع الحلم ولكن لم أرغب في زيارته خوفاً على خدش ما تبقى في النفس من أمل في رؤية تحقيق ذلك الحلم الذي كنت وبعض الأخوة كثيراً ما تحدثنا مع سمو الأمير خالد الفيصل أمير منطقة عسير السابق ومهندس نهضة عسير الحديثة الذي كان يشاطرنا أحلامنا ويحدثنا عن مشاركته مع مخططي بناء الحرم الجامعي وطلبه منهم وضع مواصفات مختلفة لتنفيذ بناء الجامعة وطريقة وضع قاعات المحاضرات بها، بحيث تستوعب الطلاب والطالبات دون أن يكون بينهما أي نوع من أنواع الاختلاط على أن يكون المحاضر واحدا.

إنه أمير سبق عصره فله منا عظيم الاحترام والعرفان ولخلفه منا كامل الدعاء بالتوفيق.

في اليوم الثاني من أيام عيد رمضان الماضي قررت وبصحبة أحد الأصدقاء أن نقوم بزيارة للموقع لاسيما وكنت أرى مبانٍ أصبحت ترتفع شاهقة تتجاوز ارتفاع الجبال التي بعضها داخل أرض المشروع نفسه.

كلما مريت بتلك الجهة في طريقي إلى المسقي أو الفرعاء أو حتى إلى أبها كانت رؤية ارتفاع تلك المباني تنعش الأمل.

دخلت وصاحبي ومعه ابنه الصغير نواف الذي لا يتجاوز الثامنة من عمره أرض المشروع وأول ما رأينا مبنى الإدارة الذي أوشك على الانتهاء في بناء شاهق جميل ثم تجاوزناه عبر ممرات ترابية شقت عبر الصخور إلى مبان على اليمين وعلى اليسار وهي عبارة عن كليات صممت فيما أعتقد بشكل جميل، ثم آثرت وصاحبي وابنه أن نترجل ونمشي على أقدامنا عبر تلك الممرات الصخرية ووصلنا إلى تلة مرتفعة تكاد أن تكون مطلاً على كافة أرض المشروع، وكان الجو غائماً ملبداً بغيوم كثيفة وآثار المطر الذي سقط على ذلك الموقع في صبيحة ذلك اليوم والليلة التي سبقته لازالت مياهه تجري بين الصخور وما نسميها بالوقران جمع وقر وهي الحفر الموجودة بالصخور مملوءة بالمياه ويوم أن كنت صغيراً أرعى غنم أهلي بصحبة رعيان وراعيات، ذات صيف في هذا الموقع كانت هذه الوقران هي مصدر ماء شربنا والغدران أماكن سباحتنا ومن ثمار النباتات البرية جزء من مصادر غذائنا.

وقفت لحظة تأمل وتذكر وشكراً لله سبحانه وتعالى أن وصل المشروع إلى هذا القدر. أخذتني موجة عاطفية جيّاشة وجدت نفسي غير قادر على الكلام فاعتذرت من صاحبي وابنه وذهبت إلى حيث تجمع صخري وأفرغت ما كان بي من شحنات عاطفية وسجدت لله شاكراً أن نواف ابن صاحبي وإخوانه وأخواته وأن حفيدتي نورة وأحفادي محمد وعبدالعزيز ونواف وسلطان وكل أبناء أهلي في منطقة عسير، بل كل أبناء أهلي من كل أنحاء المملكة سيكون لهم موقع دراسي في مكان محترم يليق بإنسان يرنو إلى حياة أفضل وجميلة، كان ذلك اليوم من أيامي السعيدة. علمت من زملائي بعض منسوبي جامعة الملك خالد بأن عدد طلاب وطالبات الجامعة يزيدون في الوقت الراهن عن ثمانين ألف طالب وطالبة وأن عدد أعضاء هيئة التدريس سيربو على العشرة آلاف دعك عن أسرهم وأبنائهم وأن المستشفى الجامعي صمم ليكون متسعاً لأكثر من ثمانمائة سرير وقس على ما سيكون عليه عدد الأطباء وهيئة التمريض والخدمات الطبية المساعدة وحتماً سيكون بالجامعة العديد من مراكز البحوث وأنها ستضم أكبر مقار للمؤتمرات المحلية والدولية يعني ذلك بأنها ستكون مدينة كبيرة ذات طابع مختلف وذات بيئة مختلفة وستكون واحدة من أكبر المدن الحديثة في منطقة عسير وستكون منها وإليها حركة غير عادية كيف يمكن أن تنظم الحركة منها وإليها إذا لم يبدأ التفكير وبشكل جدي وسريع من قبل الجهات المختصة كل فيما يخصه فهناك أعمال مشتركة بين القطاعات الحكومية المختلفة مثل وزارة النقل ووزارة البلديات وأمانة منطقة عسير ووزارة المياه ومصلحة الصرف الصحي ووزارة الزراعة وهيئة المتنزهات. السؤال ماذا أعدت هذه الجهات لمواجهة متطلبات هذه المدينة الجامعية الكبيرة والذي حدد بداية الانتقال إليها بنهاية عام 2014م يعني أقل من سنة ولا نترك الأمور وكالعادة إلى أن نواجه المشكلة لم لا نعرف كيف نتعامل معها أو يصبح التعامل معها فيما بعد مكلفاً دعونا لو مرة واحدة نعتمد تكاملية التخطيط لكي يصبح لدينا نموذج يحتذى ولتكن مدينة جامعة الملك خالد في منطقة عسير ما سيكون النموذج الذي يحتذى.

لمن لا يعرف ماذا تعني أبها الحضرية.

أبها الحضرية تضم أكبر منطقة بها تجمع سكاني على مستوى منطقة عسير في هذا التجمع الحضري تقع مدينة أبها عاصمة الإقليم ومدينة خميس مشيط أكبر مدينة تجارية في منطقة عسير ورابع أكبر مدينة على مستوى المملكة ومحافظة أحد رفيدة أكبر محافظة من حيث النمو السكاني. يضم هذا التجمع الحضري، أبها الحضرية، أكبر مدينة عسكرية بها العديد من المستشفيات العسكرية التي تقدم خدماتها للجميع بين محافظتي خميس مشيط وأحد رفيدة وأكبر قاعدة جوية وأكبر تجمع للعديد من الألوية العسكرية من مشاة ودفاع جوي ومدارس عسكرية مختلفة يتوسط هذا التجمع، أبها الحضرية، مطار أبها الإقليمي والذي يخطط له أن يكون مطاراً دولياً ويعد في الوقت الحاضر رابع أكبر مطار بعد مطار الملك خالد في الرياض ومطار الملك عبدالعزيز في جدة ومطار الملك فهد في المنطقة الشرقية.

وإلى الشمالي الشرقي من مدينة جامعة الملك خالد يقام حالياً مدينة الملك فيصل الطبية والتي ستصبح واحدة من أكبر المدن الصحية أو الطبية على مستوى المملكة وستكون مكان استقطاب للعديد من السكان من كل أنحاء المنطقة والمناطق الجنوبية المجاورة. في هذه المنطقة الحضرية تقع أهم المواقع السياحية السودة في الشمال الغربي من مدينة أبها والفرعاء والمتنزهات المجاورة لها والحبلة وما يجاورها من المتنزهات في الجنوب والجنوب الشرقي من مدينة الملك خالد الجامعية ومدينة جرش التاريخية في الشمال الشرقي من مدينة أحد رفيدة. تقدر مساحة أبها الحضرية بحوالي ألف كيلومتر مربع وضع لها الآن مخطط طريق دائري ربما يتم القيام بتنفيذه قريباً يربط هذه المساحة في الوقت الراهن شبكة طرق تتفاوت جودتها ما بين الجيد وما دون ذلك وتشهد هذه الطرق حركة نقل كثيفة تزداد حدتها في فصول الصيف، حيث لا وسيلة متوفرة غير السيارات التي أصبحت معظم الطرق غير قادرة في استيعاب كثافتها وليس من السهولة القيام بصفة دائمة بتوسيع تلك الطرق لما يعتري ذلك من مشكلات وتكلفة عالية.

إذاً والحالة هكذا وفي منطقة حضرية هذه مواصفاتها وهذه ضخامة عدد سكانها وضرورة تحرك هؤلاء السكان بين ما أشرت إليه من مدن ومرافق تعليمية وصحية ومطار ومناطق سياحية لا حل لازدحام الحركة وسهولة حركة المواطنين إلا الشروع فوراً بوضع مخطط لسكة حديد تربط هذه المدن وهذه المنشآت بعضها ببعض، هذا إذا لم يكن ما اقترحه قد وضع حسابه من قبل القائمين على التخطيط الحضري فإذا كان الحال كذلك فيعتبر قولي بهذا المقترح تذكيراً، بل وحثاً على المسارعة في تنفيذ مشروع هو من أهم المكتسبات الحضارية، فيه خدمة جليلة لكل المواطنين من طلاب وطالبات ورجال ونساء كبار وصغار، حيث يمكن للطالب أو الطالبة أن يذهب إلى الجامعة بالقطار من أقرب مكان إلى مكان سكنه وكذلك المراجع أو المراجعة لأي مستشفى يريد الذهاب إليه في المدينة الطبية أو المدينة الجامعية أو مستشفيات الجيش أو المستشفيات أو المستوصفات الأخرى، أو الذهاب إلى أي سوق في أي مكان من أبها الحضرية أو حضور نماسبة أو زيارة أهل أو أصدقاء.

إن سكة الحديد ستوفر الكثير من العناء على المواطنين في تحركاتهم حيث من يذهب إلى أبها مصطافاً ويرغب الذهاب إلى السودة فإنه يحتاج إلى ما لا يقل أحياناً إلى ثلاث ساعات ذهاباً ومثلها إياباً بواسطة السيارة، حيث الازدحام الشديد ومثل ذلك للراغب في الذهاب إلى الفرعاء والحبلة فالقطار سيوفر المسافات ويقضي على الازدحامات.

الآن لدى أمانة أبها نية توسعة الطريق الرابط بين أبها والسودة ومهما كانت محاولات التوسعة فإنها لن تحل المشكلة. إضافة إلى ارتفاع تكلفة التوسعات وما يصاحبها من تعويضات دعك عن ما يحدث للبيئة من تدمير لن يحل هذا الإشكال سوى القطار.

إن دعوتي إلى المبادرة في تنفيذ المشروع الآن أمر جدير بالاهتمام قبل أن يصبح تنفيذه في المستقبل صعباً ولنا في التكلفة العالية الذي يتطلبه تنفيذ مشروع قطار مدينة الرياض عبرة.

إن العمل على تنفيذ مشروع قطار يربط أبها الحضرية الآن لن يكون مكلفاً ولا صعباً وستكون فائدته عظيمة وسيدخل المنطقة في نمط حضاري مختلف وخطوة مستقبلية يمهد لربطها بنفس الوسيلة بالمناطق الساحلية، حيث الموانئ، وللمناطق الداخلية حيث العاصمة وبقية مناطق المملكة، وما ذلك على الله بعسير ولا على أصحاب الهمم من أصحاب القرار بصعيب.

عضو مجلس الشورى السابق

مقالات أخرى للكاتب