Tuesday 03/12/2013 Issue 15041 الثلاثاء 29 محرم 1435 العدد
03-12-2013

مِنْ خِيَانَةِ التَّرْجَمَةِ إِلَى خِيَانَةِ القِرَاءَةِ..! 2-2

وقِرَاءات الملل، والنحل للنص التشريعي عند [ابن حزم ت 456هـ] و[الشهرستاني ت 548 هـ] تكشف عن محاولات جادة، لتكريس سلطة المتلقي المتلبس بالمذهبية المتعَصِّبة.

فـ[الاعتزال] الذي أدار النص في فلك العقل، يعد رائد القراءات التأويلية التعسفية. ومن بعدهم جاء المتطرفون من غلاة [الخوارج]، وغَنُوصِيِّي [المتصوفة]، ورافضة [الشيعة]، والتكفيريين من [السنّة] ممثلين لخيانة القراءة، بكل بشاعتها.

على أن مقاربتي لكبوات اليراع، وعثرات الكُتَّاب، لا تقف عند المتوسلين بالتأويل، والكشف، والحدس. ذلك أن هذه القراءات مفروغ من خيانتها، في بَعْض ما تذهب إليه، وإنما يمتد إلى قراءات تَدَّعي الحيادية، والعدل، واحترام مقاصد المنتج.

وتعقب [نظرية المعرفة] تكشف عن الشطح. إذ لكل عالم مجتهد نظريته المعرفية.

أقول قولي هذا، وأنا أقف بين ثلاثةٍ من الحقول المعرفية في مكتبتي: [حقل القرآن وعلومه] و[حقل السيرة النبوية]، و[حقل السياسة]. وقد حداني إليها ما أراه، وأسمعه من جنايات التقويل، وتحريف الكلم من بعد مواضعه، ومن قراءة شاطحة للأحداث العالمية، والعربية - على وجه الخصوص - بعيون نهمة، وبخاصَّة حين تحتدم الخلافات الحزبية، أو الطائفية، أو حين تتعارض المصالح ، أو تنتاب الأمةَ فوضى الانتماءات، ويجتالهم شيطان السياسة، ويحلو لهم تعدد الخيارات، ثم يخفقون في إدارة الأزمات.

فكل قارئ لما سواه، يحكمه انتماؤه المعلن، أو المضمر، ويُصَرِّفه نسقه الثقافي، وتحيد به مصالحه العارضة، مما تتحققُ معه القراءة التآمرية.

والقارئ المتآمر حين يقترف جريرة التحريف، أو التصنيف لا يبالي بأي وادٍ هلكت مقاصد النص، وأهداف الكاتب. وتلك ذروة سنام الخيانة، التي أصابت الأبرياء، الذين تحرروا من ربقة الانتماء المتعصب، والتبعية المقيتة، وفتحوا أجواءهم لكل الخيارات، ولم تكن لهم حوزة يدافعون عنها، إلا حوزة [الكتاب والسنّة].

وسأضربُ مثلاً بـ[الأشاعرة]، بوصفهم من أهل السنّة والجماعة. فهناك أشاعرة غير مُتعصبين، كـ[النووي] صاحب المجموع، و [ابن حجر] صاحب الفتح.

وأشاعرة مُتعصبون. فغير المُتعصبين ظلوا مقبولين عند الأشاعرة، و عند أهل السنّة والجماعة. فيما أحدث المُتعصبون من الفئتين شرخاً في وحدة أهل السنّة والجماعة، ودَعْك من المتعصبين في المذاهب الفقهية الأربعة المعتبرة، وتلاحيهم المقيت، وافترائهم في كتب المناقب.

ولقد تكون هناك قراءات، لا تتلبّس بالخيانة المتَعَمَّدة، ولكنها تُقَعِّر الرؤية الخاصة بالقارئ. الأمر الذي يضطره إلى تقويل النص ما لم يقل، ليخدم هَمَّه، وانتماءه. نجد ذلك عند طائفة من المفسرين، وكتّاب السيرة النبوية، من ذوي النزوع المذهبي، أو الحركي.

فالتفاسير التي تُعَد بالمئات، والدراسات القرآنية التي تُعَد بالآلاف، تحفز إليها همومٌ مبيتة، تختلف نواياها، ومقاصدها.

وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم متعدِّدة الأطوار، والأحوال، والمواقف. وذلك شأن ذوي الشأن الرفيع. فالقائد، والزعيم تنتابه ظروف، وأحوال، تضطره إلى اتخاذ مواقف متنوّعة. وكل من وجد في هذه المواقف ما يخدم أهدافه، أطال الوقوف عندها. وقَعَّر الرؤية، وضخّم الأحداث، واختصر حياة الأسوة فيها. ولو لم تتعدّد الاهتمامات، وتتنوّع الأهداف، لما تعدّد كُتَّابُ السيرة النبوية، وكتّاب التفسير.

واحتباس القدوة في مرحلة من مراحل حياته، أو في خيار من خياراته، المرتبطة بظروف المرحلة، قد تقترب من الخيانة.

فـ[الموقف الجهادي] ـ على سبيل المثال ـ يحفز طلاب الجهاد على أطر القدوة في نطاق الجهاد، والتغاضي عما سوى ذلك من أساليب الحياة المتعدّدة. وحياة المصطفى صلى الله عليه وسلم شمولية، لا يجوز اختصارها في خليقة واحدة.

ولعلنا نقرأ [عبقرية محمد] للعقاد، ثم نقرأ [فقه السيرة] للبوطي، و [فقه السيرة] للغزالي، و[حياة محمد] لهيكل و[الرسول] لِحَوَّى و[فترة التكوين في حياة الصادق الأمين] لخليل عبد الكريم، وآخرين من دونهم، لا يعلمهم إلاّ العالمون، لنرى كيف يتم توظيف جوانب السيرة لخدمة المضمرات المذهبية، والرؤى، والأفكار الحزبية. ومع أنّ بعض أولئك لم يخونوا أماناتِهم في قراءاتهم، إلاَّ أنهم قعّروا رؤيتهم الخاصة، حتى ضلّ أكثرهم سواء السبيل.

و في أوج المد الاشتراكي، أُنْهكت شخصية [أبي ذر الغفاري] رضي الله عنه، لأنه خالف الصحابة في فهم آية [ الكنز].

هذا التباين في القراءات، قد يُضِل القارئ، ويحمله على القطع بأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يبرح تلك الرؤية التي عمد إليها مفكر، أو حركي، أو حتى عالم نفس.

ولقد تَحَفَّظ بعض الوقَّافين عند ظواهر النصوص على كثير من المقولات التي تجعل من الرسول صلى الله عليه وسلم عبقرياً، أو معلماً، أو مقاتلاً. وما هو في النهاية إلاّ رسول مبلغ عن الله، مصنوع على عين الله، احتل من كل فضيلة ذروتها.

ويكفي شهادة الله له بأنه على خلق عظيم، ومقولة عائشة رضي الله عنها:- [كان خُلُقُه القرآن].

ودعك من قراءة المسطور، وانظر إلى قراءة المنظور، بعيون متآمرة، ثم انظر إلى نتائج القراءة الخائنة، أو الخاطئة لأحداث العالم، والأُمّة العربية - على وجه الخصوص -. ويكفي أن تتحسّس عن قراءة [الولايات المتحدة الأمريكية] ومن شايعها لأحداث مَشْرقنا المأزوم، وتصرفها الضال المضل، والمضر بمصالح الأمة العربية، مما يؤكد [نظرية الغزو والتآمر]، التي يتحفظ عليها المستغربون. بل اقرأ تباين القراءات، وتنافرها لحدثين أمريكيين هامين :- اغتيال الرئيس الأمريكي [جون كندي]. وحدث [الحادي عشر من سبتمبر] لترى تداخل التناقض مع الخيانة، وليِّ أعناق الأحداث، لتوافق الأهواء والمصالح والتصوُّرات.

وخلاصة المقاصد : أن نأخذ حذرنا، حين نقارب المُتعصبين لآرائهم، أو مذاهبهم، أو مصالحهم. فالهوى يُعمي، ويُصمُّ. ولهذا قال الله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} و{وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}.

فـ[الهوى] يفرض الدلالة التي تُعزِّز رُؤْية الهاوي ، وإن كانت ضالة مُضلَّة.

و[البيِّنة] لا تصرف المُتعصب عن رأيه.

و[السياسة] فَنُّ الممكن.

وتلك عين الخيانة القرائية التي نحذر من مغبتها، ونتجرّع مراراتها.

Dr.howimalhassan@gmail.com

مقالات أخرى للكاتب