Tuesday 10/12/2013 Issue 15048 الثلاثاء 06 صفر 1435 العدد
10-12-2013

محاولة لبناء استراتيجية لخطاب فكري جديد

الجزء الثاني

مكونات الخطاب:

لابد لكي يقوم هذا الخطاب بدوره المطلوب أن يتوافر على مجموعة من المكونات التي تضمن قدرته على المنافسة والإغراء والاستقطاب، وكذلك بقاؤه في دائرة الاهتمام الشرعي والثقافي، من أهم هذه المكونات:

المكون الأول: مكون اللغة:

تعد اللغة في المرحلة الحالية أهم عنصر مؤثر في عملية الإقناع والتأثير على العقول والقناعات والأفكار، بل يمكن أن نسمي هذه المرحلة التي نعيشها مرحلة «صراع اللغة»، فالكثير من الأفكار والقناعات يتم ترويجها وتسويقها عبر هذا المكون، والملتقي المعاصر يهتم كثيرا بالقالب اللغوي التي توضع فيه الفكرة أكثر من اهتمامه بالفكرة ذاتها.

ولهذا كان من المهم العناية باللغة في هذا الخطاب وذلك بالاتكاء على لغة فكرية جديدة تجمع بن الحداثة والمعاصرة، وتعتمد بشكل أساسي على المكون التالي:وهو مكون المصطلح: وتأتي أهمية «المصطلح» من كونه يرسم الانطباع الذهني والفكري الأول عن القضية المراد الحديث عنها، فإذا ما ذكر المصطلح تبادر إلى الذهن كل التفاصيل الأولية عنه، وتأتي خطورته من كونه يتسلل مباشرة إلى العقل الباطن ويلقي فيه حزمة من الأفكار المفخخة المغطاة بمصطلح ناعم، فيستقبلها العقل بسهولة، ويبدأ في التفكير والتصرف على أساسها، وهناك في العلاقات الدولية تكتيك استراتيجي خطير يسمى بـ»حرب المصطلحات»، وهي حرب شديدة الفاعلية، قوية التأثير، والعدو الإسرائيلي كثيرا ما يركز في حروبه على حرب المصطلح؛ نظراً لفاعليتها في قلب المفاهيم والأفكار وتسويقها.

ويمكن أن نضرب مثالاً على أهمية مكون المصطلح حينما وظف أحد الغلاة مصطلح «الحرائر» بعد اتصاله على أحد القضاة؛ ليهدده ويتوعده بالقتل وحز الرأس؛ لأنه تعدى على «الحرائر»، وهو يشير بهذا المصطلح إلى النساء اللاتي جرى إيقافهن على خلفية ملف الموقوفين، وربما نجح هذا المصطلح في التأثير على قطاع عريض من الشباب بجعلهم يتبنون القضية ذاتها، والذي لم يتمكن من التأثير عليه منهم سيجعله في دائرة الحياد في أقل الأحوال.

ثم في نفس المكالمة يصرح هذا الشاب بأن هذا الموقف هو موقف الشباب «الجزراوية»، ومصطلح «الجزراوي» ولد في وقت قريب، وهو يطلق على الشاب السعودي الذي تسلل إلى سوريا للمشاركة في القتال الدائر هناك. والمقصود من هذا المصطلح بالتأكيد هو خلع الهوية الوطنية عن الشاب السعودي بل ومناصبة العداء لكل ما يمت لهذه الهوية بصلة، ولا أعتقد أبداً أن هذه المصطلحات تولد لدى هؤلاء الشباب بشكل عفوي، بل يتم التحضير لها والإعداد لسكها من جهات تتوارى خلف الستار! لكن الذي ينفذها - بكل أسف - هي عرائس المسرح: شبابنا السعودي الذي أصبح وقود كل نار تشتعل في هذا العالم!

وهنا يمكن اقتراح وحدة أو دائرة باسم وحدة أو دائرة المصطلحات، وتكون تابعة للجهة الحاضنة للخطاب الفكري، والذي سيأتي الحديث عنها عند الحديث عن عناصر التكوين.

المكون الثاني: المكون الشرعي

وهذا المكون له في تقديري خطورته وأهميته الكبيرة، ذلك أن أيدولوجيا العنف والمفاهيم المشوهة التي يتذرع بها خطاب العنف هي غالباً نتيجة قراءة ظاهرية مبتسرة للنصوص الشرعية، ولهذا فمشكلة جماعات العنف المعاصر هي مشكلة مفاهيمية بالدرجة الأولى، حتى إن أول جماعة عنف في التاريخ وهي فرقة «الخوارج» جاء انحرافها من مشكلة في فهم النص الشرعي، وذلك بالاتكاء على ظاهر النص وعزله عن سياقه الشرعي والتاريخي، ومثل ذلك خطاب العنف في الحالة السعودية حينما اتكأ على حديث « أخرجوا المشركين من جزيرة العرب « وليس المقصود هنا مناقشة هذا النص، وإنما الإشارة إلى خطورة لعبة توظيف النصوص وقراءتها بهذه الطريقة المبتسرة عبر التركيز الشديد على ظاهر النص وعزلها تماماً عن سياقه الشرعي والتاريخي. ولكي نخرج من تلك المشكلة في الخطاب الشرعي ونقطع الطريق على التوظيفات الخطيرة للنصوص لا بد لنا في الخطاب المطلوب من مكونين شرعيين مهمين، وهما:

أ- المكون المقاصدي. ب- مكون السياسة الشرعية:

أ- المكون المقاصدي:

جاءت الشريعة الإسلامية بمقاصد عظيمة، وهذه المقاصد هي في حقيقتها - كما يقول ابن عاشور - «مجموعة من المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغاياتها العامة». وتأتي أهمية المقاصد من كونها تبرز الأبعاد الغائبة عن ذهن المتلقي خاصة الشاب التي دائما ما ينظر إلى النصوص بعقله الجزئي المحدود - وليس بالعقل الكلي - فلا يرى البعد الغائب فيها، فتأتي المقاصد وتبرز هذا البعد المهم أمام عينيه، كما أنها في ذات الوقت تحمي الشاب من التأثر بخطاب الغلو والذي يعتمد على ظواهر النصوص الشرعية، وتجعله يفصل بين الشعيرة وتطبيقاتها، وهذه في اعتقادي أهم مشكلة ذهنية لدى الكثير من الشباب، فحينما نحكم على تصرفات «القاعدة» بأنها مخالفة الشريعة ومنافية لمقاصدها العامة فإننا بالتأكيد لا نستهدف شعيرة الجهاد في سبيل الله، لكن نستهدف هذا التطبيق البشري القاصر. وحل هذه المشكلة في ذهن الشاب كما أنه يحميه فهو ذات الوقت فهو يجعله منسجماً مع نفسه ومع مجتمعه بشكل كبير. ولهذا نلاحظ دائما أن خطاب العنف يستميت كثيراً في محاولة الخلط بين الشعيرة والتطبيق حتى يحمي نفسه من النقد ومشروعه من النقض! لكن الرؤية المقاصدية للشريعة تفكك هذا التصور الخاطئ وتزيل هذه الغشاوة. فلا بد إذن أن يتكئ الخطاب الشرعي على هذا المكون المقاصدي العظيم.

ب- مكون السياسة الشرعية:

باب السياسة الشرعية من أوسع الأبواب في الشريعة، وفي ذات الوقت هو من أخطرها على الإطلاق، فهو كما يقول ابن القيم: «موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها..» ولهذا كان لا بد من أن يركز الخطاب على السياسة الشرعية، وأنه يجوز في السياسة الشرعية مالا يجوز في غيرها.. والرسول صلى الله عليه سلم كان يكرس هذا التشريع العظيم، فيستعمل السياسة الشرعية في كثير من قراراته وسياساته، فمثلاً في حديث صحيح صرح صلى الله عليه وسلم بأن النظر الشرعي والعقلي يقتضي أن يكون للكعبة بابان: باب يدخل الناس وباب يخرجون، ولكنه لم يفعل ذلك وترك هذا المقتضى لمقتضى أهم منه وهو مصلحة الدولة العليا حتى لا تتفرق قلوب الناس ويتشككون في دينهم، فقال: (يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين؛ باب يدخل الناس، وباب يخرجون»، وقال ابن حجر- معلقاً على هذا الحديث: «ويستفاد منه أن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم، ولو كان مفضولاً، ما لم يكن محرمًا). وهذا يعني أن باب الساسة الشرعية باب واسع وفيه فضاء كبير يسمح للإمام والوالي أن يتحرك فيه بما تقتضيه سياسة الدولة بما لا يخالف الأصول والقواعد الشرعية العامة . وفي تقديري أن المشهد السعودي يعاني من عوز شديد في هذا الباب، حتى على مستوى النخب الفكرية من طلاب العلم والمثقفين والدعاة ، ولهذا ضاق الأمر كثيراً على السياسي، وأصبحت مساحة المناورة التي تقتضيها السياسة الشرعية ضيقة جداً، وأزمة الخليج الأولى وما جرى بعدها من تشظي للخطاب الشرعي وما أثاره من لغط وسجال هو نتيجة منطقية لغياب فقه السياسة الشرعية عن الوعي الشرعي، ونتيجة لهذا الفقر والضعف في السياسية الشرعية سنعكس الأمر بالتأكيد على نسيج العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأوضح الأمثلة التي تجلي ذلك: الموقف الذي وقفته الدولة تجاه حرب العراق الأخيرة، فقد كان موقفاً تقتضيه السياسة الشرعية؛ حيث كان السياسي يدفع بموقفه أكبر المفسدتين، فهو إما أن يقف موقف الند للسياسة الأمريكية ويسمح بإرسال الشباب إلى العراق، ويتحمل تبعات هذا الموقف وتكاليفه الباهظة، الذي ربما يجعل المملكة - لو اتخذت هذا الموف - هدفاً استراتيجياً سهلا للآلة العسكرية الأمريكية الضخمة والهائجة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أو يختار السياسي الموقف الثاني، وهو أن ينأى بنفسه عن المواجهة ويجنب البلاد والعباد من مخاطر لا يعلمها إلا الله، وبالفعل سلك السياسي الموقف الثاني، وكان رأياً موفقا وحكيماً.. لكن رغم كل هذه المصالح المترتبة على هذا الموقف الحكيم لم يتفهم الكثير من الشباب وبعض الدعاة ذلك، فتسللت أعداد كبيرة من الشباب السعودي إلى العراق، وبعضهم يستند على فتاوى علنية من بعض الدعاة، فأدخلوا الدولة في إحراجات سياسية متتالية، إضافة إلى أنهم لم يكونوا رقماً صعباً في معادلة الصراع، وإنما باتوا وقوداً سريع الاشتعال والانطفاء لتلك المعركة الخاسرة! فلماذا إذن حصل كل هذا؟! والجواب بكل بساطة؛ لأن هناك غياباً كاملاً لفقه السياسة الشرعية، حتى على المستوى الرسمي الفكري والإعلامي، فهناك تقصير بيَّن، إذ لم تكن هناك جهة تُعنى بشرح وجهة نظر السياسي عبر فقه السياسة الشرعية، وحتى لو لم يكن طالب العلم أو رجل الشارع مقتنعاً برأي السياسي فإنه في أقل الأحوال سيبدي تفهماً لوجهة نظره ويحترمها جداً. ولهذا فإن إيجاد مركزاً للسياسة الشرعية هو في تقديري من مقتضيات هذه المرحلة الصعبة والحرجة، ويمكن أن يكون هذا المركز تابعاً للجهة التي ستحضن الخطاب الفكري الجديد.

- رئيس قسم السنة بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة القصيم

مقالات أخرى للكاتب