Saturday 14/12/2013 Issue 15052 السبت 11 صفر 1435 العدد

الشيخ الأديب محمد سعيد كمال ما يزال ذكره طريا

عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف

عليك مني سلام الله ما صدحت

على غصون آراك الدوح ورقاها

يموت خلق كثير لايؤسى لرحيلهم، ولا لهم في سجل الخالدين نصيب، لعدم تأثيرهم في مجتمعاتهم، ولا في من حولهم تأثيرا علميا وأدبيا أو ماديا -أحيانا - فيمرون بالدنيا مرورا عابرا لا ذكر لهم، ولا أثر ينتفع به من بعدهم:

يموت قوم فلا يأسى لهم أحد

وواحد موته حزن لأقوام !

- رحمهم الله جميعاً - على حين ذوي الإحسان، والعلماء والأدباء يبقى ذكرهم خالدا في الصدور..، الذين أثروا الساحة العلمية والأدبية بفيض علومهم النافعة، وآدابهم التي تنير العقول وتهذب النفوس، وتوسع المدارك، بل ومن يساهم منهم في إعداد المناهج المدرسية، وتنقيحها وشرح ما يستعصى فهمه منها..، أمثال الأستاذ الكبير المربي/ محمد سعيد بن حسن كمال الذي وقف حياته في خدمة العلم، وتجديد كتب التراث وتجليدها تجليدا فاخرا، وفي المجال التربوي ونشر العلم وإعداد الكثير من كتب المقررات المدرسية التي تربو على ثمان وعشرين كتابا، قام بتأليفها على فترات وتقديمها على وزارة المعارف - آنذاك - ولاغرو فهو موسوعة علم وأدب وتأريخ، كما كان يقوم بتأليف العشرات من الكتب الأخرى فَيُحّليها ببعض الطرائف وبالشواهد الشعرية التي تشد القارئ، وتثري حصيلته اللغوية والأدبية والشعرية.

ولقد ولد - رحمه الله - في مدينة الطائف عام 1334هـ - تقريبا - وترعرع في أكنافها، وعاش بين سهولها وهضابها يَسْرحُ ويمرح مع إخوته وأقرانه في ذاك الجو اللطيف جو الورود التي يعبق أريجها في الهواء الطلق الذي أكسبه لطفا، ولين عريكة وسعة أفق:

بنفسي تلك الأرض ما أطيب الرُبا

وما أحسن المصطاف والمتربعا!

ولقد بدأ تعليمه بأحد الكتاب لتعلم الكتابة والخط، وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بالمدرسة السعودية الابتدائية بالطائف حتى تخرج فيها عام 1348هـ إلى جانب حضور حلقات عدد من العلماء الأجلاء مما أثرى حصيلته العلمية وهيأه إلى مزاولة الأعمال المنوطة به عامة، ومعلوم أن مناهج المرحلة الابتدائية -آنذاك- متينة مع سلاسة أسلوبها، وقد تضاهي المرحلة الثانوية في المستوى المنهجي، ثم بدأ الخدمة في عام 1354هـ معلما ثم مديرا للمدرسة الابتدائية بالطائف، وفي أثناء تلك الفترة قابله مدير مدرسة الأمراء النموذجية بالطائف الذي أوفده الأمير فيصل بن عبدالعزيز (الملك فيصل - رحمه الله-) فعرض عليه الانتقال للتدريس فوافق للعمل بها اعتبارا من عام 1367هـ إلى عام 1372هـ، فهو معلم مخلص وواسع الأفق، وبعد ذلك اعتذر ليتفرغ لأعماله الخاصة، ولمكتبته التي أنشأها وسماها (مكتبة المعارف) التي من أشهر مكتبات المملكة لاحتضانها شتى فنون العلوم المختلفة، من كتب التراث النادرة، كما أنها تعد من أبرز دور النشر وطباعة الكتب المدرسية، وغيرها من الكتب النافعة، فهو رجل ذواق وماهر في اقتناص الكتب من مضانها لإرواء غلته من جيدها، وإذا علم عن بيع بعض المكتبات الخاصة بالديار المصرية بادر بالسفر إلى مصر فاشتراها بجميع محتوياتها بأرخص الأثمان، فيشحنها على إحدى المراكب البحرية إلى ميناء جدة، ثم يبدأ في البيع منها بأسعار مرتفعة جدا لندرة بعضها، ولعدم وجود منافس له سوى مكتبة السيد المؤيد الواقعة في شرقي الطائف، وقد حكى لي - رحمه الله- عن ذلك منذ عدد من السنين أني قد بعت كمية منها بمبلغ ينيف على ثلاثين ألف ريال، ولعله يقصد -إن لم تخني الذاكرة- معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية أيام كان طالبا، فهو نهم في حب القراءة واسع الإطلاع مبكرا وعاشقا للكتاب، ومرة زرته أثناء الإجازة الصيفية منذ أكثر من عشرين عاما في منزله الواقع في محلة (قروى) وبجانب ذاك المنزل مستودع لمكتبته، فأبديت له رغبتي في شراء ما يطيب لي منها، فأذن لي - رحمه الله - وما كان يأذن لأحد بدخولها إلا لمن يثق به ويأنس به، ومكثت بداخلها أكثر من ثلاث ساعات أنتقي عددا من الكتب الأدبية والشعرية القديمة تقارب عشرين كتابا أو أكثر بقليل، فقدر قيمتها بألفي ريال ، والحقيقة أن أسعارها مرتفعة جدا، منها على سبيل المثال: (ديوان أبو تمام) طباعة قديمة بثمانين ريالا، (لكن هوى النفس فيما يصعب طلابه) فعلى أي حال فإن الشيخ الأديب محمد سعيد كمال قامة عالية ومنارة علم وأدب يحسن اصطياد جيد الكتب مما جعل مكتبته مقصد الباحثين والمؤرخين من كبار العلماء والأدباء أمثال : الشيخ حمد بن محمد الجاسر، ومعالي الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر، ومعالي الشيخ محمد سرور الصبان، وغيره من كبار أدباء المنطقة الغربية والجنوبية، بل وخلافهم من عشاق تسريح النظر في بطون الأسفار. وقد وصفه الأستاذ الصديق حماد بن حامد السالمي في الكلمة التي رثاه فيها (أنه كان بحق صاحب الكلمة الأولى في تاريخ الطائف التي ولد بها وعاش فيها حتى دفن بها في آخر شهر ذي القعدة عام 1416هـ...الخ) كما نوه بجهوده اللواء: عبدالقادر بن عبدالحي كمال بأنه متعدد المواهب، ولم يتفرغ لعمل واحد بل مارس العديد من الوظائف خلاف التعليم، ونال عضوية كثير من المؤسسات، وتسنم مناصب مشرفة متعددة، فهو دائرة معارف علم وعمل:

وليس على الله بمستنكر

أن يجمع العالم في واحد !

وقد ذكر معالي محافظ الطائف الأستاذ فهد بن عبدالعزيز بن معمر عنه قائلا : أنه سعد بعدما قَرتّ عينه برؤية أجيال من طلابه من أمراء ووزراء وأدباء وقضاة ومثقفين تبوأوا مناصب قيادية لخدمة هذا الوطن الغالي، وكان صديقا صدوقا لوالدنا المرحوم عبدالعزيز بن فهد بن معمر الذي كان يعزه ويجله ويقدر علمه وأدبه،وقد استقيت بعض هذه النقاط مما كتب عنه سابقا، وبعض النصوص التي لا محيد عن ذكرها، فأنا أستميح عذرا من لم نتطرق إلى ذكر ما كتب عنه لضيق المجال، فعلى أي حال فإن ذكرياتنا مع الأستاذ الكبير المربي قديمة منذ أن كنت طالبا بدار التوحيد عامي1371-1372هـ وكان يشجعني على قراءة بعض القصص الهادفة، وعلى قراءة الكتب المفيدة التي تُثري حصيلة الطالب، فهي رافد قوي للمناهج التي نتلقاها داخل الفصول، وكأني به حينما أحس بدنو اجله أخذ يُطيل النظر في أرفف مكتبته الخاصة التي تنوء بأحمال الكتب النفيسة وهو يمسح الغبار عن بعضها مُرددا في خاطره هذين البيتين بكل تحسر وأسى:

أقلب كتبا طالما قد جمعتها

وأفنيت فيها العين والعين واليدا

وأعلم حقا أنني لست باقيا

فيا ليت شعري من يقلبها غدا !!

ولئن توارى شخص - أبو عبدالرزاق - عن نواظرنا وعن نواظر محبيه فإن ذكره الطيب له مكان بين جوانحي مدى العمر - رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته -

- حريملاء