Wednesday 25/12/2013 Issue 15063 الاربعاء 22 صفر 1435 العدد
25-12-2013

التقاعد بالميلادي والترقيات بالمفاضلة

لا يخلو مجلس فيه جماعة من الموظفين من الحديث عن الهموم التي لا حصر لها التي تواجه الموظف، قضايا تهم الشأن الوظيفي الحكومي الذي يعد الرافد الرئيس للوظيفة العامة. ومن أهم القضايا التي يطرحها الموظفين وعلى الدوام هما قضيتي التقاعد والترقيات.

ولعل المرء قد لا يكون خالف الصواب بالقول إن هاتان المسألتان قد كان لهما دور أساسي في المشاكل التي تنخر الجسم الإداري المترهل للأجهزة الحكومية.

وبداية يعلم الجميع وحسب ما هو مشاع أن أغلب أنظمة الموظفين المعمول بها حالياً كانت من إعداد خبراء مصريين تم الاستعانة بهم من أجل سن القوانين اللازمة والهادفة لإنشاء إدارة حكوميه يؤكل إليها مهمة غاية في الأهمية للنهوض بشئون الدولة في مختلف نواحي التنمية. والغريب هنا بل أمر يقع في خانة المضحك المبكي أن الإدارة المصرية التي استُعين بها في سنوات التنمية الأولى غيرت قوانينها عشرات المرات طبقاً للمستجدات التي تطرأ على العمل الإداري بسبب التغيرات الديموغرافية السكانية أو الاقتصادية أو التنموية، فالقوانين لديهم وهم من سنوها متغيرة، والقوانين لدينا ونحن من أخذها عنهم ثابتة لا تتغير ومقيمة معنا كما جاء في قصيدة امرئ القيس وهو يرثي نفسه، بأنه مقيم ما أقام عسيب. وحتى يكون المرء صادقاً فالجهة المسئولة عن وضع ترتيبات الإدارة في المملكة بكل تفاصيلها لم تغير على امتداد سنوات إنشائها شيئاً يذكر في ما يخص الموظف في المملكة، سوى اسمها من ديوان الخدمة المدنية إلى وزارة الخدمة المدنية. فوزارة الخدمة المدنية تغط في سبات عميق لا تفرق فيه بين شتاء أو صيف، أو تغيير في رأس هرمها، فهي ما زالت سائرة على ما وضعه إخوتنا من أرض الأهرامات ويبدو أنهم ممتنون لهم بطريقة تجعلهم ومع مرور عشرات السنين غير قادرين أو راغبين في وضع إستراتيجية تضع في مصلحتها وفي عين الاعتبار مصلحة البلاد والعباد.

وعوداً للمسائل التي تؤرق الموظف وتؤثر بشكل مباشر في أدائه، فمثلاً سن التقاعد هو ستون بالحساب الهجري وبمقابل يفرق السنتين بالحساب الميلادي، بمعنى أن الموظف أو الموظفة السعودية عند التقاعد لبلوغ الستين بالهجري، هما لم يبلغاها بالحساب الميلادي. وطبعاً سوف يؤثر هذا في الكثير من حسابات حياتهم المهنية من إمكانية حصولهم على علاوات أو ترقيات يكون الفيصل في إقرارها الفارق في سن التقاعد لو حسب ذلك بالتاريخ الميلادي عوضا عن الهجري. ومما يزيد من ضرورة وحتمية تغيير سن التقاعد من الهجري إلى الميلادي هو حقيقة أن الكثير من موظفي الدولة في المراتب العليا ويعلم هذه الحقيقة كل الموظفين، يتم التمديد لهم بعد بلوغهم سن التقاعد لمدة خمس سنوات، والتمديد يتم وهم شاغرو الوظيفة، ثم يمدد لهم لمدة خمس سنوات أخرى بصلاحيات الوظيفة التي يشغلونها. بمعنى أنهم شغلوا الوظيفة بمسماها تارة وبصلاحياتها تارة أخرى لمدة عشر سنوات، أي بعُمر جيل، وكل هذا يعني أن هناك سلسلة من الموظفين تم إيقاف نموهم الطبيعي في خدمة بلادهم وهو أمر من سنن الحياة، بسبب موظف كانت له الوجاهة أن يحصل على ما يرغب بغض النظر عن المصلحة العامة. الحل لمثل هذه الحالة ليس أمرا من ضروب السحر أو الخيال فهو واضح ويعرفه الجميع بما فيهم الجهة المسئولة عن الموظفين في الدولة، وزارة الخدمة المدنية، وهو مد سن التقاعد سنتين ليكون بالهجري اثنان وستين، أو بالسنة الميلادية وهو ستون وليكون مطابقاً لأنظمة كل دول العالم بما فيها الدول التي سوف نرتبط بها بوحدة كدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وبالنسبة للموظفين الذين يُرغب في التمديد لهم بعد سن التقاعد يجب أن لا يشغلوا الوظيفة ويضموا ضمن جهة استشارية لكل مصلحة حكومية ويطبق عليهم نظام يختص بهم، وهذه طريقة متبعة في العديد من الدول كاليابان مثلاً. ومن المعروف أن موضوع رفع سن التقاعد من المواضيع المطروحة على مجلس الشورى والذي عودنا بتعزيز الصورة النمطية المتفق عليها عنه من قبل الجميع بأن المواضيع ذات الصلة بالمواطن تقبع في أروقته، فليس هناك عجلة من أمر مادام الأمر فيه متسع من الوقت للأخذ والرد، في موضوع لا يحتاج لأكثر من شهر على أقصى تقدير لرفع التوصيات بخصوصه.

الموضوع الآخر المؤرق لكل موظف، هو موضوع الترقيات العليا، وهو حقاً موضوع ذو شجون، وسبب ذلك ما يراه الموظفون من العجب العجاب بخصوصه. ويحمد كثير من الموظفين الله عز وجل ويثنون عليه بأنه تم حسم أمر الترقيات وحتى المرتبة العاشرة وأصبحت بالمفاضلة وإلا لكانت معاناتهم ما زالت مستمرة. بيد أن مسئولي الهم الإداري في المملكة، وزارة الخدمة المدنية سكتت عن موضوع ذي أهمية قصوى بل ومحورية في كل ما يخص الشأن الإداري في المملكة، وهو موضوع الترقيات العليا خاصة المراتب الحادية عشر، الثانية عشر، والثالثة عشر. جُل هذه الترقيات يتم عن طريق الترشيح من قبل رئيس كل قطاع من الجهات الحكومية، ولسوء الحظ أصبح رؤساء غالبية القطاعات الحكومية يتصرفون في القطاع الذي يشرفون عليه وكأنها شركة خاصة لهم، يديرونها حسب أهوائهم الشخصية، لا من أجل المصلحة العامة, وأصبحت كلمة ترشيح لدي غالبية الموظفين المغلوبين على أمرهم مرادف لكلمة فساد، وتم الدفع بمن هم غير مؤهلين لوظائف قيادية لها تأثير مباشر في ما يخص تنمية البلاد، كل مؤهلاتهم التي أهلتهم لشغل الوظائف التي يتقلدونها هي لأسباب شخصية ليس إلا.

الغريب في الأمر أن هناك مئات المؤهلين في جميع قطاعات الدولة ويحملون شهادات علمية عليا وبسجل وظيفي ناصع البياض وبسنوات خدمة تفوق أقرانهم المرقّين ومع ذلك هم مجمدون من قبل رؤسائهم، إما خوفا من طموحهم أو تجاوزهم من أجل إرضاء معارف لهم بترقيتهم لمن لا يستحق. وبات حلم الموظفين الذي قد ينتقلون إلى مثواهم الأخير قبل أن يتحقق وهو أن توجد آلية للمفاضلة على الترقيات العليا من الحادية عشرة وحتى الثالثة عشر، مفاضلة سوف تغير العمل الإداري في المملكة من جذوره وتحقق تكافؤ الفرص في الترقيات غير السيادية من أجل مصلحة البلاد والعباد.

أيام تفصلنا عن صدور الميزانية العامة للدولة التي كانت وما زالت وبحمد الله تحمل بشائر الخير مما أضحى معه أمر الإصلاح الإداري في المملكة ضرورياً وحتمياً وليس خياراً، حتى يسعد الناس بما تفيء به الميزانية من خير بدفع المؤهلين القادرين على تحقيق أهداف الميزانية، فالفساد المالي ليس هو في الحقيقة سوى فسادا إداريا في الأصل، وكلاهما وجهان لعملة واحدة.

كلمة أخيرة، قد يتساءل البعض عن دور الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في كل ما يدور من فساد إداري، الجواب على ذلك واضح للغاية فالهيئة تغرد خارج السرب. والدليل العملي لذلك هو أحد إعلاناتها التلفزيونية بخصوص الحفر في الطرق، وبأن على المواطن أن يتصل بها لو رأى حفرة تعيق طريقة. نست أو تناست الهيئة أن المعضلة ليست في الحفر التي في الطريق بل في الحفر التي في العقول!

Alfal1@ hotmail.com

باحث اعلامي

مقالات أخرى للكاتب