Wednesday 01/01/2014 Issue 15070 الاربعاء 29 صفر 1435 العدد
01-01-2014

إرباك مسؤول

في فترة قصيرة جداً، بل في لحظات ودقائق معدودة، تمضي على استلام وزير لحقيبة من الحقائب الوزارية، في لحظات تنهال عليه اتصالات عديدة، وبرقيات، ورسائل، ومراسلات بوسائط مختلفة، قد تبدأ بالتهنئة والتبريكات والدعوات الصادقة، وبعضها مباشرة تستهل بالمشكلات، والعقبات، والقضايا والملفات الشائكة، والمطالبة بالحقوق.. لنتفاءل ونقول: مقرونة بشيء من الطموحات والآمال.

الكثير منها مع شديد الأسف يستبطن النقد اللاذع للسلف، والاتهام بالتقصير، والتفريط بالأمانة في العمل، ليس لذلك المسؤول فحسب، بل يتعدى ذلك للفريق الذي يعمل معه، تلك هي الطبيعة في نفوس البشر والعادات التي يشترك فيها معظمهم على مر السنين، وفي مختلف الأحوال والظروف.

أمام تلك المواقف والعواطف المتباينة، والانطباعات المختلفة التي تحركها في كثير من الأحيان دوافع ومصالح محددة، أمام ذلك تأتي خبرة القائد الجديد، المستوعب، الفطن، القادر على التعاطي مع الجمهور. هنا سيكون للمخزون الثقافي دور كبير في فهم سلوك الأفراد. هنا سيستدعي قول المتنبي

ومن عرف الأيام معرفتي بها

وبالناس روى رمحه غير راغبِ

في تلك المواقف لا يرتبك المسؤول، وكم أعجبني ذلك الرجل الذي ما إن باشر عمله، وتكالبت عليه وسائل الإعلام من كل حدب وصوب، لم ينبس بأي تصريح، بل أجاب إجابة مقتضبة (اسألوني) بعد (100) يوم، زادها صفراً بعد أن نفدت؟ ومرت السنوات الأربع، والخمس، تاركاً الأعمال والمنجزات هي التي تتحدث، وللآخرين الحكم. ومن الطبيعي أن يتفق البعض ويختلف حول ذلك.

هناك من المسؤولين - وهم قلة في بلدنا - تمضي عليه السنة والسنتان، وهمه الوحيد، ولغته السائدة في أي مجلس عام، أو خاص، التبرم والتشكي، ونقد سلفه، والإرث الذي يزعم بثقله. نقد حاد، مؤلم للنفوس، منكر للإنجاز، متصيد للعثرات والهفوات، يعتقد أنه بهذا الأسلوب يوجد له مبرراً من أي تقصير، أو أي إخفاق قادم أمام الرأي العام، وأمام الإعلام، بينما في الحقيقة تلك الشخصية لا تورث سوى جيل يسير على نهجه، ويردد صدى كلماته، من التباكي على واقع مرير، ليس له رصيد من الواقع سوى في مخيلته.

الكثير من المسؤولين، وهم الواثقون بأنفسهم، السابرون للواقع بكل دقائقه وتفاصيله، على العكس من ذلك؛ إذ نجدهم يباركون جهود السابقين، ويقدرونها، في كل محفل ومناسبة، يستحث نفسه وفريق العمل معه على إكمال المسيرة، والحفاظ على المكتسب، يضع نفسه وفريق عمله أمام تحدٍّ كبير، لبلوغ شأو السابقين، ومحاولة الإتيان بما استطاعوا أن يحققوه، بل محاولة تجاوز ذلك، بالمنافسة الشريفة، والمزاحمة القوية للآخرين في الإبداع والابتكار في مجال العمل. هنا يتعلم منه الجميع رسائل وقيم عدة، منطلقها ديني، واجتماعي، ووطني، وإنساني.. والقائد بطبيعته هو من يتعلم منه الآخرون السلوك النبيل، ومنظومة القيم الأخلاقية العالية.

كي أكون أكثر صراحة وشفافية، وأكثر دقة في الإسقاط، نأخذ جهاز (التربية والتعليم)، هذا الجهاز الذي شهدت أروقته في غضون شهر واحد عواطف متباينة من (التعازي والتهاني)، لم تكد الأقلام الراصدة لمسيرة التربية والتعليم لتجف في تأبين قائد تربوي سابق، ودَّع الحياة الدنيا إلى الآخرة، تاركاً الحديث للآخرين، وهم لا يقفون عند شخصيته، بل تصوير سلوك البشر من حوله، في الحياة وبعد الممات:

إن حزناً في ساعة الموت

أضعاف سرورٍ في ساعة الميلاد

لم يكد الجميع ينسى الحدث المفاجئ حتى تناقلت الأخبار تعيين قائد جديد، خير خلف لخير سلف، وبدأت التهاني المتفائلة بمرحلة جديدة.

في هذا الزمن الخطير في كثرة متغيراته ومعطياته، وحوادثه وأحداثه، من اليقين أن الجميع يبحث عن ذلك المسؤول الذي يستطيع أن يتعايش ويقود بيئة تشهد تحولات كبيرة، مسؤول يستطيع - من وجهة نظري - أن يعمل على هدف واحد، لا أكثر؛ لكي يراهن عليه، ويستطيع تحقيقه، ويحفظ له الجيل والتاريخ ذلك المنجز؛ كي يخرج للجميع من وزارته، ويقول بصوت عالٍ، وبكل فخر واعتزاز: رسمت ذلك الهدف، وأنجزت منه تلك النسبة المئوية في هذه السنوات. هنا سندرك الفرق بينه وبين من يضع أهدافاً استراتيجية كبيرة، ويخرج منها صفر اليدين.

dr_alawees@hotmail.com

dr.alawees.m@gmail.com

مقالات أخرى للكاتب