Saturday 07/06/2014 Issue 15227 السبت 09 شعبان 1435 العدد
07-06-2014

المَنْطِقُ الأَرُسطي جُزْئِيَّةٌ من نظرية المعرفة والعلم:

كثيرٌ من أهل الاختصاص يعلمون شأن جماعةِ (فْيِنَّا) في اصطناعِ الحِسانيَّةِ مِن غير اعتقاد؛ من أجل عملٍ ظلامي يريد سلخ الناس من الإيمان بالدين الصحيح وجميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والتسليم؛ فزحف التضليل إلى العقل البشري المُشترَك ومصادر إدراكه؛

لأن الله جعله هادياً إلى العلم من الآفاق والأنفس؛ فجعله شرطاً لتحمُّلِ المسؤولية؛ فهو نصير الإيمان.. ومن البارزين في جماعة (فِينّْا) الفيلسوف (فتجِنِشْتين) تسرَّب في العيون المُبصرة تسرُّبَ النوم من أجل التعمية عن الحقائق؛ فقال عن ضرورات العقل بمصادره الحِسِّيَّة: ((القضايا الضرورية صادقةٌ دائماً))، ثم أسقط قيمةَ صدقها؛ فقال: ((ولكنها تحصيلُ حاصل))، وذكر هذا المثال: ((السماءُ إما أن تكون مُمْطِرةً، وإما أن تكون غير ممطرة))، ثم علَّق بقوله ((فهي لا تخبرني عن شيئ مما يحدث في الواقع؛ لأنني لا ألتقي مطلقاً بكون (السماء إما ممطرة وإما غير ممطرة)!!.. إنني لا ألتقي في الواقع إلا بوجود السماء ممطرة، أو وجودها غير ممطرة!!)).. ومعنى هذا الكلام أن كون السماء ممطرة وغير مُمْطرة خبر عمَّا لا وجود له في الواقع؛ وهذا تحريف لِلْكلِمِ من بعد مواضعه؛ لأن الصياغة تنفي وجود السماء على الحالتين في آن واحد، وأنها لا تكون إلا على حالة واحدة في آن واحد؛ ثم قال: ((فهذا كون منطقي لا علاقة له بأمر الوجود؛ وهو لهذا صادق دائماً.. إن كونها مستقلٌّ عن الواقع.. [يعني أن كونها كون منطقي لفظي، وليس كوناً في الواقع]، وهذه القضية جمعت كل الاحتمالات الممكنة التي من الممكن أن ألتقي بأحدها، ولكن لن ألتقي بها مجتمعة في الواقع)).. [انظر كتاب ما هو علم المنطق / دراسة نقدية للفلسفة الوضعية المنطقية للدكتور يحيى هويدي ص 131].

قال أبو عبدالرحمن: القياس المنطقي ههنا عن إحدى حالتين: (إما، وإما)، وليس عن حالتين معاً في آن واحد.. وما كان غافلاً عن الفارق؛ ولهذا خلط عمداً بين المِثال والقاعدة؛ فالمثالُ هو ما أورده، والقاعدة هي ما أسقطه، وهي: (لا يجتمع النقيضان ولا يرتفعان، ولا يجتمع الضدان ولكنهما يرتفعان)؛ فهذا ليس تحصيلَ حاصل، بل هو إخبار عما كان ويكون في الواقع، وأنه لا يخرج عن هذا الأصل، وأن الواقع منذ خلق الله البشر ذوي العقول لم يَخْرِم هذا القانون بمثال واحد.. وأما المثال الحسييُّ وهو أن السماء (سماءَ المشاهِد بكسر الهاء) نفيسه إما أن تكون مُمْطرة، وإما أن تكون غير ممطرة؛ فهذا تحصيل حاصل بلا ريب؛ لأن مشاهَدَة البشرية متفقة على حصر الحال في إحدى هذين الحالين بداهةً، ولا توجد حال أخرى غيرُ هاتين كأن تكون ممطرة وغير ممطرة في آن واحد؛ فالثالث مرفوعٌ إذن.. وحسبك من رسوخ قانون الثالث المرفوع في العقول أن شواهده مشاهَدة عالمية!!.. ولكنَّ فرضَ وملاحظةَ وحصيلةِ تجربة الباحث في مختبره لا تَتمُّ إلا بقانون: (أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان)؛ لأن القسمة في الواقع (إما، وإما)، ولا ثالثَ غير ذينك.. وهذا القانون هو ضرورة العقل، وهو ضرورة الحِسِّ مصدرِ الإدراك العقلي، وهو ضرورةُ وشرْطُ ما أنضجته التجربة؛ وبذلك كانت برهاناً واقعياً؛ فأصبح القانون تحصيلَ حاصِل بداهةً، وهكذا حَصْرُ القسمة.. كل هذا حاصل بداهةً من جهة التصور،وهو مُخْبِرٌ بالحكم في الواقع ما وقع منه وما سيقع.. وهذا القانون بقسمته الحاصرة في أحكامه ليس تحصيلَ حاصل، بل هو يكشف لي عن الوقائع التي لم أعلم الحكم فيها بعد، وتَتَعيَّن بأن حكمها الامتناع، أو الإمكان، أو الوجوب.. وأعلم في الأحكام الوضعية ما كان صحيحاً أو فاسداً أو لَغْواً، وأعلم في أحكام المسؤولية الشرعية ما هو واجب أو مستحب أو مباح أو مكروه أو مُحرَّم.. ونتيجة الاعتداءِ على المعايير إسقاط المسؤوليةِ التي لا تستقيم الحياةُ وتَحْلُو بغير تَحمُّلِها، ونتيجة الاعتداء على الحقائق بالتعميةِ عنها العدميةُ بالقعود عن حياةٍ فاعلةٍ مُنْتِجة، والإباحيةُ، والتضحيةُ بأهوال العُمْرِ الأبدي ومسؤوليته المُخزية أو الراغدة بعد النشور، ويلي ذلك في الدنيا الفانية الجنون والعدمية جسمياً ونفسياً وعقلياً، ثم الخروج من الدنيا خروجاً من العار إلى خزي الآخرة، ولا أعظم من خِزْي النار.. وهذا هو ما اقترفهي حقِّ البشرية الحسبانيون عمداً؛ فالدين لا يَعْلَم، والعقل لا يَعْلم، والعلم لا يَعْلَم.. يعني أن ما أَنْضَجَتْهُ تجرِبة البشريةِ، وانتقل مِن النظرية الباطلة أو المُحْتَمَلَة إلى حقيقة قطعية، وأصبح شهادةً كونية من الله في الآفاق والأنفس يتحمَّلُ بها العقلُ الذي هو هداية الله الكونية مسؤوليةَ الإيمان لا يَعْلَم.. أي لا هدايةَ فيه للبشريَّة أصبح كلُّ ذلك: لا يعني أن في حقائق العلم المادي ضمانة للإيمان.. والعقل يعلم؛ لأنني حال ارتباط الحاسة بالمحسوس لا يخلو ذهني من حالين: فإما أن يعي الذهنُ هذا الارتباطَ مثلَ أنْ أمصُّ بحواسِّ اللمس طعمَ التفاحة فتكونَ الحلاوةُ علماً حصل لعقلي بآلة الحس، وإما أن لا يعي الذهن هذا الارتباط فههنا لم تحصل لي معرفة؛ فَمَصِّي للتفاحة وعدم مصِّها سيان؛ فتظل الحلاوة موجودة ولم أعلم بها.. ومثل ذلك من المرئيَّات والمسموعات اللوحُ والخط وصوت الببَّغاء حِسِّيَّات؛ فهي ظواهر حِسِّيَّة وجودية، ولكنها لا تصبح علماً حتى يَعِيَهَا عقلي ويستوليَ عليها بملكاته؛ إذن الحس لا يعلم، وإنما الذي يعلم العقل، والحس آلة، والمحسوس ظاهرة عينية وجودية يأخذ منها العقل معارفه، والمحسوس مصدر المعرفة لأنه مكان وجودها، والحواس مصدر تحصيل المعرفة؛ لأنها آلات جَلْبِها إلى العقل.. والعقل مصدر تحقيقيها؛ لأن العقل يستطيع تحقيق المعرفة بالحواس، ويستطيع تحقيقها بما وعاه من الحواس بعد غياب المحسوس؛ لأن ما أسميه علماً أو معرفة ليس سوى الخبر بواقعة أو عن واقعة يستعيد عقلي تصوُّرَها أو تصوُّرَ الحالةِ المرتبطة بها..وأُعَبِّر عن ذلك برمزٍ عَرَفَتْهُ الأجيال كألفاظ اللغة، أو برمز اختياري إرادي يستحدثه جيل من الأجيال كالرمز بالإشارة الخضراء في العصر الحديث عن الإذن لسائق السيارة بالسير.. وما أسميه معرفة إنما هو تصوُّر حالة من حالات الموجود، أو عددٍ من حالاته، أو جميع حالاته.. وما أسميه علماً إنما هو تصوُّرُ علاقةِ موجودٍ بغيره، أو تصوُّرُ نتائجَ هذه العلاقات، أو تَصَوُّرُ وجه الشَّبهِ مع بقاء الفوارق في ذاكرة العقل.. وتصوُّري واقعةٌ حِسَّيَّةٌ بعينها لا تزيد عن الواقع حالَ إحساسي به.. بمعنى أنني استحضرت صورةَ ما غاب عنِّي ولم أزد؛ فذلك معرفةٌ مباشرة، والعِلمُ مُنْصَبٌّ على استنباط العقل في أحكامه بالعلاقات والفوارق.. وصورة العلاقات والفوارق التي نتج عنها الحكم معرفة حسية مباشرة استودها تصوُّر العقل في ذاكرته.. وتصوُّري الفوارقَ من محسوسات مجتمعة تمييزٌ؛ لأن تعدُّدَ الفوارق يقتضي التمييزَ بينها، ثم يكون هذا التمييز بين الفوارق في محسوسات مجتمعة معرفةً حِسِّيَّةً يتذكرها العقل؛ لأنها تصوُّرٌ استودعته الذاكرة؛ ولأنه تذكُّر لمحسوساتِ كانت متمِّيزة منذ علمت بها بالاستنباط؛ وأنت تقول: (عرفت زيداً)، ولا تقول: (علمت زيداً)؛ لأنك أدركته بواسطة الحس ولا سيما البصر.. وتقول: (رأيته فعرفته فلم أُنكره) فأثبت معرفةً سابقة، ونفيت الجهل؛ فإن قلت: (تذكَّرته وسمعته فعرفته، ولمسته فعرفته، وشممته فعرفته) فأنت تنفي الجهل وتثبت نسياناً سابقاً، وليس النسيان جهلاً؛ لأن الجهل نقيض العلم وضد المعرفة ولا تقول: (سمعته فعلمته) إلا بتجوُّزٍ بالبعضية، فالعلاقة أن المعرفة بعض العلم.. والمعرفة المباشرة من جهة ثانية أثبت من العلم؛ لأنها إدراك مباشر، والعلمُ أغزر عطاء؛ لأنه استنباط لما وراء الظاهرة؛ فهو معرفة وزيادة.. والمعرفة والعلم أحكام وبراهين؛ فالأحكام أن تقول في مسائل الوجود: (هذا واجب متعين، وذلك ممتنع، وذلك ممكن)، والبراهين ما صدر من بُعدٍ أو قربٍ عن قوانين العقل الثلاثة، وهي: السببية؛ فلا يكون شيئ إلا بسبب، ونفي ارتفاع النقيضين مع نفي اجتماع الضدين والنقيضين، والهُوِيَّة، وهو أن الشيئ يساوي نفسه.. وهذه القوانين حقيقية في نفسها يحكم بها العقل، والأصل قانون الهُوِيَّة، ومنه اشتُقَّ القانونان الآخران.

قال أبو عبدالرحمن: مسلك علماء الكلام أسهل وسيلة لتحليل حجج العقول لمعرفة قوانين العقل الجامعة؛ ذلك أنهم لاحظوا انحصار أحكام العقل التي يحكم بها على الأشياء في ثلاثة أحكام، وهي: الامتناع، والإمكان والوجوب؛ فما لا يستطيع العقل تصوُّر وجوده ممتنع، وما لا يستطيع العقل التصور بدونه واجب، وما جاز أن يتصوره نفياً وإثباتاً فهو الممكن؛ فالمحك لَمَّاحِيَّة العقل الإنساني المُشترك لفوارق الأحكام في الأشياء.. والممتنع والواجب من ضرورات العقول الواضحة الجليَّة عند كل أحد.. يجدها في عقله كما يجد لذة الماء بعد الظمإ، ولذة الأكل بعد الجوع، وألم البرد والحر.. وكذلك صحة الاحتمال عند الإمكان ضرورة عقلية؛ وإذن فهاته الضرورات صفات وجودية، والعقول يشهد بعضها لبعض بأنها موجودة، وقانونها هو وجودها وحسب.. وأما هل يستطيع أحد المكابرة بإنكارها فالجواب: نعم.. ولكن بلسانه فقط، وتُعْرف مكابرته بما تُعرف به حالُ المنقطع في الجدال، ولست بسبيل البحث عن هذا، وقد يكون لتحقيق هذا مناسبة أخرى إن شاء الله، وحسبي ههنا التنبيه إلى أمر مُهِمّ جداً، وهو أن المنطق الأرسطي جزئية من نظرية المعرفة والعلم من جهتين: أولاهما أنه يَرُدُّ إبطالَ المقدمات السوفسطائية التي وضعها مصطنعو الشَّكِ قبل أن يؤلِّف أرسطو منطقَه إلى المحاكمة بنظرية المعرفة والعلم، وأخراهما أن في ثناياه تذكير بما هو من بِناءِ نظرية المعرفة والعلم، والغفلة عنها يهدم بناءها.. وكما اعتدى مصطنعو الشك على القياس المنطقي عمداً فقد اعتدى عليها عن حسنِ قصدٍ مَن أسقط علم المنطق بإطلاق، وغفل عن مقاصد أهل المنطق؛ فلم يُنَزِّل أحكامهم على مقاصدهم كما هي بلا تأويل؛ ولهذا قالوا: ((علم المنطق لا يضرَّ الجهلُ به، ولا ينفع العلمُ به))؛ فيا لها من فضيحة!!.... وقالوا: ((لو كان فيه خير لأمر به الشرع))؛ وهذا جهلٌ فاضح أيضاً؛ لأنه جهلٌ بوظيفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فما كان في فطرة الله الكونية من الإدراك الذي يتوصَّلُ إليه الناس بفطرتهم - والعقل الذي هو نور الله الفطري هو مرجع كل إدراك - لا مجال لتعليم الرسل به؛ لأن الله جعل ما فطر عليه الناس من المعرفة والعلم بقضائه الكوني حجةً عليهم بها بما بثَّه شاهداً عليهم في الأنفس والآفاق على الإيمان بقضائه الشرعي؛ وإنما دور الشرع أن يُذكِّرهم إذا انحرفوا عن فطرة العلم والمعرفة؛ فيحذِّرهم من القول بلا علم، ويذِّرهم من إسقاط العلم بالجحد؛ ولهذا أخذت الصاعقة بني إسرائيل لما قالوا: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [سورة البقرة 55]؛ لأن هذا واقع مغيَّب يُستدلُّ عليه بالبراهين التي أنتجت العلم بعصمة الشرع؛ فسؤالهم إسقاط لبراهين العلم بالعصمة.. وسيرى المؤمنون ربهم في الواقع المُغَيَّب بما أذن الله به من الرؤية ولا تدركه الأبصار إدراك إحاطة، وسيسمع المؤمن والكافر كلامه جل جلاله، كلامه في الحساب وفي الدارين (الجنة، والنار)؛ فإلى لقاء عاجل إن شاء الله، والله المستعان.

- عفا الله عنه -

مقالات أخرى للكاتب