Saturday 07/06/2014 Issue 15227 السبت 09 شعبان 1435 العدد
07-06-2014

العقاد (مجموعة أدباء في أديب)

العقاد صال وجال ثم غادر، هكذا الحياة جولات وصولات فمغادرة، لا بقاء في الدنيا، هي فترة نشاط أو صراع يعقبها هجعة إلى أمد، كثيرون مروا من هنا وغادروا، منهم عباس محمود العقاد، المجلجل بصوته، والمرهب بقلمه والمخيف بخطابه، تهتز له المنابر، وتبسط له أعمدة الصحف، ويصغي إليه المستمع، ويميل إلى قراءة كتبه المتابع، رائد الفكر وصانع القصيدة, ومهندس المقالة وسابك الكلام، إن أراد غاص في أعماقه حيث الفلسفة الخفية، وإن أراد أَلمح، وإن أراد صرح، كل ذلك في مهارة قول، وتمكن من علم، ترفده حصيلة ثقافية واسعة منها الديني ومنها الدنيوي بأشتاته وغرائبه، فيُدني البعيد، وينأى بالقريب إذا اشتهى، مُغَرِّد في كل واد, ومُنشد حيث يحلو الإنشاد، آلته القلم حيث حَلّ، لم يلتفت إلى متعة ولم تغره صبابة، صانع مجد ثقافي.

تربّع على عرشه رائداً، وسما في أفق العلوم باحثاً ومؤلفاً، ولم يشعر بدونية شهادته، فقد علّم نفسه وثقّف روحه، فثبت للمبارزة، وكان في صف طبقة المثقفين في عصره الرافعي وطه حسين والمازني وشكري وغيرهم كثير، لقد تميّزت حقب من التاريخ ببروز ثلّة من الشعراء، أو الكتّاب كل واحد منهم يقول أنا السابق، فسجّلهم التاريخ في إضبارته، ولم يقدم واحداً منهم على الآخر، وقد اجتهد الدارسون في تقديم هذا وتأخير صاحبه ولكنهم لم يصلوا إلى نتيجة حاسمة وحكومة تقضي بالتقديم والتأخير، فبلاط عمرو بن هند يضم شعراء تعاصروا، منهم عبيد بن الأبرص الأسدي، وعمرو بن كلثوم, والحارث بن حلزة، وطرفة بن العبد, والمتلمس، وكل واحد يقول أنا السابق, وبلاط النعمان بن المنذر ضم أيضاً مجموعة من الشعراء يتنافسون في التقدم منهم: النابغة الذبياني, ولبيد بن ربيعة العامري، والأعشى ميمون بن قيس، والمنخل اليشكري, وعدي بن زيد العبادي، فكل واحد له ما يميّزه ويقدمه، وفي العصر الأموي برز ثلاثة شعراء هم جرير والفرزدق، والأخطل، فاحتلوا المساحة الأدبية ولم يتركوا مكاناً لغيرهم مع كثرة الشعراء في ذلك العصر، وما زال الدارسون إلى اليوم لم يجزموا بتقديم واحد من الثلاثة لأنّ لكل واحد منهم ما يميّزه في أصالته، وتبرز بيئة العقاد ثلة من الأدباء هم: العقاد, والرافعي، وطه حسين، والمازني، وعبدالرحمن شكري، فلو قدمنا الثلاثة: العقاد، والرافعي, وطه حسين, على المازني، وشكري, فكيف نقدم واحداً من الثلاثة على صاحبه، إنه ينطبق على هؤلاء الثلاثة ما ينطبق على جرير والفرزدق والأخطل في صعوبة تقديم هذا وتأخير الآخر، ومن المفارقات العجيبة أنّ كل واحد من هؤلاء الثلاثة الذين تصدّروا الثقافة في عصرهم نقص في تركيبه الجسماني أو في تعليمه، فطه حسين أعمى، والرافعي أصم لا يسمع، والعقاد يحمل الشهادة الابتدائية، وكل واحد من هؤلاء أكمل نقصه وزاد على الكَمَلَة بل تقدمهم بشأو بعيد، إنها الهمة والرغبة في السّمو والصبر والمثابرة، والجد في مواصلة البحث ونبذ التخذيل، إننا لا نقدم العقاد ولا نؤخره بل نعطيه حقه لأنّ كل واحد من هؤلاء الثلاثة له ما يميّزه عن غيره، فننظر إلى مجد العقاد الأدبي كيف حصل عليه وما الطريق الذي سلكه حتى نال هذا المجد، فنقول إنه حصل على الشهادة الابتدائية في أسوان في مطلع القرن العشرين الميلادي، وهذه الشهادة هي المرقاة الأولى في سلّم المجد، فقد أتاحله هذه الشهادة الوظيفة حيث يؤمن الإنسان عيشة فلا حياة بدون عيش، ولكن العقاد لم يجثم في هذه الوظيفة إلى الأبد كما يجثم غيره، فقد طمح إلى عمل أرقى فاشتغل في الصحافة، وعن طريق الصحافة نشر شعره ومقالاته، فعرف العقاد شاعراً قبل الحرب العالمية الأولى، وعندما طبع ديوانه الأول سنة 1916م كان شاعراً معروفاً في مصر، وكاتباً تقرأ مقالاته من قِبل شريحة واسعة من القراء، ولم تمض عشر سنوات حتى طبع ديوانه الطبعة الثالثة في أربعة أجزاء، كان ذلك في عام 1928م، وقد تتابع إنتاجه الشعري في مجموعات شعرية منها: وحي الأربعين، هدية الكروان، عابر سبيل، ولما ثبتت قدم العقاد في بيئة الثقافة وأحس بمكانته المحترمة شرع في نقد الأعلام الذين يُهاب جانبهم، فكان لنقده صدى تجاوز مصر إلى غيرها من البلدان العربية، فالأدباء في مصر استعظموا جرأة العقاد، ولكن العقاد أغفل جانب الخوف، وقدم ما يؤمن به من تطوير الأدب، في الدعوة إلى التجديد في الشعر ونبذ الطريقة القديمة، ولم يقف العقاد عند النقد بل سلك مسارب الثقافة المتشعبة والمتعددة ليجعل له في كل وجهة ثقافية كرسياً يتربّع عليه، وقد انعكس ذلك على إنتاجه الفكري عامة الذي نجده في الشعر والمقالة والنقد والدراسات الأدبية والسيرة والرواية والدين والفلسفة، فالشعر رافق العقاد منذ شبابه الأول، وهو شعر فيه القوي والليِّن، وفيه الصخب والهمس، وفيه الوعر والسهل، وفيه ما يلبس ثوب التجديد وما يرتدي عباءة القدماء, والعقاد عنده آمال في شعره، ولكن قبوله لدى المتلقين لم يَعْدُ قبول غيره، وخير من وصف شعر العقاد رفيق دربه وصديقه إبراهيم عبدالقادر المازني في تقديمه لديوان العقاد، حيث يقول: ((بحر بلا انتهاء! هذا هو الذي بين أيدي القراء: موج فوق موج، ودفاع بعد دفاع، ورغوة من ورائها رغوة، وحركة في إثر حركة، وأُواذيّ مصطفقة، ورياح مصطحبة، ومد وجزر، وضوضاء كأنما انطلقت شياطين الأرض تعوي، وظلام يصد العين عن النظر، وصفاء شفاف يغري بالخوض والسَّبْح)). وفي موضع آخر من المقدمة يقول المازني: ((وفي هذا الشعر ما في الحياة والطبيعة، وليس كل ما في الحياة معجباً مونقاً، ولا كل ما في الطبيعة الأزهار والرياحين، فثم إلى جانبها الشوك والجبال الجرداء والبراكين الفائرة الثائرة بالخراب والدمار والنقمة، والعقاد نفسه يُقِرُّ أن في ديوانه غباءً إلى جانب الحكمة، ويأساً إلى جوار الرجاء، وبغضاً يُنَاوِح الحب،وكثيراً غير ذلك مما ضاق عنه الشعر وأوجز في بيانه الشاعر)), فالمازني في هذا الجزء من مقدمته يشير إلى الأرجوزة التي استهل بها العقاد ديوانه وهي:

هذا كتابي في يد القُرَّاء

ينزل في بحر بلا انتهاء

فيه من الحكمة والغباء

وفيه من يأس ومن رجاء

وفيه من حب ومن بغضاء

وفيه من صمت ومن ضوضاء

صورة مُحَيَّايَ لعين الرَّائي

فليلق بين القدح والثناء

ما شاءت الدنيا من الجزاء

وإذا استقرأنا الديوان وجدنا فيه الأنماط التي أشار إليها العقاد في أرجوزته، وليس من اليسير عرض الأنماط كلها وإنما نسوق أنموذجين أحدهما للِّين والآخر للقوة، فالأول عنوانه: (إلى السعادة) يقول:

مه يا سعادة عني

فما أنا من رجالك

لا تطمعي اليوم مني

بالسعي خلف خيالك

فقد سألتك حتى

مللت طول سؤالك

وقد جهلتك لما

سحرتني بجمالك

إن الحبيب بغيض

إذا استعز بخالك

فلا تمري ببالي

ولا أمر ببالك

أشقى الأنام أسير

معلق بحبالك

والثاني عنوانه: (فرضة البحر) يقول:

قطب السفين وقبلة الربان

يا ليت نورك نافع وجداني

يزجي منارك بالضياء كأنه

أرق يقلب مقلتي ولهان

وعلى الخضم مطارح من ومضة

تسري مدلهة بغير عنان

كمطارح الأفكار في لجج على

لجج من الشبهات والأشجان

تخفى وتظهر وهي في ظلمائها

باب النجاة وموئل الحيران

هذا صدر القصيدة اجتزأناه لنقف على هذا الأنموذج من شعره, والفن الثاني الذي رافق العقاد منذ أول شبابه فن المقالة الصحفية بفروعها المختلفة، من أدبية وسياسية واجتماعية ونقدية، فقد كتب في أكثر الصحف المصرية، منها البلاغ والجهاد وغيرهما، وتحوي مقالات العقاد الأولى إنتاجه النثري الأول، حتى إن ذلك الإنتاج كان له أثر في اتجاه العقاد الفكري، فهو في نشأته شاعر ولكن الإنتاج النثري أغراه بالاتجاه إلى النثر أكثر من اتجاهه إلى الشعر، ذلك أن قبول النثر لدى المتلقين أكثر من قبول الشعر، ومن خلال ذلك القبول الذي شعر به العقاد خفف من الاعتماد على الشعر واستغرق في القراءات المختلفة التي فتحت له أبواب المعرفة، فاسترسل فيها وولج في شعابها وجمع مقالاته في كتب أقبل الناس على قراءتها منها: الفصول، مطلعات في الكتب والحياة، مراجعات في الآداب والفنون، وقراءات العقاد أكثر من كتاباته في الصحف وأكثر من تأليفه، فهو يقرأ في ليله ونهاره فليس لديه ما يشغله فلا زوجة ولا أطفال، وإنما همه القراءة ثم القراء ثم التأليف، فهو قارئ نهم وهذا هو سر إنتاجه الضخم والمتنوّع، فالشعر والمقالة هما الركيزة الأولى لشهرة العقاد، دخل عن طريقهما في معمعة المجتمع المصري حتى عرف شاعراً وكاتباً، فلم يَعُد اسم العقاد نكرة بين الأدباء ورجال الفكر، وهاتان القاعدتان أتاحتا للعقاد التطاول على العمالقة مثل شوقي وغيره من عمالقة الأدب، فنقد هذا وناقش هذا ودخل في معركة أدبية مع أكثر من أديب ومفكر، ومما يثبت مكانة العقاد الأدبية في آخر شبابه وأول كهولته، نقده شوقي الذي أودعه في كتاب وسمه بـ(الديوان) بالاشتراك مع المازني، فهذا الكتاب أحدث ضجة وصخباً في مصر وفي البلاد العربية عامة، ذلك أنّ المنقود شوقي الذي يقرن بالمتنبي، أو هو متنبي العصر الحديث، فالهجوم قاس والنقد لاذع، وهذا يدل على مكانة العقاد التي أتاحت له هذه الجرأة، ونحن لا نقول إلاّ ما سطّره العقاد بقلمه وأشاعه في الناس بلا خوف ولا وجل من شوقي صاحب السلطة الاجتماعية، ونسوق مقاطع عن كتاب الديوان تثبت ما أشرنا إليه منها: ((كنا نسمع الضجة التي يقيمها شوقي حول اسمه في كل حين، فنمر بها سكوتاً كما نمر بغيرها من الضجات في البلد، لا استضخاماً لشهرته، ولا لمنعة في أدبه عن النقد، فإنّ أدب شوقي ورصفائه من أتباع المذهب العتيق هدمه في اعتقادنا أهون الهينات، ولكن تعففاً عن شهرة يزحف إليها زف الكسيح ويضن عليها من قولة الحق ضن الشحيح، وتُطْوَى دفائن، أسرارها طي الضريح)), ويمتد التجريح النقدي على صفحات الديوان فلا يقف عند حد ولا يَرْتئي التعقل في الطرح النقدي، فنقرأ: ((وعلى نفسها جنت براقش، فنحن نكتب هذه الفصول لنظهر لشوقي ومن على شاكلته عجز حياتهم ووهن أسلحتهم، ونضطرهم إلى العدول عن أساليبهم المستهجنة يأساً من صلاحها في هذه الأيام، إذ يعلمون أنها لا تعصم عن النقد الصحيح ولا تموه على الناس أقدارهم إلا ريثما تنكشف أسرارهم)), ونقرأ في صفحات أخرى من الجزء الأول من الديوان: ((ومن نظر إلى عشرة ممسوخين في بقعة واحدة فاشمأزت نفسه من رؤية عاهاتهم ومقاذرهم خليق أن يدرك اشمئزازنا حين ننظر فنرى حولنا العشرات والمئات من ذوي العاهات النفسية البارزة يستحسنون مثل هذا الشعر على غثاثته وعواره، بل هو لا يروقهم إلا لما فيه من غثاثة وعوار)).

وننتقل إلى الجزء الثاني من الديوان فنجد فيه نشاط العقاد في نقد شوقي على أشده لم تنكسر حدته، وإنما تمادى في الهجوم على شوقي وشعره مستخفاً بمكانته الشعرية وبمقامه الاجتماعي، يقول العقاد: ((عَرَضْنَا شوقي في الميزان لأول مرة فارتج به ارتجاجاً عنيفاً، وأيقظه من غفلة كان فيها سادراً، وما هو إلا أن حط به ثم شال حتى تمنى أن يركز به على حال، وذهب يوطن نفسه على جاه غير جاه الشعر ويقول لخلطائه وسماسرته: هبوني لست بالشاعر أليس لي فخر آخر أدل به؟)), وفي الواقع أنّ شهرة العقاد النقدية إبان هجومه الكاسح على شوقي سمت به إلى حد الغرور، حيث يقول في صفحة عن صفحات الجزء الثاني من الديوان:

شوقي تولاه عباس فأظهره

واليوم يخمله في الناس عباس

وحتى قصيدة شوقي النونية لم تسلم من نقد العقاد واستنقاصه فبيت شوقي:

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها

فالذكر للإنسان عمر ثان

مأخوذ من قول المتنبي:

ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته

ما فاته وفضول العيش أشغال

وبيت شوقي:

دقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائق وثوان

يقول فيه العقاد: ((فإنه بيت القصيد في رأي عشاق شوقي فعلى أي معنى نراه يشتمل؟ معناه أن السنة أو مائة السنة التي قد يعيشها الإنسان مؤلفة عن دقائق وثوان، وهذا هو جوهر البيت، فهل إذا قال قائل: إن اليوم أربع وعشرون ساعة، والساعة ستون دقيقة يكون في عرف قراء شوقي قد أتى بالحكمة الرائعة؟)).

وهكذا يسير العقاد في نقده لشعر شوقي ذلك النقد الذي حواه كتاب الديوان الذي ذاع اسمه وتناقله الأدباء واحتفلوا به، فكل واحد يرغب في الاطلاع عليه حتى نفد من الأسواق في مصر وفي غير مصر من البلاد العربية، أما الآن فقد هدأت العاصفة ولم يَعُد لكتاب الديوان ذلك البريق الذي حظي به أيام ظهوره.

وإذا كنا قد عرضنا جهود العقاد في النقد فلننتقل إلى إسهامه في كتابة السيرة، فله في هذا المجال كتب متنوعة منها عبقرية محمد وعبقرية الصديق وعبقرية عمر, ومحمد عبده وغيرها، وهو يصرح بأنّ كتب العبقريات لم يقصد بها التاريخ ولا الترجمة وإنما رسم الصورة النفسية، فهو يقول في مقدمته العبقرية للصديق: ((في تقديم كتابي هذا عن أبي بكر الصديق أقول ما قلته في عبقرية محمد وعبقرية عمر، وكل كتاب من هذا القبيل، وفحواه أنني لا أكتب ترجمة للصديق رضي الله عنه، ولا أكتب تاريخاً لخلافته وحوادث عصره، ولا أعني بالوقائع من حيث هي وقائع ولا بالأخبار من حيث هي أخبار، فهذه موضوعات لم أقصدها ولم أذكر في عناوين الكتب ما يعد القارئ بها ويوجه استطلاعه إليها، ولكنما قصدت أن أرسم للصديق صورة نفسية تعرفنا وتجلو لنا خلائقه وبواعث أعماله)).

وهذا النهج الذي سار فيه في العبقريات لا نجده في كتب السيرة الأخرى، ففي كتابه عن محمد عبده كتب عن التاريخ والترجمة، وهذا يدل على قدرة العقاد وتطويعه الفكري لما يريد، وهذا لا يحصل إلا للعباقرة، ونجتزئ جزءاً من مقدمة كتابه عن محمد عبده، حيث يقول: ((نبدأ هذا الكتاب بفصل عن عصر اليقظة، يليه فصل عن حياة القرية المصرية في ذلك العصر، يليه فصل عن الجامع الأزهر، فيما اتصلت به حياة القرية من رسالته الفكرية والاجتماعية، لأننا نفضي من كل تاريخ من هذه التواريخ الثلاثة إلى تاريخ صاحب السيرة، أعظم من أنجبته القرية ونهض برسالة الأزهر في عصره، عبقري الإصلاح والهداية محمد عبده قدس الله روحه وأعاننا على التعريف بفضله والتعريف بواجبنا من بعده))، هذه الكتب في السيرة ومع ذلك تشعَّبَ القصد والوجهة.

وللعقاد في الدراسات الأدبية قدم ثابتة، ومؤلفاته في هذا المجال تشهد له، فكتابه (ابن الرومي حياته من شعره) طبع في حياة مؤلفه سبع طبعات وطبع بعد موت مؤلفه طبعات عدة، مما يدل على انتشاره وطلبه من قِبل الدارسين للأدب، فالكتاب بحق دراسة وافية مزج فيه العقاد الحياة بالتاريخ، وربط البيئة بصناعة الشعر، وسلّط الضوء على نوازع نفس ابن الرومي تلك النفس الغريبة الأطوار التي استطاعت أن تولد معاني الشعر من بعضها فتمدد القصيدة إلى طول لم يعهده الشعر العربي، ولا نقول في هذا الكتاب إنّ العقاد عالة على ابن الرومي فهو دارس لا أقل ولا أكثر، لا نقول ذلك لأنّ نظرية التلقي تنصف الدارس فتعترف له بأنه مشارك لصاحب الإنتاج الأول، فالتلقي مشاركة وإضافة، ولا تزال إضافات التلقي ترفد العمل الأول وتكمل نواقصه، وإضافات العقاد في مقدمة تلك الإضافات فقد نبَّه العقاد على نواح عدة في شعر ابن الرومي لم يلتفت إليها غيره، نذكر شيئاً منها أشار إليها العقاد في مقدمة كتابه المذكور، من ذلك قوله: ((وابن الرومي شاعر كثير التوليد، غواص على المعاني مستغرق لمعانيه، ولكننا لو سئلنا ما الدليل على شاعريته لكان غبناً له أن نحصر هذا الدليل في التوليد والغوص والاستغراق، فقد نحذف منه توليداته ومعانيه، ولا نحذف منه عناصر الشاعرية والطبيعة الفنية، فهو الشاعر من فرعه إلى قدمه والشاعر في جيده ورديئه، والشاعر فيما يحتفل به وفيما يلقيه على عواهنه)).

وقد أسهم العقاد في فن القصة والرواية وإن لم يتجه إلى هذا الفن اتجاهاً كاملاً، فهو مشعول بنواحي الفكر المختلفة من أدب وغيره، ولكن إسهامه في الرواية تمثله روايته (سارة) .

ومع إبداع العقاد الأدبي فإنه أسهم في التأليف في الدين والفلسفة، فله الكتب: الله، الفلسفة القرآنية، إبليس.

هذا هو محمود العقاد المولود في أسوان سنة 1889م والمتوفى في القاهرة سنة 1964م، صال وجال ثم مات، فالموت يحطم الأجساد كما قال أبو العلاء المعري:

تحطمنا الأيام حتى كأننا

زجاج ولكن لا يعاد له سبك

ويقول:

إن حزناً في ساعة الموت أضعا

ف سرور في ساعة الميلاد

ضجعة الموت رقدة يستريـ

ـح الجسم فيها والعيش مثل السهاد

والموت نهاية للعقاد وغيره يقول، إلياس فرحات:

إن الخلائق أنهر

تجري إلى البحر الوسيع

يصل البطيء إليه كرهاً

مثلما يصل السريع

فالشاة تفتك بالكلا

والذئب يفتك بالقطيع

والصقر يفتك بالقطا

والموت يفتك بالجميع

رحم الله العقاد الذي أسهم في فكر أمته إسهاماً أبقاه حياً بيننا بأدبه وفكره عامة إن غاب جسده.

مقالات أخرى للكاتب